المرحلة المقبلة للبنان: دولة يُتفاوض عليها لا معها
مصير لبنان خلال السنة المقبلة سيُحسم إلى حد كبير من قبل ثلاثة أطراف — ليست الحكومة اللبنانية من ضمنهم — وهي: إيران، إسرائيل، وحزب الله. فبيروت تجلس إلى الطاولة، لكن الشروط تُرسم من حولها. ويبدو أن هذا الخلل في موازين القوى — لا أي اجتماع أو خط وقف إطلاق نار بعينه — هو جوهر «المرحلة المقبلة» التي يتحدث عنها الجميع.
الدولة موضوع تفاوض لا طرف فيه
وأوضح دليل على ذلك جاء من المسار الأميركي-الإيراني نفسه؛ فعندما وقّعت واشنطن وطهران مذكرة تفاهم من 14 بندًا في 17 حزيران/يونيو الفائت، تضمنت شروطًا من بينها «الإنهاء الدائم للعمليات العسكرية على كل الجبهات» بين إسرائيل وحزب الله، لم يكن الحزب ولا الحكومة اللبنانية طرفًا في تلك المذكرة أو في المحادثات التي أنتجتها. أي إن شروط وقف إطلاق النار الخاصة بلبنان جرى التفاوض عليها فوق رأسه، وفي غرفة لم يكن حاضرًا فيها.
النمط نفسه كان قد تكرر على الأرض، وتحديدًا في 8 نيسان/أبريل الفائت؛ إذ بعد ساعات من إعلان واشنطن وطهران وقف إطلاق النار بينهما، شنّت إسرائيل أعنف ضرباتها خلال الحرب على لبنان، ما أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 357 شخصًا — لأن الأعمال العدائية بين إسرائيل وحزب الله لم تُدرَج فعليًا ضمن ذلك الاتفاق الأميركي-الإيراني. وأمضت بيروت الأسابيع التالية وهي تحاول أن تُدرَج رسميًا في هدنة كانت عواصم أخرى قد افترضت أصلًا أنها تشملها.
نزع السلاح: تقدّم حقيقي، ونطاق متنازَع عليه
ضمن هذا الإطار، حقق الجيش اللبناني تقدمًا فعليًا: وحدات الجيش أخلت المنطقة جنوب نهر الليطاني وبدأت الانتشار في «مناطق تجريبية» مع انسحاب القوات الإسرائيلية، وكان أحدثُها في قرى مثل زوطر الغربية. لكن حزب الله رسم خطًا أحمر عند الليطاني، مصرًا على أن تفويض نزع السلاح لم يشمل يومًا ما هو شمال النهر، ومحذّرًا من أن أي ضغط إضافي قد يفتح الباب أمام فوضى داخلية. إسرائيل من جهتها تقول إن حزب الله يعيد التسلح أسرع مما يُنزع سلاحه. أي إن طرفين من الأطراف الثلاثة التي تُحدث فعليًا فرقًا — إسرائيل وحزب الله — يختلفان على النطاق الأساسي لما يجري التفاوض عليه، والجيش اللبناني هو من يستوعب هذا الخلاف على الأرض.
صبر واشنطن ومؤسسات بيروت
في المقابل، انعكس نفاد صبر واشنطن مباشرة على القيادة العسكرية اللبنانية؛ إذ أفادت تقارير بأن مسؤولين أميركيين أبلغوا قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل في آذار/مارس الفائت أنهم يرون أنه يفتقر إلى الجرأة لمواجهة حزب الله، وعلّقت واشنطن عناصر من التنسيق العسكري مع بيروت للضغط من أجل إقالته — وهو ما رفضته السلطات اللبنانية رفضًا قاطعًا. علمًا أن رئيس الحكومة نواف سلام نفسه كان يدرس مصير هيكل بشكل منفصل، لا بسبب مطالب أميركية بل بسبب خلافات حول مدى الحزم المطلوب في مواجهة حزب الله بينما كانت الضربات الإسرائيلية لا تزال تسقط على البلاد. وفي الحالتين، أصبحت قيادة الجيش نفسها نقطة ضغط في مفاوضات لا يملك لبنان زمام شروطها.
أما زيارة الرئيس جوزاف عون إلى البيت الأبيض في 21 تموز/يوليو الفائت — الأولى لرئيس دولة لبناني منذ سبعة عشر عامًا — فأبرزت الخلل نفسه؛ بعدما طلب عون دعمًا عسكريًا وماليًا أميركيًا ثابتًا لتنفيذ نزع السلاح، وضغطًا على إسرائيل لإتمام انسحابها. لكن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وإن كان دافئًا في نبرته ومتعهدًا بـ «مساعدة كبيرة» وطارحًا فكرة التحدث مباشرة مع حزب الله إذا طلبت بيروت ذلك، إلا أنه لم يقدّم أي التزام ملموس بشأن المساعدة. فغادر عون بحسن نية، لا بضمانات.
الحسابات الإيرانية
من هنا يعود إلى الواجهة التراجع الحاد في قدرة حزب الله على التصرف كفاعل مستقل لا كأداة، لا سيما بعد اغتيال الأمين العام السيد حسن نصر الله على يد إسرائيل في أيلول/سبتمبر 2024 إلى جانب قائد بارز في الحرس الثوري الإيراني كان موجودًا في بيروت آنذاك، وصولًا إلى سقوط نظام الأسد في سوريا ما قطع خط الإمداد الرئيسي لحزب الله.
وهنا يرى بعض المحللين أن ذلك يعكس حسابًا إيرانيًا متعمدًا، مفاده أن طهران المنشغلة بمواجهتها الخاصة مع الولايات المتحدة وإسرائيل كانت مستعدة للسماح لوكيلها اللبناني بامتصاص الخسائر بدلاً من المخاطرة بحرب أوسع. وهذه القراءة لنوايا إيران متنازَع عليها وليست مؤكدة، في حين إن الأكثر توثيقًا هو النمط الذي يمكن الإشارة إليه بالآتي: عون نفسه اتهم علنًا طهران باستخدام ترسانة حزب الله ووجوده في لبنان كورقة ضغط لتأمين مقعد على طاولة المفاوضات الإقليمية، بمعنى أنه ورقة تفاوضية أكثر منه التزامًا ثابتًا.
ما يحدد النتيجة فعليًا
بالموازاة مع ذلك، يمكن للحكومة اللبنانية أن تنشر قوات، وتقيل قادة، وتطير إلى واشنطن، لكن لا شيء من ذلك يغيّر مَن يضع الشروط: الجدول الزمني لنزع السلاح، شكل أي اتفاق سلام، وتيرة الانسحاب الإسرائيلي.... كلها بنود ستُحدَّد بما تكون إيران مستعدة للتنازل عنه في مفاوضاتها الخاصة مع واشنطن، وبما تعتبره إسرائيل مستوى مقبولًا من القدرات المتبقية لحزب الله، وبما يقرر حزب الله نفسه أنه قادر على التخلي عنه والصمود بعده.
وبالتالي، فإن مهمة بيروت في الوقت الراهن ليست التفاوض بقدر ما هي استيعاب نتائج مفاوضات تجري من حولها.
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|