من صور إلى سبسطية... 3 كنوز عربية تدخل قائمة الخطر
أدرجت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة "اليونسكو" 3 مواقع عربية في لبنان وفلسطين على قائمة التراث العالمي المعرض للخطر، في خطوة تعكس حجم التهديدات التي باتت تطاول مواقع تاريخية وأثرية ذات قيمة عالمية، ولا سيما نتيجة النزاعات والأعمال العسكرية ومخاطر التعديات والتغييرات التي قد تمس طابعها وهويتها التاريخية.
وشمل القرار قلاع جبل عامل ومدينة صور في جنوب لبنان، إضافة إلى موقع سبسطية في الضفة الغربية، وذلك خلال الدورة الـ48 للجنة التراث العالمي التي انعقدت في مدينة بوسان في كوريا الجنوبية بين 19 و29 تموز 2026. وأكدت اليونسكو أن إدراج المواقع على قائمة الخطر يهدف إلى تسليط الضوء دوليًا على التهديدات التي تواجهها وفتح المجال أمام إجراءات عاجلة ودعم فني ومالي لحمايتها.
وفي حالة قلاع جبل عامل، اتخذت اللجنة خطوة استثنائية، إذ أدرجت الموقع للمرة الأولى على قائمة التراث العالمي من خلال إجراء طارئ، قبل وضعه في الوقت نفسه على قائمة التراث العالمي المعرض للخطر، بعدما اعتبرت أن النزاع المستمر يهدد بصورة مباشرة الحفاظ على هذه المعالم ويتطلب تدخلاً عاجلاً.
وتتألف "قلاع جبل عامل" من 5 مواقع محصنة موزعة في جنوب لبنان، هي قلعة الشقيف، وقلعة تبنين، وقلعة شقرا، وقلعة دير كيفا، وقلعة شمع، وتشكل مجتمعة شبكة عسكرية وإدارية تاريخية أقيمت على مرتفعات ومواقع استراتيجية تطل على طرق وممرات أساسية في المنطقة.
وبحسب اليونسكو، تعكس هذه القلاع تطور العمارة الدفاعية في جنوب بلاد الشام على مدى قرون، إذ تعاقبت عليها مراحل تاريخية امتدت من العصور الوسطى وصولًا إلى القرن الـ19، وشهدت حضورًا صليبيًا وأيوبيًا ومملوكيًا وعثمانيًا، إلى جانب القوى الإقطاعية المحلية. كما تكشف تحصيناتها وأبراجها ومداخلها وأقسامها السكنية عن تداخل تقنيات البناء والمعارف العسكرية بين الشرق والغرب على امتداد ما يقارب ألف عام.
وكانت اليونسكو قد منحت هذه القلاع حماية معززة في تشرين الثاني 2024 في إطار اتفاقية لاهاي لحماية الممتلكات الثقافية في حال النزاع المسلح، قبل أن تعلن في أيار 2026 قلقها من أضرار موثقة طاولت قلعة شمع، ومن ضربات أُبلغ عنها في محيط قلعة الشقيف، وهو ما رفع مستوى المخاوف الدولية بشأن مصير هذه المواقع.
أما مدينة صور، فانتقلت إلى قائمة التراث العالمي المعرض للخطر بعد أكثر من 4 عقود على تسجيلها على قائمة التراث العالمي، إذ يعود إدراجها الأساسي إلى عام 1984. وقالت لجنة التراث العالمي إن استمرار الأعمال العسكرية في لبنان بات يشكل تهديدًا مباشرًا للموقع، وإن الظروف المطلوبة لضمان حماية قيمته العالمية الاستثنائية لم تعد متوافرة بالشكل الكافي.
ولفتت اليونسكو إلى أن لبنان نفسه طلب إدراج صور على قائمة الخطر في ضوء التهديدات القائمة، فيما دعت جميع الأطراف إلى تجنب أي أعمال قد تلحق أضرارًا إضافية بالموقع واحترام الالتزامات المتعلقة بحماية الممتلكات الثقافية بموجب القانون الدولي.
وتحمل صور أهمية استثنائية في تاريخ شرق البحر المتوسط، إذ كانت من أبرز المدن الفينيقية ومن المراكز البحرية والتجارية الكبرى في العالم القديم، وأسهمت في إنشاء مستعمرات في مناطق بعيدة من المتوسط، من بينها قرطاج وقادش. وتضم المدينة اليوم مجموعة واسعة من الآثار، ولا سيما من العصر الروماني، في حين تشير اليونسكو إلى أن تاريخها يمتد إلى آلاف السنين، ما يجعلها من أقدم المدن المأهولة والمعروفة تاريخيًا في المنطقة.
وتضم المواقع الأثرية في صور معالم بارزة، بينها ميدان سباق الخيل الروماني والمقابر الأثرية والطرق المعمدة والحمامات والأقواس، وهي شواهد تعكس تعاقب حضارات متعددة على المدينة وتحولها من مركز فينيقي بحري إلى إحدى أبرز الحواضر في العصور اللاحقة.
وفي الضفة الغربية، أدرجت اليونسكو موقع سبسطية على قائمتي التراث العالمي والتراث العالمي المعرض للخطر في الوقت نفسه، أيضًا ضمن إجراء طارئ، بعدما رأت أن الموقع يواجه جملة من التهديدات التي تمس سلامته وتكامله. وسجلت سبسطية رسميًا على قائمة التراث العالمي عام 2026.
ويقع الموقع شمال غربي نابلس، ويمثل سجلًا أثريًا متراكمًا لتعاقب حضارات عديدة منذ القرن الـ9 قبل الميلاد على الأقل، مرورًا بالفترات الهلنستية والرومانية والبيزنطية والإسلامية، وصولًا إلى مراحل لاحقة تعود إلى الحقبة الصليبية والأيوبية والمملوكية والعثمانية.
وحددت اليونسكو أحد أبرز الأخطار التي تواجه الموقع بخطط مصادرة أراضٍ وإنشاء متنزه وطني باسم "السامرة"، معتبرة أن المشروع قد يؤدي إلى تقسيم الموقع، إضافة إلى ضغوط أخرى مرتبطة بالنزاع والتطوير العمراني واستخدام الأراضي وإدارة الموقع وتآكل بعض بقاياه الأثرية.
وكانت المنظمة قد دعت منذ أيار 2025 إلى حماية سبسطية وتجنب أي إجراءات من شأنها الإضرار بقيمتها التاريخية والثقافية، بعدما تلقت معلومات بشأن مشاريع بنى تحتية وأنشطة أثرية جديدة ينفذها الجانب الإسرائيلي في المنطقة، مؤكدة ضرورة احترام القواعد الدولية المنظمة لأعمال التنقيب وحماية المواقع الأثرية.
ولا يعني وضع موقع ما على قائمة التراث العالمي المعرض للخطر فقدانه صفته كموقع تراث عالمي، بل يشكل عمليًا جرس إنذار دوليًا يتيح تكثيف المتابعة وحشد الموارد والخبرات، ووضع خطط عاجلة للترميم والحماية، على أن يبقى الموقع على القائمة إلى أن تعتبر لجنة التراث العالمي أن التهديدات التي تطاوله قد تراجعت إلى مستوى يسمح برفعه منها.
واللافت أن قرار اليونسكو لم يقتصر عالميًا على المواقع العربية الثلاثة، إذ أضافت اللجنة 6 مواقع إجمالًا إلى قائمة التراث العالمي المعرض للخطر خلال دورة بوسان، بينها 3 مواقع أُدرجت أصلًا على قائمة التراث العالمي من خلال مسار طارئ، وهي قلاع جبل عامل وسبسطية وموقع بوما-بادينغيلو في جنوب السودان.
وبالنسبة إلى لبنان تحديدًا، رفع إدراج قلاع جبل عامل عدد المواقع اللبنانية المسجلة على قائمة التراث العالمي إلى 7، إلى جانب بعلبك وصور وجبيل وعنجر ووادي قاديشا وغابة أرز الرب ومعرض رشيد كرامي الدولي في طرابلس، في وقت بات فيه موقعان لبنانيان، هما صور وقلاع جبل عامل، مدرجين أيضًا على قائمة الخطر.
ويحمل القرار بعدًا يتجاوز القيمة الأثرية للمواقع نفسها، إذ يضع جانبًا من التراث اللبناني والفلسطيني تحت رقابة دولية مكثفة، في وقت باتت فيه تداعيات النزاعات لا تقتصر على الخسائر البشرية والمادية، بل تمتد إلى معالم تمثل ذاكرة حضارات متعاقبة وإرثًا تعتبره اليونسكو جزءًا من التراث الإنساني المشترك.
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|