معضلة الجيش السوري الجديد: من اتفاق مكة إلى عزل القادة
دخل الجيش السوري الجديد مرحلته الأكثر حساسية منذ سقوط نظام بشار الأسد، وانتقلت دمشق من مهمة جمع الفصائل المسلحة تحت مظلة وزارة الدفاع إلى مهمة أكثر تعقيداً تتمثل في إعادة هندسة هذه القوة، وإعادة توزيع قياداتها، وتفكيك مراكز النفوذ التي حملتها الفصائل معها إلى المؤسسة العسكرية، ثم تحويلها تدريجياً إلى جيش مركزي يمتلك قيادة واحدة وعقيدة وسلسلة أوامر واحدة، ويصبح قادراً على حماية الدولة والتعامل مع الملفات الإقليمية التي بدأت تتشكل حول سوريا الجديدة.
بدأت العملية في كانون الأول/ ديسمبر 2024، حين توصل الرئيس أحمد الشرع وقادة الفصائل، إلى اتفاق يقضي بحل جميع التشكيلات ودمجها ضمن وزارة الدفاع، وجاء مؤتمر إعلان النصر في كانون الثاني/ يناير 2025، ليمنح العملية إطارها السياسي والعسكري، وأعلنت وزارة الدفاع في أيار/ مايو 2025، اكتمال دمج الفصائل الكبيرة ضمن المؤسسة العسكرية، واعتمدت في سبيل ذلك تقييم الكوادر، وإعادة توزيع الأفراد، وإعادة الانتشار، والتدريب، وإخضاع القوات للقضاء والانضباط العسكري. حينها، شكّلت وزارة الدفاع، فرقاً عسكرية جديدة تتبع الوزارة مباشرة وعددها 25 فرقة ضمن خطة توحيد 130 فصيلاً وحدة عسكرية؛ حيث توزعت هذه الفرق على عشر محافظات سورية. وتمركزت الفرق في دمشق وريفها (90، 70، 44)، وحلب (60، 72، 76، 80)، وإدلب (64، 82)، وحمص (52، 42)، وحماة (62، 54، 74، 98)، ودرعا (40)، ودير الزور (66، 86)، واللاذقية (50، 84)، وطرطوس (56).
وأعادت الوزارة في الوقت نفسه هيكلة القوة الجوية وترتيبها بعد أن دمرت إسرائيل بنيتها التحتية بنسبة 80 في المئة، وعيّنت عدداً من الضباط في مواقع رئيسية داخل الوزارة كشؤون الضباط والشؤون الإدارية، وكلفت لجنة تعيينات مستقلة باختيار قادة الفرق وكبار المسؤولين وفق معيار الاختصاص التقني والخبرة القتالية. وتشير التقديرات المتداولة إلى استهداف بناء قوة يصل قوامها إلى نحو 300 ألف عنصر، في حين أوكلت وزارة الدفاع مهمة تأسيس الجيش الجديد إلى لجنتين منفصلتين تتمتع كل منهما باستقلالية تامة: لجنة الهيكلة ولجنة التعيينات، وترأس لجنة الهيكلة العميد عبد الرحمن حسين الخطيب، وهو أحد خمسة ضباط رُفّعوا إلى رتبة عميد ضمن الترقيات التي أعلنتها الوزارة في 28 كانون الثاني/ ديسمبر 2025.
أعطت هذه الخطوة دمشق عنواناً جديداً للمؤسسة العسكرية، وتركت أمامها مهمة أكبر تتعلق بمضمون المؤسسة نفسها، إذ يحقق إدخال الفصيل إلى وزارة الدفاع دمجاً إدارياً فحسب، بينما من المهم بالنسبة لبناء الجيش تفكيك البنية الفصائلية التي قامت على القيادة الشخصية، والنفوذ المحلي، وشبكات الولاء، والانتشار الجغرافي، ثم إعادة توزيع عناصرها داخل هيكل مهني قادر على إنتاج القرار العسكري من مركز واحد.
ترتيب مراكز النفوذ
تكشف تركيبة الجيش السوري الجديد انتقال سوريا من مرحلة تعدد الفصائل خارج الدولة إلى مرحلة أكثر تعقيداً تتمثل في تعدد مراكز النفوذ داخل المؤسسة العسكرية نفسها، وتحمل القيادات الفصائلية التي دخلت وزارة الدفاع برتب رسمية معها تاريخاً من النفوذ وشبكات الولاء العشائرية والنفعية والعناصر والمساحات الجغرافية التي اعتادت إدارتها خلال سنوات الحرب. وتواجه إدارة الشرع بذلك مهمة تتجاوز جمع هذه القوى تحت مظلة الوزارة، وتتجه نحو إعادة تشكيلها وفق هرم عسكري مركزي، تصبح فيه القوة والعقيدة العسكرية وظيفة تخضع للقيادة والأركان وسلسلة الأوامر، بدلاً من أن تبقى امتيازاً شخصياً أو فصائلياً.
تتحرك دمشق نحو إعادة ترتيب مواقع عدد من قادة التشكيلات السابقة، وتبرز حالات عزل ونقل محمد الجاسم "أبو عمشة"، وسيف بولاد "أبو بكر"، وأحمد الهايس، كنماذج لمرحلة تعيد فيها وزارة الدفاع توزيع القيادات والقوات والمقرات. وتكتسب حالة أبو عمشة خصوصية أكبر، إذ تتجاوز المسألة تغيير موقع قائد فرقة، وتمتد إلى تفكيك شبكة عسكرية ومحلية راكمت نفوذاً واسعاً في الشمال السوري، بينما يظهر نقل القيادة وإعادة توزيع المقرات كأداة لإعادة تعريف موقعه داخل المؤسسة، مع استمرار استيعابه الوظيفي ضمن الدولة. وتتداول أنباء عن خروج سيف بولاد إلى تركيا بعد إعفائه من قيادة الفرقة 76، بينما تكشف إعادة توزيع مواقع أحمد الهايس وآخرين عن عملية أوسع تستهدف ترتيب القيادة الميدانية، ويشير هذا المسار إلى انتقال دمشق من مرحلة جمع القوى تحت سقف واحد إلى مرحلة انتزاع القرار العسكري من البنية الفصائلية وتثبيته داخل مؤسسات القيادة والأركان.
تتضاعف أهمية هذه الخطوة مع دخول أبو عمشة وبولاد دائرة العقوبات الأوروبية، بعد العقوبات الأميركية، على خلفية اتهامات مرتبطة بانتهاكات الساحل السوري في آذار/ مارس 2025، وتشمل العقوبات فصيليهما "لواء السلطان سليمان شاه" و"فرقة الحمزة"، إلى جانب "فرقة السلطان مراد" مع استثناء قائدها فهيم عيسى، معاون وزير الدفاع، وتفرض تجميد الأصول وحظر الدخول إلى الاتحاد الأوروبي. ويأتي القرار الأوروبي بالتزامن مع رفع العقوبات الاقتصادية عن سوريا دعماً للتحول السياسي، بينما يبقي الاتحاد على العقوبات المرتبطة بالانتهاكات الحقوقية، وهذا ما يضع إدارة الشرع أمام معادلة تمتد من المسؤولية الفردية للقادة إلى سمعة المؤسسة العسكرية ككل، خصوصاً مع سعي دمشق إلى بناء علاقات عسكرية إقليمية مع الخليج العربي وتركيا وفتح قنوات للتدريب والتسليح..
تؤسس هذه الخطوة لمرحلة إعادة الهندسة بعد الدمج، لا سيما أن مرحلة 2025 ركزت على إدخال الفصائل إلى وزارة الدفاع وتوحيدها تحت مظلة الدولة، بينما تتحرك مرحلة 2026 نحو ترتيب وشد هذه الفصائل من الداخل، وإعادة توزيع قياداتها، وتفكيك مراكز النفوذ المستقلة و الزبائنية، ومعالجة القيادات ذات الإرث الحقوقي الحساس، ثم بناء مؤسسة عسكرية تستطيع تقديم نفسها داخلياً وإقليمياً باعتبارها جيش دولة يمتلك قيادة واضحة وسمعة مهنية قابلة للبناء.
يحتاج الرئيس الشرع ووزير دفاعه مرهف أبو قصرة إلى إدارة معادلة شديدة الحساسية تجمع بين استيعاب القيادات وتفكيك مراكز قوتها، إذ يحمل الإقصاء السريع احتمال إنتاج صدام مسلح، بينما يؤدي إبقاء مراكز القوة الفصائلية داخل المؤسسة إلى إعادة إنتاج التعدد الذي جاءت عملية الدمج لإنهائه. وتصبح إعادة توزيع القيادات والعناصر والمقرات وسيلة لإعادة تشكيل القوة تدريجياً، بحيث ينتقل مركز الثقل من الأشخاص والتشكيلات إلى وزارة الدفاع، ومن النفوذ المحلي إلى سلسلة القيادة المركزية.
فعلياً، تتجاوز هذه العملية حدود التنظيم الداخلي للجيش، لأن شكل المؤسسة العسكرية السورية المقبلة سيحدد طريقة تعامل القوى الإقليمية معها، وحجم الثقة التي يمكن أن تحصل عليها في ملفات التدريب والتسليح والتعاون الأمني والتمويل، ومدى استعداد الدول المجاورة للتعامل مع دمشق باعتبارها صاحبة قرار عسكري مركزي. وتفتح هذه النقطة الباب أمام إدخال الجيش السوري في الترتيبات الإقليمية الجديدة، وتحديد نوع القوة التي يمكن لسوريا بناؤها، ومن سيشارك في تدريبها وتسليحها، وأي سقف إقليمي ستتحرك ضمنه.
بُعد إقليمي جديد لبناء الجيش
تكتسب هذه المعادلة أهمية إضافية بعد توقيع السعودية وتركيا وباكستان "اتفاقية مكة للدفاع المشترك" يوم 7 آب/ أغسطس 2026، وتنص على اعتبار أي هجوم على إحدى الدول الثلاث هجوماً عليها جميعاً، وتركّز على التدريب وتبادل الخبرات والصناعات الدفاعية، مع الحفاظ على استقلالية التزامات كل دوله، وأنها لا تستهدف أي طرف وتبقى مفتوحة لانضمام دول أخرى مستقبلاً. تعني هذه التطورات بالنسبة إلى سوريا تحرّكها داخل بيئة أمنية وعسكرية إقليمية أوسع، وتتطلب منها التزاماً عملياتياً وإدارياً عالياً ويرفع هذا الأمر قيمة عملية بناء الجيش السوري ويجعلها جزءاً من معادلة إقليمية تتجاوز حدود الدولة. الآن، تحتاج السعودية إلى سوريا مستقرة قادرة على استعادة موقعها العربي، وتحتاج تركيا إلى دولة سورية مركزية قادرة على ضبط الحدود والتعامل مع الملفات الأمنية في الشمال، وتستطيع باكستان في المقابل توفير خبرة عسكرية واسعة في بناء المؤسسات والتدريب؛ لا سيما وان إسلام آباد تمتلك واحداً من أكبر جيوش العالم من حيث عدد الأفراد والعتاد، مع قدرة برية هائلة على إدارة حدود من الأطول في العالم، إلى جانب قوة جوية تعتمد على مقاتلات "جيه إف-17 ثاندر" المصنّعة محلياً بالشراكة مع الصين، ومقاتلات "جيه-10 سي" ومقاتلات "إف-16"، وترسانة متنوعة من الصواريخ الباليستية، بينما تُعدّ تركيا من أبرز القوى العسكرية في حلف الناتو، وتمتلك قاعدة صناعية دفاعية متقدمة تنتج المسيّرات القتالية من طراز "بيرقدار تي بي-2" و"أقينجي" و"قزل إلما"، إلى جانب مقاتلتها الوطنية "قآن" ودبابة "ألتاي"، ويمنحها هذا كله قدرة كبيرة على نقل الخبرات التقنية إلى الشريكين الآخرين.
وتحتاج دمشق إلى تمويل وخبرة وشبكات إقليمية تساعدها على الانتقال من جيش تشكلت نواته من فصائل الحرب إلى مؤسسة عسكرية وطنية، ويصنع فرصة لقيام نموذج جديد في بناء الجيش السوري، وهنا تتحرك تركيا في مجال التدريب والتنظيم والتكنولوجيا والخبرة العسكرية، وتتحرك السعودية في مجال التمويل والدعم السياسي وإعادة إدماج سوريا عربياً، وتوفر باكستان قناة إضافية للخبرة والتعاون العسكري ضمن إطار الشراكة الدفاعية الثلاثية، وتعمل دمشق على إنتاج الهيكل الوطني الذي يجمع هذه الموارد تحت قيادة سورية واحدة. وتحتاج دمشق مع ذلك إلى الحفاظ على استقلال القرار العسكري، بما ينسجم مع تأكيد الاتفاقية احترام استقلالية التزامات كل دولة، ويعيد تحويل الجيش إلى ساحة نفوذ خارجي، إنتاج المشكلة التي تحاول الدولة الخروج منها، ولذلك تملك عملية إعادة الهندسة هدفين متوازيين: الحصول على الخبرة والدعم الخارجي عبر هذه الشراكة الإقليمية، ثم تحويل هذا الدعم إلى قدرة مؤسسية سورية مستقلة.
في المقابل، تحتاج هذه الأطراف الثلاثة إلى سوريا بقدر حاجة دمشق إليها؛ إذ تحتاج تركيا إلى دولة سورية مركزية قادرة على ضبط حدودها الجنوبية، واحتواء التهديدات الأمنية في الشمال، وتثبيت استقرار يحمي استثماراتها السياسية والعسكرية التي راكمتها طوال 14 عاماً. وتحتاج السعودية إلى سوريا مستقرة تُعيد إحياء موقعها العربي وتفتح أمام الرياض مجالاً لتوسيع نفوذها الإقليمي عبر بوابة دمشق، بما يخدم مشروعها في إعادة رسم موازين القوى في المشرق العربي. أما باكستان فتجد في سوريا فرصة لتوسيع حضورها العسكري والدبلوماسي خارج محيطها التقليدي في جنوب آسيا، وترسيخ صورتها كشريك دفاعي فاعل ضمن شبكة تحالفاتها الإسلامية الجديدة. وبذلك يتحول استقرار سوريا وبناء جيشها الموحد إلى مصلحة مشتركة بين الأطراف الأربعة، لا إلى خدمة تقدمها دول ثلاث لدولة رابعة فحسب.
حسابات التجنيد
يحتاج مشروع إعادة هندسة الجيش السوري إلى حسم مسألة التجنيد وفق منطق عسكري واقتصادي وسياسي متكامل، ويستطيع الجيش الجديد بناء قوته عبر نظام تطوع احترافي واسع يستند إلى رواتب مستقرة وحوافز وظيفية وبرامج تدريب متدرجة، دون العودة إلى نموذج التجنيد الإجباري، مع اعتماد خدمة عسكرية تطوعية أو محددة المدة لبعض الاختصاصات، وهذا ما يمنح دمشق قدرة أكبر على اختيار العناصر وفق الكفاءة والتخصص والحاجة العملياتية، ويخفض كلفة قوة بشرية ضخمة تحتاج إلى سنوات من الإنفاق على الرواتب والإعاشة والتجهيز.
تدفع طبيعة الاقتصاد السوري في مرحلة ما بعد الأسد نحو هذا الخيار بقوة، إذ تراجع الإنفاق العسكري من نحو 2.4 مليار دولار عام 2010 إلى تقديرات تقارب 1.2 مليار دولار عام 2024، بينما تحتاج المرحلة الجديدة إلى توجيه جزء كبير من الموارد نحو إعادة الإعمار والخدمات، إلى جانب تمويل التدريب والتسليح والاستخبارات والمسيّرات والدفاع الجوي. وتفرض هذه الفجوة على دمشق إعادة النظر في مفهوم القوة العسكرية ذاته، عبر بناء جيش أصغر وأكثر احترافية، يستفيد من برامج تدريب تركية وباكستانية وإمكانات تمويلية سعودية، ويوجّه موارده نحو التسليح النوعي والاتصالات والقيادة والسيطرة، مع الحفاظ على كتلة بشرية قادرة على حماية الحدود.
يفتح هذا النموذج المجال أمام مؤسسة أكثر كفاءة وأقل استنزافاً للموازنة العامة، بعدما كان القطاع العسكري يستحوذ على نحو 33 إلى 40 في المئة منها، ويحوّل الجيش من مؤسسة تقوم على كثافة الأفراد إلى قوة تقوم على جودة التدريب والتسليح وسرعة الحركة ودقة المعلومات، فيمنح دمشق جيشاً أصغر حجماً وأعلى كفاءة، ويُبقي عملية بنائه ضمن الحدود التي تفرضها البيئة الإقليمية، وفي مقدمتها الموقف الإسرائيلي.
التحديات والقلق الإسرائيلي
تبرز قوات سوريا الديمقراطية (قسد) باعتبارها اختباراً لبناء الجيش الموحد، وتمتلك بنية عسكرية وأمنية وجغرافية متماسكة تشكلت خلال سنوات الحرب، وتحتاج عملية دمجها إلى إعادة النظر في العلاقة بين القوة المحلية ووزارة الدفاع والقيادة المركزية. ووقّع قائدها مظلوم عبدي مع الرئيس الشرع في العاشر من آذار/ مارس 2025، اتفاقاً من ثمانية بنود يقضي بدمج قواتها في مؤسسات الدولة، وعقد الطرفان لقاءً آخر في أكتوبر لمتابعة التنفيذ، وسط تقديرات متفاوتة لحجم قسد، تتراوح بين عشرين ومئة ألف مقاتل، وفق تصريحات عبدي نفسه.
ويفتح لقاء الشرع مع رئيس إقليم كردستان العراق مسعود بارزاني في آب/ أغسطس الجاري، مساراً إضافياً في عملية إعادة بناء المؤسسة العسكرية، إذ يحتاج ملف توحيد القرار الأمني في الشمال الشرقي إلى تفاهمات سياسية تتقدم على الترتيبات العسكرية، وتمنح دمشق قناة كردية أكثر مرونة للتعامل مع قسد ومستقبل انتشارها داخل الدولة. ويستطيع بارزاني، بحكم موقعه السياسي وعلاقاته مع أنقرة وواشنطن والقوى الكردية السورية، لعب دور الوسيط في صياغة تسوية تعيد ترتيب العلاقة بين دمشق وقسد ضمن مؤسسات الدولة، وتدفع نحو تحويل القوة العسكرية في شمال شرق سوريا من بنية مستقلة إلى جزء من منظومة دفاعية وطنية ذات قيادة مركزية، بحيث يصبح دمج قسد نتيجة لاتفاق سياسي على شكل الدولة والحقوق والترتيبات الأمنية، ويأتي الدمج العسكري بوصفه مرحلة تنفيذية داخل هذا الاتفاق.
وتشكّل السويداء جنوباً مساراً مختلفاً، إذ ترتبط مسألة السلاح المحلي بالهوية المجتمعية والضمانات الأمنية أكثر من ارتباطها بالحسابات العسكرية البحتة، خصوصاً بعد أحداث تموز/ يوليو 2025، وهذا ما يجعل إعادة بناء الجيش هناك مرهونة بإعادة بناء الثقة بالدولة أولاً. وتضع هذه الملفات مجتمعة وزارة الدفاع أمام مهمة تفكيك نفوذ القيادات الفصائلية، ودمج القوى العسكرية خارج المركز، وإعادة بناء الهيكل المهني عبر تحديث مناهج الأكاديميات العسكرية واعتماد الترقية على أساس الكفاءة، ثم إنتاج عقيدة عسكرية جديدة تربط وظيفة الجيش بحماية الدولة والحدود والمؤسسات والمجتمع، عوضاً عن دورها السابق كأداة لحماية النظام، بعيداً عن شبكات الولاء الفصائلي القديمة.
تراقب إسرائيل هذه العملية باعتبارها واحدة من أهم الملفات التي تحدد شكل سوريا المقبلة، ويعيد قيام مؤسسة عسكرية سورية مركزية وقادرة على الانتشار على كامل الأراضي رسم معادلة الأمن على الحدود، بينما تفضل إسرائيل بيئة سورية مقيدة عسكرياً وقابلة للاحتواء، ويضع ذلك بناء الجيش ضمن عقيدة التجنيد الإجباري في صميم صراع أوسع حول شكل الدولة السورية وموقعها في الإقليم. وتحتاج دمشق هنا إلى إدارة سقف القوة الذي تسمح به البيئة الإقليمية، بالتركيز في المرحلة الأولى على قدرات وحدة الأراضي والسيطرة الحدودية والاستطلاع والاستجابة السريعة، ثم تطوير القدرات الاستراتيجية وفق التحولات السياسية والعلاقات الدولية. وتضيف إسرائيل عاملاً حاسماً إلى هذه المعادلة، إذ ستتعامل مع قيام جيش سوري كبير قائم على التجنيد الإجباري بوصفه تحولاً في ميزان القوة جنوب سوريا، وستعمل على تقويضه وضرب مؤسساته ومقراته وأي تحديثات نوعية له، انطلاقاً من مبدأ ثابت هو الحفاظ على تفوقها العسكري في المنطقة، بينما تمنح صيغة الجيش الأصغر والأكثر احترافاً دمشق مساحة أوسع لإعادة بناء المؤسسة تحت سقف إقليمي قابل للإدارة، خصوصاً مع حاجة القوات الجديدة إلى تدريب نوعي على وحدات التدخل السريع والاستطلاع والحرب الإلكترونية والمسيّرات وحماية الحدود والقيادة والسيطرة.
مهيب الرفاعي - المدن
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|