محليات

ليست الصواريخ وحدها... واشنطن وإسرائيل تطاردان أموال حزب الله

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

لم تعد المواجهة مع الحزب تتركز فقط على الصواريخ والمخازن والبنية العسكرية. فبالتوازي مع الحرب الميدانية، تتكشف حملة مالية واسعة تقودها إسرائيل والولايات المتحدة، وسط تعاون متزايد من الحكومة اللبنانية، بهدف تضييق قنوات التمويل التي يعتمد عليها الحزب، ولا سيما تلك المرتبطة بإيران، في وقت بدأت آثار الضغط تظهر على التعويضات والخدمات الاجتماعية والقدرة على تمويل أعباء الحرب.

وبحسب تقرير موسع لصحيفة "نيويورك تايمز"، شارك في إعداده الصحافي في "واي نت" و"يديعوت أحرونوت" رونين برغمان، يواجه الحزب حالياً أشد ضغط اقتصادي يتعرض له منذ سنوات، استناداً إلى وثائق راجعتها الصحيفة ومحادثات أجرتها مع مسؤولين لبنانيين وأميركيين وإسرائيليين، إضافة إلى أشخاص من داخل الحزب.

فعندما بدأت إسرائيل في آذار الماضي حربها الجديدة ضد الحزب، لم تكن الأهداف الأولى التي حذّر الجيش الإسرائيلي من استهدافها مستودعات صواريخ أو مراكز قيادة تحت الأرض، بل بنوكاً.

وشنت الطائرات الحربية الإسرائيلية هجمات دمرت أكثر من 12 فرعاً لـ"القرض الحسن"، المؤسسة المالية المرتبطة بالحزب والتي توصف منذ سنوات بأنها بمثابة "مصرف" فعلي له. وفي مرحلة لاحقة، استهدفت إسرائيل أيضاً صرّافين قالت إن إيران استخدمتهم لتحويل الأموال إلى الحزب، إضافة إلى محطات وقود كانت تدر إيرادات عليه.

ووفق التقرير، كانت الرسالة واضحة: إسرائيل لم تعد تكتفي باستهداف ترسانة الحزب العسكرية، بل تسعى أيضاً إلى ضرب الأموال التي تتيح له دفع رواتب المقاتلين، وإعادة بناء البنى التحتية، ودفع التعويضات، وتشغيل شبكة الرعاية الاجتماعية الواسعة التي شكلت طوال عقود أحد مرتكزات تأييده داخل البيئة الشيعية في لبنان.

وتشكل الهجمات الإسرائيلية جزءاً فقط من حملة أوسع تقودها إسرائيل والولايات المتحدة، في ظل تعاون متزايد من الحكومة اللبنانية، بهدف إغلاق قنوات تمويل الحزب، ولا سيما تلك الآتية من إيران.

ومع ذلك، شددت "نيويورك تايمز" على أن النظام المالي للحزب شديد السرية، ولذلك لا يزال من الصعب تحديد مدى تأثير الحملة على مجمل نشاطه. كما أن الحزب وإيران أثبتا سابقاً قدرتهما على التكيف مع الضغوط، والتعافي عسكرياً، وإيجاد وسائل جديدة لمواصلة تدفق الأموال، ما يعني أن المعركة لم تُحسم بعد.

وبحسب مسؤولين في الحزب ومستفيدين من مساعداته، لا تزال رواتب عشرات آلاف المقاتلين تُدفع بمعظمها، إلا أن بعض الخدمات الاجتماعية تقلصت، فيما بات الحزب مضطراً إلى ترتيب أولويات إنفاقه.

وتزداد المشكلة تعقيداً لأن الحزب بنى على مدى عقود في لبنان ما يشبه "دولة داخل الدولة"، عبر منظومة وفرت الغذاء والسكن والمدفوعات لمؤيديه، وشغّلت مدارس ومستشفيات وشبكة اتصالات، وحققت إيرادات من محطات وقود وشركات أدوية، بالتوازي مع بناء ترسانة ممولة إيرانياً وصفت بأنها كانت أقوى حتى من ترسانة الجيش اللبناني.

وشكلت هذه المنظومة الاجتماعية عنصراً مركزياً في قوة الحزب منذ تأسيسه عام 1982، حتى أصبح على مدى سنوات "جوهرة التاج" في شبكة حلفاء إيران في الشرق الأوسط.

إلا أن الحزب مضطر الآن إلى توجيه مزيد من موارده نحو إعادة بناء قدراته العسكرية، بعد الكلفة الكبيرة التي فرضتها عليه الهجمات الإسرائيلية.

وفي أيار الماضي، أقر المتحدث باسم الحزب يوسف الزين بأن الحزب أوقف دفع التعويضات التي وعد بها مؤيديه ممن تضررت منازلهم أو دُمرت، بينما يحاول التعامل مع حاجات مئات آلاف الأشخاص الذين نزحوا بسبب الحرب.

وبعد حرب عام 2024، أعلن الحزب أن "القرض الحسن" سيدفع ما بين 12 ألفاً و14 ألف دولار لكل عائلة دُمر منزلها. إلا أن هذه المدفوعات تأجلت مرة تلو الأخرى، قبل أن تتوقف بالكامل في نهاية المطاف.

وقال الزين: "حجم متطلبات الحرب والنزوح فرض ضغطاً كبيراً على الحزب"، مشيراً إلى أن الموارد تُدار حالياً "وفقاً للأولويات".

وأكد أن الحزب قادر على التعامل مع الضغط، لكنه أقر في الوقت نفسه قائلاً: "لا شك في أن هناك ضغطاً".

ونقلت "نيويورك تايمز" أيضاً شهادة حسن، وهو سائق سيارة أجرة من جنوب لبنان، كانت ابنته متزوجة من أحد عناصر الحزب الذي قُتل في الحروب الأخيرة. وقال إن ابنته لا تزال تحصل على المخصصات الممنوحة لعائلات المقاتلين الذين قُتلوا، إلا أن الحزب لم يعد يغطي بعض الإجراءات الطبية.

أما حسن نفسه، شأنه شأن آلاف مؤيدي الحزب الذين دُمرت منازلهم، فلا يزال ينتظر التعويض الذي وُعد به، قائلاً: "هم صامتون تماماً".

ووفق تقدير لوزارة الخارجية الأميركية يعود إلى ما قبل الحرب، كانت إيران تحول إلى الحزب نحو 700 مليون دولار سنوياً، أي الجزء الأكبر من ميزانية سنوية قُدرت بنحو مليار دولار.

وبحسب مسؤولين لبنانيين وأميركيين وإسرائيليين، زادت طهران خلال العام الأخير مساعداتها المالية للحزب، لكن تكاليف الحرب وإعادة الإعمار ومعالجة أوضاع مئات آلاف النازحين ارتفعت إلى درجة باتت معها تلك المبالغ غير كافية لتغطية حاجاته.

وتُعد الحرب التي بدأت في آذار الثانية خلال أقل من 3 سنوات بين إسرائيل والحزب، الذي يوصف بأنه من أكثر الجماعات المسلحة تسليحاً في العالم.

وفي المواجهة السابقة التي بدأت أواخر عام 2023 عقب أحداث 7 تشرين الأول، اغتالت إسرائيل الأمين العام السابق للحزب حسن نصرالله إلى جانب عدد كبير من القياديين.

وبحسب التقرير، رأت واشنطن وتل أبيب بعد ذلك فرصة، إذ قدرتا أن الحزب أصبح في نقطة ضعف، ونسقتا جهودهما لاستهداف الشبكات المالية التي يرتكز عليها نفوذه، بالتوازي مع زيادة الضغط على الحكومة اللبنانية لنزع سلاحه.

وتسارعت الحملة ضد مصادر تمويل الحزب في أواخر عام 2024. وبعد وقت قصير من وقف لإطلاق النار بوساطة أميركية أنهى الحرب السابقة مع إسرائيل، سقط نظام بشار الأسد في سوريا، وهو تطور أدى، بحسب التقرير، إلى عزل الحزب عن طهران أكثر من أي وقت مضى.

فعلى مدى سنوات، كانت سوريا تشكل الممر البري الرئيسي لنقل السلاح والأموال من إيران إلى لبنان، ومع انقطاع هذا المسار، اضطرت طهران سريعاً إلى البحث عن طرق بديلة لتمويل الحزب.

وبحسب مسؤول أميركي ومسؤول لبناني رفيع، كان مطار بيروت الدولي أحد أبرز هذه المسارات، إذ زعما أنه عمل لسنوات عملياً تحت نفوذ الحزب واستُخدم لنقل التمويل والسلاح من إيران.

وفي مطلع العام الماضي، نقل مسؤولون أميركيون إلى الحكومة اللبنانية تحذيراً إسرائيلياً مفاده أن إيران ترسل إلى الحزب حقائب مليئة بالدولارات نقداً على متن رحلات مدنية متجهة إلى بيروت، وفي بعض الحالات عبر دبلوماسيين إيرانيين.

وعقب هذا التحذير، علّق لبنان جميع الرحلات الجوية القادمة من إيران، ولا يزال هذا الإجراء سارياً، كما أُبعد موظفون في المطار كانوا محسوبين على الحزب من مواقعهم، واستبدلت بهم السلطات عناصر أمن تعمل بالتنسيق مع مسؤولين أميركيين.

وظهر التحول في ميزان القوى داخل لبنان أيضاً خلال زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني آنذاك علي لاريجاني إلى لبنان في آب من العام الماضي.

وقال رئيس الحكومة نواف سلام إنه وجّه إليه رسالة مباشرة: "رسالتنا للإيرانيين كانت واضحة جداً. لا يمكننا السماح للإيرانيين بالتدخل في شؤوننا الداخلية".

وأضاف سلام: "لم تكن هذه بالضبط موسيقى تطرب آذانهم".

وأشار التقرير إلى أن لاريجاني قُتل بعد بضعة أشهر خلال عملية "زئير الأسد".

وبعد ذلك، حولت واشنطن تركيزها إلى مصرف لبنان، الذي قالت المادة إنه عمل لسنوات في ظل رقابة محدودة.

ويعتمد الاقتصاد اللبناني إلى حد كبير على النقد، فيما تقول وزارة الخزانة الأميركية إن الحزب استغل هذه المنظومة لتبييض أموال غير مشروعة ونقل الأموال من إيران.

وبحسب "نيويورك تايمز"، عملت إدارة ترامب أيضاً على التأثير في عملية تعيين حاكم جديد لمصرف لبنان.

وأظهر الحاكم الذي وقع الاختيار عليه، كريم سعيد، سريعاً، وفق التقرير، استعداداً للتحرك في مواجهة الحزب، فأبعد أو أقال مسؤولين كباراً اشتُبه بوجود صلات لهم به، وأمر بتفتيش مكتبه بحثاً عن أجهزة تنصت، كما رفض استخدام أجهزة الكمبيوتر التي وفرها له المصرف خشية تعرضه للمراقبة.

وفي مرحلة لاحقة، فتح مصرف لبنان تحقيقاً مع أبرز شركات الخدمات المالية في البلاد، للاشتباه في أن الحزب استخدمها لنقل الأموال، فيما شددت السلطات اللبنانية منذ ذلك الحين الرقابة على التحويلات المالية.

وقال براين نيلسون، المسؤول السابق في وزارة الخزانة الأميركية الذي كان مسؤولاً عن العقوبات ضد الحزب خلال إدارة بايدن، إن الحزب "تمكن بصورة مستمرة من توليد مبالغ مالية كبيرة من خلال إساءة استخدام هذه الشبكات".

في المقابل، رفض الحزب هذه المزاعم، ووصفت دائرة إعلامه الادعاء بأنه استغل الاقتصاد النقدي في لبنان بأنه "كاذب ولا أساس له على الإطلاق".

ومع إخضاع شركات تحويل الأموال الكبرى لرقابة أكثر تشدداً، بدأ الحزب يعتمد بصورة أكبر على شبكة أقل خضوعاً للرقابة من الصرّافين.

وبحسب مسؤول أمني إسرائيلي رفيع وشخص آخر مطلع على النظام المالي للحزب، تحولت هذه الشبكة بسرعة إلى القناة الرئيسية التي تمول إيران الحزب عبرها حالياً.

وتنتقل الأموال من إيران عبر الإمارات وتركيا والعراق باستخدام نظام "الحوالة"، وهو نظام غير رسمي للتحويل بين الوسطاء لا يحتاج فيه النقد نفسه إلى عبور الحدود.

وفي تشرين الثاني الماضي، أعلنت وزارة الخزانة الأميركية، ضمن عقوبات فرضتها على صرّافين لبنانيين، أن إيران كانت قد حولت خلال ذلك العام نحو مليار دولار إلى الحزب، جرى نقل معظمها عبر نظام الحوالة.

ومن بين الصرّافين الذين فُرضت عليهم العقوبات حسن مقلد، الذي وصفته وزارة الخزانة الأميركية بأنه "مستشار مالي رئيسي للحزب".

وأقر مقلد بأن الضغط الدولي يجعل نقل الأموال أكثر صعوبة، لكنه قال إن الحزب يتكيف مع الظروف، مضيفاً: "في بلد مثل لبنان، حيث توجد كمية كبيرة من الأموال النقدية، هناك دائماً خيارات".

وفي موازاة ذلك، اضطر الحزب إلى البحث عن مصادر إضافية للأموال.

وفي شباط، أعلنت وزارة الخزانة الأميركية أن مسؤولين كباراً في "القرض الحسن" أقاموا شبكة شركات لتجارة الذهب بهدف جمع السيولة.

وبحسب دفاتر حسابات راجعتها "نيويورك تايمز" وتقديرات محللين يتابعون اقتصاد الحزب النقدي، ارتفعت مبيعات الذهب خلال العام الأخير.

وقال مسؤولون إسرائيليون وأميركيون إن أحد أسباب ذلك يعود إلى أن الهجمات الإسرائيلية دمرت جزءاً كبيراً من احتياطيات الحزب من العملات الأجنبية والذهب.

وبالتوازي، منع لبنان المصارف وشركات الوساطة المحلية من التعامل مع "القرض الحسن"، ما أدى إلى إبعاده أكثر عن النظام المالي الرسمي.

وتضغط إدارة ترامب حالياً على الحكومة اللبنانية لإغلاق المؤسسة بالكامل.

واعتمد مئات آلاف اللبنانيين، كثير منهم من مؤيدي الحزب، على "القرض الحسن" على مدى سنوات للحصول على قروض بلا فوائد وتعويضات عن أضرار الحروب وخدمات مالية أخرى.

وتقدم المؤسسة نفسها باعتبارها جمعية للقروض الخيرية لا مصرفاً، فيما سبق أن قال مديرها إن أموال الحزب نفسه تُدار بصورة منفصلة.

وعلى الرغم من كل هذه الضغوط، لا يستطيع أي مسؤول في واشنطن أو تل أبيب حتى الآن القول إن الحملة نجحت في كسر النظام الاقتصادي للحزب.

فإيران والحزب سبق أن أثبتا قدرتهما على الالتفاف على العقوبات، وتبديل طرق التحويل، وإنشاء قنوات جديدة لنقل الأموال.

إلا أن الصراع على المال تحول الآن إلى جبهة قائمة بذاتها. وبينما تستحوذ الحروب في غزة وإيران على معظم الاهتمام، تحاول إسرائيل والولايات المتحدة، وفق التقرير، ضرب أحد الأعمدة الأساسية التي بُني عليها النفوذ الإيراني في المنطقة: القدرة على تمويل حلفائها.

وفي قلب هذه المعركة يقف الحزب، الذي ظل لعقود "جوهرة التاج" في شبكة حلفاء طهران، لكنه بات اليوم أمام معادلة مالية أكثر صعوبة: هل يوجّه موارده إلى إعادة بناء ترسانته، أم إلى دفع الفواتير والحفاظ على شبكته الاجتماعية؟

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا