الصحافة

جوناثان باول في بيروت: بريطانيا إلى الجنوب؟

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

ليست واشنطن وحدها من تبحث عن مخرج لتعقيدات الجبهة اللبنانيّة – الإسرائيليّة. بهدوء، عبر سلسلة من اللقاءات امتدّت من لندن إلى أنقرة وبيروت ودمشق، دخلت بريطانيا على خطّ الأزمة مستعينة بأحد أكثر رجالها خبرة في إدارة النزاعات والقنوات الخلفيّة: مستشار الأمن القوميّ جوناثان باول.

بحسب معلومات “أساس”، لا تطرح لندن حتّى الآن مبادرة متكاملة أو مساراً بديلاً للدور الأميركيّ، بل تعمل على بلورة مقاربة تهدف إلى تثبيت وقف إطلاق النار وفتح مسار يؤدّي إلى انسحاب إسرائيليّ تدريجيّ من الجنوب، بالتوازي مع خطوات لبنانيّة قابلة للتحقّق في ملفّ حصريّة السلاح وتعزيز انتشار الجيش وترسيخ سلطة الدولة.

ليس تفصيلاً اختيار باول لهذه المهمّة. فهو أحد أبرز مهندسي المسار البريطانيّ الذي أفضى عام 1998 إلى “اتّفاق الجمعة العظيمة”، الذي حمل اسم اليوم الذي أُنجز فيه، وساهم في وضع حدٍّ لثلاثة عقود من النزاع الدمويّ في إيرلندا الشماليّة بين قوميّين سعوا إلى الوحدة مع جمهوريّة إيرلندا ووحدويّين تمسّكوا ببقائها ضمن المملكة المتّحدة. وأرسى الاتّفاق صيغة لتقاسم السلطة وعالج ملفّات شائكة في مقدّمها السلاح والأمن.

عمل باول بصورة وثيقة مع رئيس الوزراء البريطانيّ الأسبق توني بلير، واضطلع بدور في المفاوضات والقنوات الخلفيّة التي سبقت إبرام الاتّفاق، وهي خبرة تبدو حاضرة اليوم في مقاربته للملفّ اللبنانيّ.

من المتابعة إلى التّحرّك

بدأ الاهتمام البريطانيّ يتبلور عمليّاً من خلال مسارين متوازيَين:

1 ـ المتابعة السياسيّة والأمنيّة المباشرة التي أجراها باول مع رئيس الجمهوريّة جوزف عون خلال المرحلة السابقة.

2 ـ زيارة باول لبيروت، التي عكست انتقال لندن من المتابعة إلى محاولة المساهمة في صياغة أفكار عمليّة للحلّ.

خلال زيارته بيروت، أجرى باول لقاءات مع رئيس الجمهوريّة جوزف عون، رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي، رئيس مجلس الوزراء نوّاف سلام، ونائب رئيس الحكومة طارق متري.

لكنّ استكشافه للموقف اللبنانيّ لم يبدأ في بيروت. فقبل ذلك بأسابيع، كان باول قد التقى في لندن قائد الجيش العماد رودولف هيكل، واستمع منه بصورة مباشرة إلى تصوّرات المؤسّسة العسكريّة بشأن الجنوب، وانتشار الجيش هناك، ومتطلّبات تنفيذ أيّ ترتيبات أمنيّة جديدة.

ضمانات لإسرائيل… وللبيئة الشّيعيّة

من هذه الخلفيّة، طرح باول في الملفّ اللبنانيّ مجموعة من الأفكار تتعلّق بطبيعة الدول التي يمكن أن تشارك في ترتيبات الجنوب، وبآليّات التحقّق والضمانات التي تطالب بها إسرائيل.

لكنّ المقاربة لا تقتصر على توفير ضمانات للجانب الإسرائيلي. فبحسب معلومات “أساس”، تشمل الأفكار أيضاً بحث الضمانات السياسيّة والأمنيّة المطلوبة للبنان وللبيئة الشيعيّة لمنع تحوّل أيّ ترتيبات جديدة إلى مصدر تهديد لها.

هذه إحدى الركائز الأساسيّة في المقاربة التي يجري اختبارها: البحث عن ترتيبات توازِن بين تثبيت وقف إطلاق النار ومسار الانسحاب الإسرائيليّ من جهة، وبين الخطوات اللبنانيّة القابلة للتحقّق في ملفّ حصريّة السلاح وتعزيز انتشار الجيش وترسيخ سلطة الدولة من جهة أخرى، ضمن صيغة تأخذ في الاعتبار الضمانات والهواجس الأمنيّة والسياسيّة المتبادلة.

أنقرة أوّلاً… ثمّ بيروت ودمشق

لم يتحرّك باول على الساحة اللبنانيّة بمعزل عن الإقليم. فقد سبقت زيارته بيروت زيارة لتركيا، حيث التقى وزير الخارجيّة هاكان فيدان ورئيس جهاز الاستخبارات إبراهيم كالن، وناقش معهما التصوّرات التركيّة للحلّ في لبنان وسوريا، وإمكانية إيجاد نقاط تقاطع بين المقاربات الإقليميّة المختلفة.

بعد بيروت، انتقل باول إلى دمشق، حيث التقى الرئيس أحمد الشرع ووزير الخارجيّة أسعد الشيباني، وناقش معهما بصورة موسّعة الملفّ اللبنانيّ والعلاقة اللبنانيّة – السوريّة.

تساعد علاقة باول السابقة بالشرع وقنوات التواصل القائمة معه في إبقاء المسار السوريّ جزءاً من المقاربة التي يعمل عليها. وهكذا يمتد خطّ الحركة من أنقرة إلى بيروت ودمشق، في محاولة لاستكشاف نقاط التقاطع التي يمكن البناء عليها في أيّ صيغة لاحقة.

مساران بريطانيّان في بيروت

بالتوازي مع تحرّك باول بصفته مستشاراً للأمن القوميّ البريطانيّ، شهدت بيروت تحرّكاً آخر لافتاً. فقد زارها وفد من منظّمة Inter Mediate برئاسة مديرتها كلير حجاج. تكتسب المنظّمة أهميّة إضافيّة لارتباطها بباول نفسه، إذ أسّسها قبل تولّيه منصب مستشار الأمن القوميّ البريطانيّ، وانخرطت منذ ذلك الحين في جهود الوساطات وفتح القنوات الخلفيّة وتسوية النزاعات بالتعاون مع جهات حكوميّة وغير حكوميّة في عدد من بؤر الأزمات.

شملت لقاءات الوفد الرؤساء ومسؤولين سياسيّين، ونائب رئيس الحكومة، ومسؤولين أمنيّين وعسكريّين، في محاولة لبناء صورة تفصيليّة وشاملة عن المواقف اللبنانية، وتقدير إمكانات التحرّك.

تتحرّك Inter Mediate انطلاقاً من مقاربة تقوم على معالجة الانقسامات الداخليّة باعتبارها مدخلاً ضروريّاً لأيّ تسوية خارجيّة. وفي الحالة اللبنانيّة، يبدو أنّ الاهتمام يتركّز على مسارين مترابطين:

ـ المساعدة في تقليص الفجوة الداخليّة بشأن مستقبل السلاح والترتيبات الأمنيّة ودور الدولة في الجنوب.

ـ اختبار إمكان بناء تفاهمات أكثر استقراراً في العلاقات اللبنانيّة – السوريّة، ولا سيما في الملفّات الأمنيّة والحدوديّة والسياسيّة.

ليست بديلاً من واشنطن

على الرغم من اتّساع نطاق الحركة البريطانيّة، لا يبدو هذا التحرّك حتّى الآن مسار وساطة مستقلّاً أو بديلاً من الدور الأميركي، بقدر ما يبدو محاولة لبناء أفكار وقنوات مساندة يمكن توظيفها لتقريب المواقف الداخليّة والإقليميّة، والاستفادة من خبرة باول وInter Mediate في إدارة القنوات الخلفيّة.

لذلك لا تزال المقاربة في مرحلة اختبار الأفكار والمواقف أكثر من كونها مبادرة بريطانيّة مكتملة. لكنّ حركة باول، من لقائه قائد الجيش في لندن إلى زيارة أنقرة وبيروت ودمشق، بالتوازي مع نشاط Inter Mediate داخل لبنان، تكشف حجم الاهتمام البريطانيّ بإيجاد مساحة يمكن البناء عليها.

إذا توافرت الظروف السياسيّة والأمنيّة الملائمة، فقد تُفضي هذه الأفكار والقنوات إلى بلورة صيغة أكثر وضوحاً للترتيبات السياسيّة والأمنيّة في الجنوب اللبنانيّ، تقوم على تثبيت وقف إطلاق النار، وفتح مسار لانسحاب إسرائيليّ تدريجيّ، بالتوازي مع خطوات لبنانيّة قابلة للتحقّق في ملفّ حصريّة السلاح وتعزيز انتشار الجيش وترسيخ سلطة الدولة، ضمن منظومة من الضمانات السياسيّة والأمنيّة التي تراعي هواجس مختلف الأطراف.

لارا منيف - اساس ميديا

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا