الصحافة

العفو العام يُقرّ بعد معركة سياسية شرسة... وتسوية برّي تحسم آخر العقبات

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

تجاوَز مجلس النوّاب أمس “عاصفة” الاشتباك بين رئيس الحكومة نوّاف سلام ووزير الدفاع ميشال منسّى، وقبلها “عواصف” بالجملة، على مدى أشهر، أطاحت عدّة صيغ تسوويّة لإقرار قانون العفو العامّ، إلى أن شكّلت جلسة 2 آب في عين التينة بين نوّاب من “لجنة صياغة اقتراح العفو العامّ” ورئيس مجلس النوّاب نبيه برّي، وما تضمّنته من تعديلات حاسمة، الممرّ الآمن نحو جلسة إقرار القانون أمس.

طغى الكباش بين رئيس الحكومة ووزير الدفاع على مجريات الجلسة التشريعيّة، وذلك بعد إصرار الوزير منسّى على إلقاء “كلمة الجيش”، قبل إقرار قانون العفو، وتمسّك الرئيس سلام في المقابل بصلاحيّاته “ممثّلاً للحكومة ومتكلّماً باسمها بحسب الدستور. ونحن مش 24 حكومة”.

انسحب الوزير منسّى من اليوم الأوّل للجلسة، ثمّ انسحب مجدّداً في اليوم التالي، من دون أن يتمكّن من إيصال رسالة الجيش، على الرغم من قدومه صباح أمس إلى مجلس النوّاب. أدّى ذلك إلى انسحاب نوّاب التيار الوطنيّ الحرّ، وكتلة “الوفاء للمقاومة”، في خطوة اعتراضيّة على منع وزير الدفاع من إلقاء كلمته، لكن بعد دقائق قليلة أقرّ النوّاب الحاضرون في الجلسة قانون العفو العامّ، بالتصويت مادّةً مادة، وفق التعديلات المتّفق عليها.

مسار من المزايدات

استنزف إقرار قانون العفو العامّ، حتّى اللحظة الأخيرة، “مخزوناً” هائلاً من المزايدات السياسيّة، من كلّ الأطياف، وجولات متكرّرة من الاتّهامات وتسجيل الأهداف، أحياناً في مرمى الفريق السياسيّ نفسه، ولو كانت الانتخابات النيابيّة على الأبواب لكان الأمر أسوأ بكثير.

اقتضت التسوية السياسيّة الضمنيّة أن تكون الجلسة التشريعيّة “ثلاثيّة الأبعاد”، من خلال التوافق المتكامل على إقرار ثلاثة قوانين حسب تراتبيّتهم على جدول الأعمال: إلغاء عقوبة الإعدام، قانون الإعلام الجديد، و”قانون منح عفو عامّ وتخفيض مدّة بعض العقوبات بشكل استثنائيّ”، على أن يكون قانون هيكلة المصارف خارجها.

أمّا الأزمة المستجدّة بين رئيس الحكومة ووزير الدفاع، وغياب التوافق على بعض تفاصيل الاتّفاق، ففرضا حصول اتّصالات طوال ليل الثلاثاء – الأربعاء لإنجاز المهمّة. تؤكّد مصادر نيابيّة أنّ برّي “ارتأى عدم إقرار قانون العفو في جلسة الثلاثاء قبل حلّ الإشكال بين “دولته” و”معاليه”، وضرورة تحقيق حضور كلّ الكتل النيابيّة لتوفير الغطاء الوطنيّ لقانون العفو”.

بالمحصّلة: حُلّ الإشكال بالمضمون، وليس بالشكل، لا سيما بعد تأكيد برّي للنوّاب: “تواصلنا مع قائد الجيش، والأجواء جيّدة، واتّفقنا على تنفيذ ما اتّفقنا عليه”، وقال نائب رئيس مجلس النوّاب الياس بو صعب إنّ “الوزير منسّى هو الذي امتنع عن إلقاء كلمته أمس، في ظلّ تأكيد العديد من النوّاب أنّ وزير الدفاع أرسل مذكّرة إلى اللجان المشتركة تتضمّن رأي المؤسّسة العسكريّة”.

إقرار القانون

حَمَل قانون العفو في الكثير من جوانبه رفعاً للمظلوميّة عن العديد من السجناء، خصوصاً الموقوفين منذ سنوات من دون محاكمات، لكن من دون أن يجد حلّاً لـ”كارثة الكوارث”: الإهمال المستمرّ في إقرار آليّة تسريع المحاكمات، وهو ما من شأنه أن يتيح الاستفادة من قدر أكبر من العدالة القضائيّة. هنا، أتى الرهان أيضاً على تطبيق المادّة 108 من قانون أصول المحاكمات الجزائيّة، التي تمنع استمرار حالات التوقيف من دون مبرّر قانونيّ.

لم يعكس خروج نوّاب التيّار الوطنيّ الحرّ ونوّاب “الحزب” من الجلسة، مؤازرتهما لوزير الدفاع فقط، بل اعتراضهما أيضاً على الصيغة النهائّية للقانون، فـ”ضربا عصفورين بحجر واحد”. شارك بعض نوّاب الرئيس برّي في التصويت، إلى جانب نوّاب “القوّات” و”الكتائب” وكتلة اللقاء الديمقراطيّ وكتل نيابيّة ونوّاب، فيما كان لافتاً تأكيد النائب غازي زعيتر أنّ “القانون غير متوازن، ولا عدل فيه، وهناك مخالفة دستوريّة ارتكبت بحقّ وزير الدفاع”.

79 موقوفاً إسلاميّاً خارج السّجن من أصل 146

في السياق نفسه، قال بو صعب إنّ “القانون تمّ الاتّفاق عليه بالسياسة لطيّ الصفحة”، وأكّد النائب فيصل كرامي أنّ “القانون أُقرّ على الرغم من محاولات كثيرين أخذنا إلى معارك جانبيّة تجاوزناها بضبط النفس والأعصاب. ومعركتنا الأساسيّة قضاء عادل ومنصف حتّى لا نضطرّ كلّ مرّة إلى العودة إلى مجلس النوّاب لإقرار قانون عفو”، فيما أكّد النائب عماد الحوت أنّه “بموجب القانون سيخرج 79 موقوفاً إسلاميّاً من السجون من أصل 146″، والبقيّة خلال سنتين.

يُذكر أنّه لم يمرّ تعديل المادّة 5 من القانون الذي كان النوّاب السنّة يعوّلون عليه لإخراج الشيخ أحمد الأسير من السجن. كانت الصيغة المقترحة تقضي بإطلاق سراح الموقوفين الذين أمضوا 12 عاماً في السجن (خُفّضت من 14 إلى 12) على أن يتابعوا محاكماتهم، وهم مخلى سبيلهم، ومن ضمنهم من صدرت بحقّهم أحكام مبرمة. لكنّ إصرار قيادة الجيش على حذف كلمة “مبرمة” أخرج الأسير من التسوية. وبحسب وضعه القانونيّ راهناً، سيخرج الأسير بعد أقلّ من سنتين من سجن رومية.

يؤكّد مصدر نيابيّ أنّ “هذه التسوية صيغت بين الرئيسين برّي وسلام والنوّاب المعنيّين”.

التّسوية أوّلاً ثمّ الجلسة

في أيّار الماضي كاد قانون العفو العامّ أن يبصر النور، وذلك بعد إدراج الصيغة النهائيّة، المفترض أنّها متّفق عليها، في اجتماع هيئة مكتب المجلس برئاسة الرئيس نبيه برّي. يومها لم يكن جزء من النوّاب السنّة راضين عن الصيغة، ولا أهالي الموقوفين الإسلاميّين، وجرى التلويح بورقة الشارع. عقدت الهيئة العامّة اجتماعاتها ولم يقرّ قانون العفو.

في المرحلة السابقة لهذه المحطّة، وما بعدها، ظلّل تشابك المصالح والرغبات والفيتوات المتبادلة “ورشة قانون العفو”، وبكلّ الاتّجاهات: خلافات بين النوّاب السنّة أنفسهم إلى حدّ التراشق بتهمة “مسايرة” الحزب، وبينهم وبين المؤسّسة العسكريّة إلى حدّ منع ضبّاط أحياناً من الدخول إلى قاعة اجتماعات اللجان النيابيّة المشتركة، وبين كتل نيابية ورئيس الجمهوريّة الذي “استضاف” في القصر الجمهوريّ عدداً من “نوّاب العفو”، والتمايزات الواضحة بين الكتل المسيحيّة، وبينها وبين نواب سنّة، والتصلّب الواضح حيال التعديلات على القانون لدى “الحزب” والتيّار الوطنيّ الحرّ.

عُقدت أكثر من 14 جلسة في اللجان، إضافة إلى اجتماعات الكواليس، وأُطلقت تصريحات عالية السقف إلى أن حدّد برّي خارطة طريق الخروج من نفق إقرار القانون:

– إقرار اقتراح قانون إلغاء عقوبة الإعدام أوّلاً، ثمّ قانون العفو العامّ، مع محاولة نزع الألغام التي تحول دون إبصارهما النور في الجلسة التي حدّد لها برّي سقفاً لا يتجاوز 15 آب.

إقرأ أيضاً: عون مُصِرّ: المفاوضات تحقّق تقدّماً

– بعد تطيير “القوّات اللبنانيّة” جلسة 16 تمّوز، ومقاطعة بعض الكتل النيابيّة للجلسة نفسها، أصرّ برّي على أن لا يُدرَج قانون العفو على جدول أعمال أيّ هيئة عامّة قبل التوصّل إلى توافق نهائيّ بشأنه، وهذا ما حصل.

شكّل إقرار قانون إلغاء عقوبة الإعدام، بعد 22 عاماً من تعليق تنفيذها، المدخل الأوسع للسير بتسوية العفو العامّ. وذلك بعد التوافق النهائيّ في جلسة الثلاثاء،التي ضمّت كلّ النوّاب السُنّة، على صيغة حلّ تقضي باستبدال الإعدام بـ”الأشغال الشاقّة المؤبّدة”، بالنسبة إلى جميع المحكومين بالإعدام قبل صدور القانون في الجريدة الرسميّة، و”الأشغال المؤبّدة المشدّدة” للجرائم المرتكبة بعد صدور القانون. مع تسجيل رفض التيّار الوطنيّ الحرّ التصويت على القانون، وانسحاب كتلة “الحزب” من الجلسة عند إقراره. وهو ما سيتيح استفادة العديد من السجناء، وغالبيّة منهم من الموقوفين الإسلاميّين، من إلغاء عقوبة الإعدام، ومن العفو العامّ، أي من “تخفيضين”.

ملاك عقيل - اساس ميديا

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا