رواتب العسكريين في لبنان وجيوش المنطقة: حين يصبح الدخل جزءاً من المعركة
الحصانات تحت أنقاض المرفأ... هل تسقط العدالة أمام الدستور؟
شكّل إنفجار مرفأ بيروت في الرابع من آب 2020 حدثاً مفصلياً في التاريخ اللبناني الحديث، ليس فقط بسبب حجم الكارثة البشرية والعمرانية والإقتصادية التي خلّفها، بل أيضاً بسبب الإشكاليات القانونية والدستورية العميقة التي أثارها. فقد أدى الإنفجار إلى سقوط مئات الضحايا وآلاف الجرحى، وتدمير جزء أساسي من العاصمة اللبنانية، الأمر الذي وضع النظام القانوني اللبناني أمام إختبار غير مسبوق يتعلق بمدى قدرته على تحقيق العدالة ومحاسبة المسؤولين. ومنذ إنطلاق التحقيقات القضائية، برزت إشكالية مركزية تمثلت في تعارض الحصانات الدستورية والسياسية مع حق المجتمع والضحايا في الوصول إلى الحقيقة والعدالة. فبينما إعتبر البعض أن ملاحقة الرؤساء والوزراء يجب أن تتم حصراً أمام المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء استناداً إلى المواد 70 الى 72 من الدستور اللبناني، رأى إتجاه آخر أن الجرائم الناجمة عن الإهمال الجسيم أو القصد الاحتمالي والتي تؤدي إلى كارثة جماعية لا يمكن أن تبقى محمية بالحصانات السياسية أو الوظيفية. وتكمن أهمية هذه الإشكالية في أنها تتجاوز إطار إنفجار مرفأ بيروت نفسه، لتطال جوهر العلاقة بين السلطة السياسية والقضاء، وحدود الحصانة في النظام الدستوري اللبناني، ومدى إلتزام الدولة اللبنانية بمبادئ المحاسبة والعدالة وحقوق الإنسان. تهدف هذه القراءة في ثلاث نقاط إلى تحليل الإطار القانوني والدستوري لإشكالية الحصانات في ملف إنفجار مرفأ بيروت، والمقارنة مع التجارب الدولية، إضافة إلى تحليل إلتزامات لبنان الدولية في مجال التحقيق الفاعل ومكافحة الإفلات من العقاب.
أولاً، التكييف القانوني لإنفجار مرفأ بيروت والحصانات الدستورية وإشكالية الملاحقة القضائية
يثير إنفجار مرفأ بيروت مسألة قانونية معقدة تتعلق بالتكييف القانوني للأفعال التي أدت إلى الكارثة. فهل نحن أمام مجرد خطأ إداري أو إهمال وظيفي، أم أمام جريمة جزائية قائمة على القصد الإحتمالي؟ ينص قانون العقوبات اللبناني على تجريم الإهمال الذي يؤدي إلى الوفاة أو الإيذاء، إلا أن حجم الكارثة وطبيعة المواد المخزنة لفترة طويلة، إضافة إلى تعدد التحذيرات الرسمية، دفع عدداً من الآراء إلى إعتبار أن المسألة تتجاوز مجرد الإهمال البسيط لتقترب من مفهوم القصد الاحتمالي، أي قبول إحتمال وقوع النتيجة الجرمية مع الإستمرار في السلوك المؤدي إليها. ويُقصد بالقصد الاحتمالي أن يكون الفاعل عالماً بإمكان وقوع النتيجة الجرمية وقابلاً بالمخاطرة الناتجة عنها، حتى وإن لم يكن قد أراد النتيجة بصورة مباشرة، وقد أخذ الاجتهاد الفرنسي بهذا المفهوم في عدد من القضايا المرتبطة بالكوارث الصناعية والبيئية (1). وفي هذا السياق، يبرز التساؤل حول ما إذا كان إستمرار تخزين مادة نيترات الأمونيوم لسنوات، رغم المراسلات والتحذيرات القضائية والأمنية والإدارية، يشكل صورة من صور القبول بالمخاطرة الجسيمة التي تهدد السلامة العامة. من هنا وعلى مستوى مسؤولية السلطات العامة، تتوزع المسؤولية القانونية في ملف المرفأ بين عدة جهات رسمية، منها السلطات الوزارية المختصة، إدارة الجمارك، الأجهزة الأمنية، إدارة المرفأ وبعض الجهات القضائية والإدارية التي كانت على علم بوجود المواد الخطرة. وتثير هذه التعددية إشكالية تحديد طبيعة المسؤولية، وما إذا كانت مسؤولية فردية أم تضامنية، إضافة إلى مسألة التمييز بين الخطأ الشخصي والخطأ الوظيفي. وقد ميّز الفقه الإداري الفرنسي بين الخطأ الشخصي faute personnelle والخطأ المرفقي أو الوظيفي faute de service، ويُقصد بالخطأ الشخصي ذلك الذي ينفصل عن الوظيفة ويعكس إخلالاً جسيماً بواجبات المسؤول، بينما يرتبط الخطأ الوظيفي بسوء سير المرفق العام (2). وتبرز أهمية هذا التمييز في ملف المرفأ لأن توصيف الأفعال كأخطاء شخصية يفتح الباب أمام القضاء العدلي العادي، بينما قد يؤدي إعتبارها أخطاء وظيفية بحتة إلى حصر الملاحقة بأطر دستورية خاصة. في كل الاحوال، يشكل النظام الدستوري اللبناني نموذجاً معقداً في مجال الحصانات، إذ يمنح النواب والوزراء ورئيس الجمهورية أشكالاً متعددة من الحماية القانونية. وتنص المادة 70 من الدستور اللبناني على أنه يحق لمجلس النواب إتهام رئيس مجلس الوزراء والوزراء بإرتكاب الخيانة العظمى أو الإخلال بالواجبات المترتبة عليهم، على أن تتم المحاكمة أمام المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء (3). غير أن الإشكالية الجوهرية تكمن في تحديد مفهوم "الإخلال بالواجبات الوظيفية"، وهل يشمل الجرائم الجزائية العادية الناتجة عن الإهمال الجسيم أو الجرائم التي تؤدي إلى كوارث جماعية. وقد إنقسمت الآراء القانونية في لبنان بشكل عام إلى إتجاهين، الإتجاه الأول يرى أن أي فعل مرتبط بممارسة الوظيفة الوزارية يدخل ضمن إختصاص المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء، حتى ولو شكّل جرماً جزائياً. أما الاتجاه الثاني، فيرى أن الجرائم الجزائية العادية، وخاصة تلك التي تمس الحق بالحياة والسلامة العامة، تبقى من إختصاص القضاء العدلي العادي، لأن الحصانة لا يمكن أن تتحول إلى وسيلة للإفلات من العقاب. ويبدو أن هذا الاتجاه الثاني ينسجم بصورة أكبر مع المبادئ الحديثة للعدالة الدستورية وحقوق الإنسان. ولكن رغم النص الدستوري على وجود المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء، فإن هذا المجلس بقي شبه معطل تاريخياً، ولم يمارس دوراً فعلياً في محاسبة المسؤولين السياسيين، ويؤدي ذلك إلى مشكلة دستورية خطيرة تتمثل في عدة وجوه كوجود حصانة فعلية دون آلية محاسبة فعّالة وتعطيل حق الضحايا بالوصول إلى العدالة، كما خلق حالة من الإفلات البنيوي من العقاب. وقد اعتبر عدد من الفقهاء أن تعطيل المجلس الأعلى لا يمكن أن يؤدي إلى شلل العدالة الجزائية، وإلا تحولت الحصانة من ضمانة دستورية إلى أداة لإلغاء المسؤولية (4). إضافةً إلى الحصانة الوزارية، أثيرت مسألة الحصانة النيابية لبعض المدعى عليهم، وتنص المادة 40 من الدستور اللبناني على عدم جواز إتخاذ إجراءات جزائية بحق النائب خلال دورات الإنعقاد إلا بإذن من المجلس النيابي، بإستثناء حالة الجرم المشهود (5). غير أن الإشكالية تكمن في ما إذا كانت الجرائم الكارثية التي تمتد آثارها إلى المجتمع بأكمله يمكن أن تخضع لحماية إجرائية تؤدي عملياً إلى تعطيل العدالة. ويذهب إتجاه فقهي حديث إلى إعتبار أن الحصانات يجب تفسيرها بصورة ضيقة، لأنها تشكل إستثناءً على مبدأ المساواة أمام القانون.
ثانياً، القضاء اللبناني بين الإستقلال والتعطيل
برز دور المحقق العدلي في إنفجار مرفأ بيروت بإعتباره محوراً أساسياً في المعركة القانونية المتعلقة بالتحقيق، وقد إتخذ المحقق العدلي القاضي طارق البيطار قرارات جريئة تمثلت بإدعاءاته على مسؤولين سياسيين وأمنيين وقضائيين، الأمر الذي أدى إلى موجة واسعة من دعاوى الرد والمخاصمة وطلبات كف اليد. وأظهرت بوضوح هذه التطورات مدى هشاشة النظام القضائي اللبناني أمام الضغوط السياسية والطائفية، فقد إستُخدمت عدة وسائل قانونية لتعطيل التحقيق، منها دعاوى الرد، دعاوى نقل الدعوى، مخاصمة الدولة والإمتناع عن تنفيذ مذكرات التوقيف، ورغم أن هذه الوسائل مشروعة من حيث المبدأ، إلا أن استخدامها بصورة متكررة ومنهجية أدى إلى شلل التحقيق لفترات طويلة. وهنا يبرز التساؤل حول حدود استعمال الحقوق الإجرائية، وما إذا كان التعسف في إستخدامها يشكل إنتهاكاً لحق الضحايا في العدالة، وقد إعتبرت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان أن التأخير غير المبرر في التحقيقات المتعلقة بالحق بالحياة يشكل بحد ذاته إنتهاكاً لإلتزامات الدولة (6). والجدير بالملاحظة أنه منذ البداية، لم يُنظر الى إنفجار مرفأ بيروت فقط كجريمة داخلية تخضع حصراً للقانون الجزائي اللبناني، بل تحول تدريجياً إلى قضية ذات أبعاد دولية ترتبط مباشرةً بالمعايير الحديثة لحقوق الإنسان ومكافحة الإفلات من العقاب. فحجم الكارثة، وعدد الضحايا، وطبيعة التعطيل الذي أصاب التحقيق، دفعت العديد من الهيئات الدولية والمنظمات الحقوقية إلى إعتبار أن القضية تمس التزامات لبنان الدولية، ولا سيما تلك المرتبطة بحماية الحق بالحياة، وضمان التحقيق الفاعل، وتأمين سبل الانتصاف القضائي. وقد شهد القانون الدولي خلال العقود الأخيرة تطوراً واضحاً بإتجاه إعتبار أن الكوارث الجماعية الناتجة عن الإهمال الجسيم أو سوء الإدارة أو التواطؤ الرسمي لا يمكن التعامل معها كقضايا إدارية داخلية فحسب، بل كمسائل تدخل ضمن مسؤولية الدولة تجاه مواطنيها والمجتمع الدولي. وفي هذا الإطار، أصبحت المعايير الدولية لحقوق الإنسان تشكل مرجعاً أساسياً لتقييم مدى شرعية الإجراءات الداخلية، ومدى توافقها مع مبدأ العدالة الفعالة. أكثر تحديدًا، لا يقتصر الحق في الحياة في القانون الدولي على منع القتل التعسفي، بل يتضمن أيضاً إلتزاماً إيجابياً على الدولة بإتخاذ التدابير اللازمة لحماية حياة الأفراد من الأخطار الجسيمة المعروفة. وقد كرست المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان هذا المفهوم في عدد كبير من الأحكام، معتبرة أن الدولة تتحمل مسؤولية قانونية عندما تكون السلطات على علم بخطر حقيقي ومباشر يهدد حياة السكان، ثم تمتنع عن إتخاذ التدابير الوقائية المعقولة لمنع وقوع الكارثة (7). وتكتسب هذه القاعدة أهمية خاصة في ملف إنفجار المرفأ، لأن العديد من الوثائق والتقارير الرسمية أشارت إلى وجود علم مسبق لدى جهات رسمية متعددة بخطورة المواد المخزنة داخل المرفأ. ومن هنا، فإن الإشكالية لم تعد تتعلق فقط بوقوع الإنفجار، بل بمدى إخلال السلطات اللبنانية بواجبها الإيجابي في حماية الحق بالحياة. بالنسبة لمسألة المعايير الدولية للتحقيق الفاعل، أصبحت المعايير الدولية للتحقيق الفاعل جزءاً أساسياً من منظومة حقوق الإنسان الحديث، ووفقاً لإجتهادات المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان ولجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، يجب أن يتوافر في أي تحقيق يتعلق بإنتهاكات جسيمة للحق بالحياة عدة عناصر أساسية مثل الإستقلالية، الحياد، السرعة المعقولة، الشفافية، القدرة الفعلية على تحديد المسؤوليات وضمان مشاركة الضحايا أو ذويهم. وقد أكدت المحكمة الأوروبية في قضية Öneryıldız v. Turkey، المتعلقة بإنفجار ناتج عن تقصير السلطات العامة، أن الدولة تتحمل مسؤولية ليس فقط عن الوقاية، بل أيضاً عن فشلها في إجراء تحقيق فعال بعد وقوع الكارثة (8). وفي ضوء هذه المعايير، يبرز تساؤل جوهري حول ما إذا كانت العراقيل الإجرائية والسياسية التي واجهها التحقيق في لبنان تتوافق مع إلتزامات الدولة الدولية. بالنسبة لمبدأ الإفلات من العقاب في ضوء القانون الدولي، يشكل هذا المبدأ أحد المبادئ الأساسية في القانون الدولي المعاصر، وقد تبنت الأمم المتحدة عدة مبادئ تؤكد ضرورة ملاحقة المسؤولين عن الإنتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، ومنها مبادئ الأمم المتحدة لمكافحة الإفلات من العقاب، المبادئ الأساسية بشأن حق الضحايا في الانتصاف ومبادئ إستقلال السلطة القضائية. ويُقصد بالإفلات من العقاب الحالة التي تفشل فيها الدولة في التحقيق والملاحقة والمعاقبة بصورة جدية وفاعلة، سواء بسبب القصور المؤسساتي أو التدخلات السياسية أو الحصانات المفرطة، وفي حالة إنفجار مرفأ بيروت، فإن إستمرار تعطيل التحقيق لفترات طويلة قد يُفسر دولياً على أنه مؤشر على وجود أزمة بنيوية في نظام المساءلة اللبناني. كما من الأساسي التذكير أنه لم يعد موضوع إستقلال القضاء مجرد مسألة داخلية تتعلق بتنظيم السلطات العامة، بل أصبح معياراً دولياً مرتبطاً مباشرة بحقوق الإنسان، وقد نصت المبادئ الأساسية لإستقلال السلطة القضائية الصادرة عن الأمم المتحدة سنة 1985 على ضرورة حماية القضاة من أي تدخل أو ضغط سياسي أو إداري أثناء ممارسة وظائفهم (9). وتثير الضغوط التي تعرض لها التحقيق العدلي في إنفجار المرفأ تساؤلات عميقة حول مدى قدرة النظام القضائي اللبناني على توفير الضمانات المطلوبة دولياً،كما أن تعطيل التحقيق عبر الوسائل الإجرائية بصورة متكررة قد يؤدي إلى تقويض ثقة المجتمع المحلي والدولي بإستقلالية القضاء. أما على مستوى حق الضحايا بالحقيقة والعدالة، يتقضي التنويه الى أن القانون الدولي تطور خلال العقود الأخيرة بإتجاه الإعتراف بما يُعرف بـ"الحق بالحقيقة"، خصوصاً في القضايا المتعلقة بالكوارث الجماعية والإنتهاكات الجسيمة. ويعني ذلك أن للضحايا وذويهم حقاً قانونياً وأخلاقياً في معرفة كيف وقعت الكارثة ومن يتحمل المسؤولية وما إذا كانت هناك تغطية أو تواطؤ أو إهمال جسيم. وقد أكدت محكمة الدول الأميركية لحقوق الإنسان أن الحق بالحقيقة يشكل جزءاً من ضمانات العدالة الفاعلة وحق المجتمع في المساءلة (10). ومن هذا المنطلق، فإن تعطيل التحقيق لا يمس فقط حقوق الأفراد المتضررين، بل يمس أيضاً الحق الجماعي للمجتمع اللبناني في معرفة الحقيقة.
ثالثاً، الحصانات في ضوء المعايير الدولية بين النظرية الدستورية ومتطلبات العدالة الحديثة
شهد الفكر القانوني الدولي تحولاً تدريجياً نحو تضييق نطاق الحصانات عندما يتعلق الأمر بإنتهاكات جسيمة أو كوارث كبرى تمس الحق بالحياة، ففي حين تبقى الحصانات الوظيفية مقبولة من حيث المبدأ لحماية إستقرار المؤسسات، إلا أن الإتجاه الدولي الحديث يرفض إستخدامها كوسيلة دائمة للإفلات من المساءلة. وقد أظهرت تجارب دولية عديدة أن المحاكم الوطنية والدولية باتت أكثر ميلاً إلى أولوية العدالة وحقوق الضحايا على الإعتبارات السياسية التقليدية. وفي هذا السياق، تبرز إشكالية جوهرية في الحالة اللبنانية: هل يمكن تفسير الحصانات الدستورية بطريقة تؤدي عملياً إلى تعطيل حق أساسي محمي دولياً، وهو الحق في التحقيق الفاعل والعدالة؟ إن الإجابة عن هذا السؤال لا تتعلق فقط بالتفسير الدستوري الداخلي، بل بمدى إنسجام النظام اللبناني مع الاتجاهات الحديثة للقانون الدولي وحقوق الإنسان. فإذا ثبت أن السلطات اللبنانية فشلت بصورة ممنهجة في منع الخطر رغم العلم به، أو إجراء تحقيق مستقل وفاعل، أو ملاحقة المسؤولين بصورة جدية، فإن ذلك قد يثير مسألة المسؤولية الدولية للدولة اللبنانية، ولا يشترط القانون الدولي وجود نية جرمية مباشرة لقيام هذه المسؤولية، بل يكفي أحياناً ثبوت الإهمال الجسيم أو التقاعس المؤسساتي الخطير. ومن هنا، فإن إنفجار مرفأ بيروت قد يتحول مستقبلاً إلى نموذج قانوني دولي يُستخدم لدراسة العلاقة بين الكوارث الجماعية والإلتزامات الإيجابية للدول في مجال حقوق الإنسان. بكل الاحوال، يُعتبر الحق في التحقيق الفاعل أحد المبادئ الأساسية في القانون الدولي لحقوق الإنسان، وقد كرست المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان هذا المبدأ في إجتهادات متعددة، معتبرة أن الدولة ملزمة ليس فقط بالإمتناع عن إنتهاك الحق بالحياة، بل أيضاً بإجراء تحقيق جدي ومستقل وفاعل عندما تقع وفيات جماعية أو ظروف تهدد السلامة العامة (11). كما ينص العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي إنضم إليه لبنان، على حماية الحق بالحياة وضرورة توفير سبل إنتصاف فعالة للضحايا (12). ومن هنا، فإن أي تعطيل ممنهج للتحقيق في إنفجار المرفأ قد يثير مسؤولية لبنان الدولي، والسؤال المطروح بشكل مستمر، هل يبرر تعثر التحقيق المطالبة بالتدويل؟ يمكن الجواب ان يكون إيجابي في حال أدى تعثر التحقيق الداخلي إلى تصاعد الدعوات لإنشاء لجنة تحقيق دولية أو اللجوء إلى آليات دولية، ويستند هذا الطرح إلى عدة إعتبارات كغياب الثقة بإستقلالية التحقيق الداخلي وتعارض المصالح السياسية وإستخدام الحصانات لتعطيل الملاحقات، غير أن مسألة التدويل تبقى معقدة قانونياً وسياسياً، لأن الحل الأنسب برأي الكاتب، اذا توافرت الظروف الدولية وليس الداخلية لأن الاخيرة هي تاريخيًا معقدة وغير مشجعة، هو بإنشاء محكمة دولية خاصة بعد اللجوء إلى لجنة تقصي حقائق دولية وتحقيق دولي مستقل بعيدًا عن تدخل لأي عنصر تقريري لبناني مهما كان نوعه. كما من المهم الإشارة الى أنه تاريخياً نشأت الحصانات الدستورية لحماية المؤسسات العامة ومنع الكيدية السياسية، إلا أن تطور مفاهيم حقوق الإنسان والعدالة الإنتقالية أدى إلى إعادة النظر في حدود هذه الحصانات، ففي الأنظمة الديمقراطية الحديثة، لم تعد الحصانة تُفهم بإعتبارها إمتيازاً شخصياً، بل كضمانة وظيفية مرتبطة بحسن سير المؤسسات. ومن هنا، فإن الجرائم التي تؤدي إلى كوارث جماعية أو تنطوي على إنتهاكات جسيمة للحق بالحياة لا يمكن أن تبقى بمنأى عن الرقابة القضائية الفاعلة. وقد شهدت عدة دول توجهاً نحو تضييق نطاق الحصانات، خصوصاً بعد قضايا الدم الملوث في فرنسا والكوارث الصناعية في إيطاليا وقضايا الفساد الكبرى في أميركا اللاتينية. ويبدو أن إنفجار مرفأ بيروت أعاد طرح السؤال الأساسي التالي: هل يمكن للنظام الدستوري اللبناني أن يستمر في حماية المسؤول السياسي حتى في مواجهة كارثة وطنية بهذا الحجم؟ لقد كشف إنفجار مرفأ بيروت عن أزمة عميقة في البنية الدستورية والقضائية اللبنانية، تتجاوز حدود الملف الجزائي نفسه لتطال مفهوم الدولة وسيادة القانون، فقد أظهرت التجربة أن الحصانات، بصيغتها الحالية، يمكن أن تتحول إلى عائق فعلي أمام العدالة، خصوصاً عندما تترافق مع تعطيل المؤسسات المختصة بالمحاسب،كما أبرزت الأحداث الحاجة الملحة إلى إعادة النظر في مفهوم الحصانات الدستورية وتفعيل المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء أو تعديل آلياته، كما تعزيز إستقلال القضاء وضمان عدم إستخدام الوسائل الإجرائية بصورة تعسفية لتعطيل التحقيقات، فالعدالة في إنفجار مرفأ بيروت لم تعد قضية قضائية فحسب، بل أصبحت معياراً لمدى قدرة الدولة اللبنانية على الإنتقال من منطق الحماية السياسية إلى منطق المساءلة القانونية، وكخاتمة، يمكن أن نؤكد أنه في ظل التطورات الدولية الحديثة، يتبين أن الإتجاه العالمي يسير نحو تكريس مبدأ أساسي مفاده أن الجرائم الكارثية الجماعية لا يمكن أن تبقى محمية بأي حصانة سياسية أو وظيفية، أما على المستوى المحلي وبشكل عام على المستويين القانوني والسياسي، من الأساسي الـتأكيد على أن الجمهورية اللبنانية تمر بأخطر مرحلة في تاريخها على الإطلاق لأن الأرضية البنيوية الحالية غير قادرة على تحمل أو تمرير أي تجاهل أو تعطيل لملفات كبرى كما جرى في السابق بل أي تلاعب مصيره التسبب بالإنفجار الأكبر على كل المستويات.
المحامي إميل عون - نداء الوطن
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|