محليات

من وسط الركام... صرخة الأهالي للدولة: نريد العودة إلى أرضنا

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

من على مشارف كفرتبنيت، يقف حسين زيتون متأمّلًا بلدته التي تحجبها أكوام الركام. يُغمض عينيه كلّما دوّى انفجار جديد، كأنّه يحاول ألّا يرى حيّه وهو يُمحى من الوجود، ويقول: "مع كلّ تفجير، قلبي يتوقّف". يخفي حسين، كسائر أبناء بلدته، وجعه خلف دمعة، ويتمسّك بأمنية واحدة، أن تطأ قدماه أرض كفرتبنيت من جديد، وأن يعود إلى منزله وحيّه اللذين بات الوصول إليهما ممنوعًا.

تفجيرات يوميّة تغيّر معالم القرى

منذ دخول اتفاق وقف الأعمال العدائيّة حيّز التنفيذ قبل نحو شهر ونصف الشهر، لم تتوقّف التفجيرات الإسرائيليّة في عدد من بلدات كتف الليطاني، بل تحوّلت، وفق الأهالي، إلى جزء من يوميّاتهم، بمعدّل يقارب سبعة تفجيرات يوميّاً، تستهدف الأحياء والمناطق الحرجيّة، وتغيّر معالم الأرض وهويّة المكان.

وكانت كفرتبنيت، على مدى عقود، معبراً أساسيّاً يربط مدينة النبطيّة ببلدات مرجعيون. وظلّت طريقها سالكة حتّى في أصعب أيّام الحرب، إذ كانت آليّات الجيش اللبنانيّ تعبر منها في اتّجاه مواقعه عند معبرَي كفرتبنيت والخردلي، قبل أن تتحوّل اليوم إلى منطقة مغلقة يلفّها الركام.

وبحسب تقديرات محلّيّة، طاول نحو 350 تفجيراً كفرتبنيت وحدها، محوّلاً أجزاء واسعة منها إلى أنقاض، في مشهد مماثل لما تتعرّض له بلدتا يحمر وأرنون المجاورتان، حيث تتواصل عمليّات التفجير، فيما لا تزال عودة السكّان ممنوعة.

"يفجّرون قلوبنا قبل بيوتنا"

تقول الدكتورة رقيّة فقيه: "كلّ تفجير يمزّق قلوبنا قبل أن يدمّر بيوتنا. نريد أن نعود إلى أرضنا، وأن نعيش فيها بكرامة وأمان".

وقفت فقيه، إلى جانب عشرات الأهالي، في ساحة سرايا النبطيّة الحكوميّة، للمطالبة بوقف ما وصفته بـ"التفجيرات التي تحوّل القرى إلى رماد". وتضيف، والدموع تملأ عينيها: "العدوّ لا يفجّر بيوتنا فقط، بل يفجّر قلوبنا أيضًا. من حقّنا أن نعود إلى منازلنا وأن نعيد إعمارها".

وجاء أبناء كفرتبنيت، وأرنون، ويحمر، والنبطيّة الفوقا، وزوطر الشرقيّة، وزوطر الغربيّة، إلى ساحة الاعتصام لرفع الصوت والمطالبة بوضع حدّ لعمليّات التفجير التي يقولون إنّها ازدادت خلال فترة وقف الأعمال العدائيّة.

 

مطالب للدولة بتحمّل مسؤوليّاتها

يصف رئيس بلديّة كفرتبنيت، الدكتور محمّد فقيه، ما تتعرّض له البلدة بأنّه "جريمة بحقّ الحجر والبشر"، مشيرًا إلى أنّ عمليّات التدمير المتواصلة تحدث في وقت كان يُفترض أن يسود فيه الهدوء عقب وقف الأعمال العدائيّة.

ويطالب فقيه الدولة اللبنانيّة بتحمّل مسؤوليّاتها والعمل على وقف التفجيرات وعمليّات النسف والتخريب، ووضع خطّة واضحة لمعالجة تداعيات الدمار، إلى جانب الإسراع في تأمين بدلات إيواء للأهالي الذين دُمّرت منازلهم وهُجّروا من بلدتهم.

ويرى أنّ رعاية النازحين وحماية حقوقهم وتأمين مقوّمات صمودهم مسؤوليّة تقع على عاتق الدولة، ولا سيّما في ظلّ استمرار تعذّر عودتهم إلى منازلهم وقراهم.

انفجار ضخم يهدّد قلعة الشقيف

في منتصف ليل الجمعة، نفّذ الجيش الإسرائيليّ واحدة من أضخم عمليّات التفجير منذ دخول وقف الأعمال العدائيّة حيّز التنفيذ، مستهدفًا المسارات الجبليّة الممتدّة بين يحمر وأرنون وكفرتبنيت.

وبحسب مسؤولين محلّيّين، استُخدم في عمليّة التفجير نحو 700 طنّ من المتفجّرات، في انفجار كاد أن يطاول قلعة الشقيف، إحدى أبرز القلاع التاريخيّة والعسكريّة في جنوب لبنان. ولم تقتصر ارتداداته على القرى المجاورة، بل سُمع دويّه في مناطق لبنانيّة عدّة.

ويحمل رئيس اتّحاد بلديّات الشقيف، خالد بدر الدين، مطالب القرى المتضرّرة إلى المسؤولين والوزراء الذين يزورون النبطيّة. ويقول إنّ نحو 20 ألف وحدة سكنيّة دُمّرت في منطقة النبطيّة، مضيفًا: "مع كلّ تفجير، يُنسف حيّ أو شارع أو عدد من المباني، ولا يزال مسلسل التدمير مستمرًّا".

