قانون العفو العام: تسوية سياسية لا اصلاح
بعد سنوات من الجدل والانقسام السياسي، أقرّ البرلمان اللبناني قانون العفو العام في خطوة وُصفت بأنها الأولى من نوعها منذ عام 1991. يأتي القرار في ظل أزمة خانقة داخل السجون، حيث يقبع آلاف الموقوفين من دون محاكمات، فيما بلغت نسبة الاكتظاظ 300% وفق تقارير رسمية.
القانون الجديد يُفترض أن يفتح الباب أمام آلاف من المحكومين والموقوفين والمطلوبين للاستفادة منه، لكنه لن يشمل الشيخ أحمد الأسير، الذي في المقابل، بحسب معلومات صحافية، سيستفيد من تخفيض مدة العقوبة، بما يؤدي إلى اختصار جزء من الفترة المتبقية له في السجن، ليبقى أمامه نحو سنة وشهرين تقريباً قبل خروجه.
لكن ماذا بعد إقرار قانون العفو؟ ما الإجراءات العملية؟ كيف ومتى سيخرج السجناء؟
النائب ملحم خلف يقول لـ"المركزية": "عالج المشرّع اللبناني مسألة تطبيق العفو العام على الأحكام الجزائية القائمة، فنصّت المادة 147 من قانون العقوبات على صلاحية النائب العام الاستئنافي في إسقاط الأحكام الجزائية عند تحقق أحد أسباب سقوطها، ومن بينها العفو العام. كما
أكدت المادة 24/هـ من قانون أصول المحاكمات الجزائية هذه الصلاحية، فأناطت بالنيابة العامة إسقاط الأحكام الجزائية أو منع أو تعليق تنفيذها وفقاً للمادة 147.
وعليه، فإن طلب الاستفادة من قانون العفو العام، عند وجود حكم جزائي قائم، يُقدَّم إلى النائب العام الاستئنافي المختص مكانيًا، مرفقاً بالمستندات التي تثبت الحكم والجرم وتاريخ صدوره ومدى شموله بأحكام العفو.
فإذا تبيّن أن الحكم مشمول بأحكام العفو، يتخذ النائب العام الاستئنافي الإجراءات اللازمة لإسقاط الحكم ومفاعيله الجزائية ضمن الحدود التي رسمها القانون، بما في ذلك إلغاء أو استرداد مذكرات التوقيف وبلاغات البحث والتحري وسائر التدابير الصادرة تنفيذاً للحكم، واتخاذ ما يلزم لإخراج المعفى عنهم من السجون متى كان توقيفهم أو استمرار تنفيذ العقوبة مستنداً إلى الحكم المشمول بالعفو.
ولا يمتد العفو العام، من حيث المبدأ، إلى الحقوق المدنية أو التعويضات الشخصية الناشئة عن الجرم، ما لم ينص قانون العفو صراحةً على خلاف ذلك.
وعليه، فإن القاعدة العملية هي أن تطبيق العفو العام على حكم جزائي قائم يبدأ أمام النيابة العامة الاستئنافية المختصة مكانيًا، التي تتولى، عند ثبوت شمول الحكم بالعفو، إسقاط الحكم ومفاعيله الجزائية واستكمال الإجراءات التنفيذية اللازمة، وصولاً إلى وقف تنفيذ العقوبة وإطلاق سراح المشمولين بالعفو، وفقاً لأحكام القانون".
هل هو خطوة نحو اصلاح قضائي اجتماعي ام مجرد تسوية؟ يجيب خلف: "بالنظر إلى الصيغة التي أُقرّ بها قانون العفو، أرى أن هذا القانون هو نتيجة تسوية جرت بين القوى السياسية، أكثر مما هو مشروع إصلاح قضائي–اجتماعي قائم على معايير موحّدة للعدالة. أنا لا أعترض
على مبدأ إنصاف المظلوم، ولا على العفو عن حالات محددة تبرّرها اعتبارات العدالة والإنسانية. لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح العفو نتيجة تفاهمات سياسية، فتتسع دائرته لتشمل مرتكبين لا يجمعهم معيار قضائي أو اجتماعي واحد، ويصبح إفراغ السجون من بعض نزلائها بديلاً عن معالجة أسباب الاكتظاظ وأزمة العدالة.
فالإصلاح الحقيقي لا يكون بالعفو عن نتائج الخلل، بل بمعالجة أسبابه: التوقيف الاحتياطي الطويل، بطء المحاكمات، تراكم الملفات، وعدم صدور الأحكام ضمن مهلة معقولة، وضمان المساواة أمام القانون.
وفي المقابل، إذا كان من أشخاص وقع عليهم ظلم فعلي أو بقيت ملفاتهم معلّقة لسنوات، فإن رفع هذا الظلم ليس تسوية، بل واجب عدالة.
لذلك، المعيار بالنسبة إليّ واضح: العفو الذي يستند إلى معيار عام ومجرّد ويرفع ظلماً ثابتاً هو خطوة نحو العدالة؛ أما العفو الذي يأتي نتيجة تسوية سياسية ويتجاوز هذا المعيار فهو تسوية لا إصلاح.
والأهم أن هذه التسوية لا تعالج أصل المشكلة: فالسجون التي ستفرغ من عدد من نزلائها ستعود إلى الاكتظاظ خلال أقل من تسعة أشهر إلى سنة، إذا لم تُصلح المنظومة القضائية والسجنية بكل مكوّناتها.
العفو قد يكون أداة للعدالة، لكنه لا يمكن أن يكون بديلاً عن إصلاح القضاء ولا عن العدالة نفسها".
يولا هاشم - المركزية
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|