ويضيف بدر الدين: "كدنا نخسر قلعة الشقيف. التفجير الذي طاول المنطقة ألحق أضرارًا بمحيط القلعة، ولذلك نطالب وزارة الخارجيّة بالتحرّك لحماية هذا الموقع التراثيّ".

 

آلاف العائلات خارج منازلها

لا تقتصر مطالب بدر الدين على وقف التفجيرات، بل تشمل أيضًا تأمين بدلات إيواء للأهالي، وتسهيل عودتهم إلى قراهم، وإطلاق خطّة جدّيّة لإعادة الإعمار.

ويقول: "خسرنا آلاف الوحدات السكنيّة، بين دمار كلّيّ وجزئيّ، ولا تزال آلاف العائلات خارج منازلها. المطلوب تأمين الإيواء والتعويض، والانطلاق في خطّة جدّيّة لإعادة الإعمار".

وقد جمع التهجير والدمار أبناء قرى كتف الليطاني في ساحة الاعتصام، حيث حمل كلّ منهم قصّة منزل مهدّم، أو أرض يتعذّر الوصول إليها، أو بلدة تغيّرت معالمها، مؤكّدين تمسّكهم بالبقاء والعودة.

 

اعتراضات على نتائج اتفاق وقف الأعمال العدائيّة

تقول وفاء قبيسي: "الوجع كبير، ومن الصعب أن ترى منزلك يتحوّل إلى رماد أمام عينيك، فيما يقف الجميع متفرّجًا على تدمير قرانا".

وتضيف: "جئنا لنطالب بحقّنا في البقاء على أرضنا، ونطالب الدولة بإعادة النظر في الاتفاق المبرم، لأنّه لم يُعدنا إلى أرضنا، بل استمرّ معه تدمير الأرض والحجر وكلّ شيء".

وبين صور المنازل المدمّرة واللافتات المطالبة بالعودة، برزت مطالب الإيواء والدعم ووقف استنزاف القرى، بوصفها أولويّات لدى المشاركين في التحرّك.

 

أحياء كاملة تُنسف في زوطر

يقول رئيس بلديّة زوطر الشرقيّة، محمّد إسماعيل: "تعرّضت زوطر لتفجير عنيف، هو الثاني في أقلّ من أسبوع. التفجير الأخير دمّر حيًّا كاملًا يضمّ نحو 17 أو 18 مبنًى، أمّا التفجير الذي سبقه فدمّر نحو 40 مبنًى".

ويضيف: "جئنا لنرفع الصوت، ولنطالب الدولة بوقف هذا التدمير الممنهج، لأنّ القرى تُنسف أمام أعين أهلها، فيما لا يستطيعون العودة إليها أو حماية ممتلكاتهم".

وتقع زوطر الشرقيّة قرب زوطر الغربيّة، ولا يفصل بين البلدتين اليوم، وفق الأهالي، سوى حقل ودبّابة إسرائيليّة. ويقول سكّان إنّ الجيش اللبنانيّ انتشر في نحو 40 في المئة من مساحة زوطر الغربيّة، بينما لا تزال أجزاء أخرى منها خاضعة للسيطرة الإسرائيليّة.

ويقول محمّد مصطفى: "لا أستطيع الوصول إلى أرضي ومنزلي. أرى الجيش الإسرائيليّ يجرّف أرضي، وهذا مشهد مؤلم. نريد وقف ما يحدث، ومن حقّنا أن نعود".

يحمر تنتظر العودة

يرى مختار بلدة يحمر الشقيف، منير شميساني، أنّ التحرّك الشعبيّ يرسم بداية مرحلة جديدة، مؤكّدًا أنّ أبناء القرى التي تتعرّض للتدمير لن يقفوا متفرّجين.

ويقول: "يحمر بلدة المقاومة والصمود، لكنّ التفجيرات غيّرت معالمها ودمّرت منازلها. لا يزال الناس ينتظرون تحرّك الدولة، حتّى يتمكّنوا من العودة إلى أرضهم".

ومن النبطيّة الفوقا، بوّابة العبور إلى بلدات كتف الليطاني الستّ، تبدو الطريق مقفلة أمام الحياة، فيما يفرض الدمار معادلته القاسية، وتبقى عودة الأهالي مؤجّلة.

تحرّكات مفتوحة ورسالة إلى الحكومة

من أمام سرايا النبطيّة الحكوميّة، حيث انطلقت التحركات الشعبيّة، ارتفعت المطالب واضحة، حقّ العودة، وتأمين بدلات الإيواء، ووقف التفجيرات، وانسحاب الجيش الإسرائيليّ من الأراضي اللبنانيّة.

ويؤكّد المشاركون أنّهم لن يقفوا متفرّجين على تدمير قراهم، وأنّ تحرّكاتهم ستتواصل ما لم تبادر الدولة إلى حماية حقوقهم وتأمين عودتهم ومعالجة تداعيات الدمار.

وبينما تستعدّ الأطراف المعنيّة لجولة جديدة من المفاوضات، تبقى الحكومة اللبنانيّة أمام اختبار الاستجابة لهذه الصرخة الشعبيّة، فإمّا أن تنجح في وقف التفجيرات وفتح طريق العودة، وإمّا أن يستمرّ تدمير القرى وتغيير معالمها تحت أعين سكّانها.

المدن - رنا جوني

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا