مجلس مدّد لنفسه ثم تعطّل... هل تصبح الانتخابات المبكرة أكثر من شعار؟
السّعوديّة و”الأذرع”: قلب قواعد الاشتباك
أوحت التطوّرات الأخيرة بأنّ الجماعات المرتبطة بإيران باتت تنظر إلى المملكة السعوديّة بوصفها تتبنّى نهجاً أكثر حزماً. غيّرت المملكة السعوديّة من مقارباتها السابقة وفرضت قواعد اشتباك جديدة. بدا أنّ سلوك الرياض في مواجهة تهديدات “الأذرع” لم يعد كما كان عليه. اعتمدت المملكة طويلاً على مزيج من الدبلوماسيّة الهادئة والدفاعات الجوّيّة، وأظهرت في العراق واليمن في الأيّام الأخيرة حزماً يقوم على نقل الردّ إلى خارج الحدود. وما بين ضربات في اليمن واستهداف لمواقع في العراق، يتشكّل مسار سعوديّ مختلف في التعاطي مع ما اعتُبر دوماً تمدّداً إيرانيّاً عبر الوكلاء.
جاءت الضربات السعوديّة الأخيرة ضدّ مواقع للحوثيّين في الحديدة، ثمّ المشاركة مع القوّات الأميركيّة في استهداف مواقع لميليشيات موالية لإيران في شرقيّ العراق، لتكشف أنّ المملكة تتعامل مع “الساحات” داخل مشهد أخطار واحد. فالهجمات بالطائرات المسيّرة التي استهدفت منشآت نفطيّة في المنطقة الشرقيّة والرياض داخل المملكة، والمنطلقة من الأراضي العراقيّة، دفعت الرياض إلى التعامل مع العراق بوصفه امتداداً لمسرح التهديد، تماماً كما هو الحال في اليمن.
أمن السّعوديّة صار خارج جغرافيتها
تقول مصادر سعوديّة إنّ “أمن المملكة لم يعد يُقرأ ضمن حدود جغرافيا المملكة، بل ضمن شبكة تهديدات مترابطة تقف خلفها بنية واحدة وراء تلك الحدود”. ومعنى ذلك أنّ المملكة السعوديّة تغادر مرحلة لها قواعدها وقوانينها وتنتقل في مواجهة الأخطار إلى مرحلة جديدة لها أصولها ومنطلقاتها.
فرض الميدان تحوّلات باتت مطلوبة. وقد شهدت الأيّام التي سبقت الردّ تصعيداً متزامناً من أكثر من ساحة حين تعرّضت المملكة لهجمات متكرّرة من الحوثيّين، بالتوازي مع موجة مسيّرات من العراق. هذا التوتّر من جهة الأذرع التابعة لإيران ليس صدفة، فالمشهد يعكس تنسيقاً عمليّاتيّاً بين أذرع متعدّدة، وهو ما يعزّز القناعة بأنّ الاكتفاء بإسقاط المسيّرات لم يعد كافياً وصار يُفهم خطأً، وأنّ الردع يتطلّب الذهاب إلى مصادر التهديد نفسها واستهدافها، حتّى لو كانت خارج الحدود.
اللافت أنّ الرياض تتحرّك داخل مشهد ليس بعيداً من الصراع الحاليّ مع إيران من دون أيّ انخراط فيه. لعب التنسيق مع الولايات المتّحدة، عبر القيادة المركزيّة “سنتكوم”، دوراً حاسماً في فرض قواعد الاشتباك الجديدة. فالضربات التي استهدفت مواقع لوجستيّة ومستودعات أسلحة في شرقيّ العراق حملت بعداً سياسيّاً لافتاً يعكس مستوى متقدّماً من التعاون العسكريّ المعلن بين الرياض وواشنطن. أتاح هذا التعاون للمملكة السعوديّة هامشاً أوسع للتحرّك وفق هندسة تقنيّة وسياسيّة واسعة.
الرياض تضرب “الأذرع” وتُبقي باب الحوار مفتوحاً
تكمن أهميّة التحوّل في توقيته السياسيّ، فقد جاء متزامناً مع حراك دبلوماسيّ لافت في العراق. فقد تعهّد رئيس الوزراء عليّ الزيديّ، خلال زيارته لواشنطن، بنزع سلاح الجماعات المسلّحة الخارجة عن سيطرة الدولة. أعقبت ذلك زيارة الزيديّ لطهران ثمّ أنقرة لخلق بيئة إقليميّة سمحت للرياض بالتحرّك من دون أن تبدو وكأنّها تقوّض الدولة العراقيّة، بل تدعم مسار استعادة الدولة لسيادتها، حتّى إنّ الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب كشف أنّ “ضربات العراق تمّت بالتنسيق مع حكومة بغداد”. وهذا قلب التحوّل.
في المقابل، قالت مصادر إعلاميّة سعوديّة إنّ المملكة عرضت على العراق أدلّة واضحة عن هجمات بمسيّرات من داخل أراضيه. ولفتت مصادر أخرى إلى أنّ الأمين العامّ لمجلس التعاون الخليجيّ جاسم البديوي كان حمل في زيارته لبغداد رسالة إلى السلطات العراقيّة من قادة مجلس التعاون تؤكّد أنّ دول المجلس تملك صوراً ووثائق تثبت أنّ الهجمات على دول المجلس انطلقت من داخل الأراضي العراقيّة.
تبعث رسائل الرياض في العراق رسالتين: واحدة إلى الميليشيات هناك بأنّ استخدامها كأداة لن يمرّ من دون كلفة، وإلى بغداد بأنّ المملكة تقف إلى جانبها في مسعى ضبط السلاح المنفلت. وتبعث الرياض رسالة ثالثة إلى طهران بأنّها من خلال استهداف “الأذرع” تستعدّ لتموضع جديد تنقل فيه الحرب إلى أيّ تمدّد إيرانيّ في المنطقة مهدِّد لأمن المملكة. وفي الرسالة الأخيرة تتجنّب الرياض في خطابها الرسميّ تحميل إيران المسؤوليّة المباشرة، مع إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع طهران، وهو ما ظهر في استمرار الاتّصالات بين وزيرَي خارجيّة البلدين حتّى في ذروة التصعيد.
تفضّل المملكة، في الوقت الراهن، الفصل بين “الوكلاء” و”المركز”. ترفع الرياض مستوى الردع عبر ضرب “الأذرع” في ميادينها ورفع كلفة ما اعتادته من سلوك نمطيّ عدائيّ من دون أن ينزلق ذلك باتّجاه مواجهة مباشرة مع إيران. وبحسب مصدر سعوديّ، “لأنّ الهدف ليس التصعيد الشامل، بل تعديل سلوك الخصم والتعويل على حسابات جديدة لإيران تستنتجها من تحديثات الرياض”.
اليمن واختبار الرّدع
في اليمن لا يختلف المشهد كثيراً، فالضربات التي استهدفت مواقع حوثيّة مرتبطة بتهديد الملاحة في البحر الأحمر جاءت في سياق تثبيت خطوط حمر تتعلّق بأمن الممرّات البحريّة. وعلى الرغم من أنّ المملكة خاضت سنوات طويلة من الحرب في اليمن، يبدو تحرّكها الحاليّ أكثر انتقائيّة، ويركّز على القدرات الهجوميّة التي تمسّ الأمن الإقليميّ، بدلاً من الانخراط في مواجهة مفتوحة على كلّ الجبهات. فالمملكة التي اختبرت كلفة الحروب الطويلة، تسعى اليوم من خلال الدبلوماسيّة والضربات الدقيقة إلى تجنّب التصعيد واحتواء شططه.
ليست معروفةً بعدُ هويّة أصحاب قرار تحريك “الأذرع” في طهران. واشنطن نفسها متخبّطة في تشريح مشهد القيادة الجديدة في إيران حتّى إنّ الرئيس الأميركيّ بات يتشكّك في وجود “مرشد” هناك. لكنّ ما يصدر عن طهران ما زال يوحي بالحرص على خفض التصعيد مع الرياض والنأي بنفسها ولو صوريّاً عن “سوء تقدير” ميليشياتها. غير أنّ بوصلة تحرّك “الأذرع” ستفرج عن وجهاتها من خلال ردود فعلها على الردّ السعوديّ الجديد.
لكن بغضّ النظر عمّا سيصدر عن “وكلاء” المركز، من الأحرى قراءة تحوّلات الردع السعوديّة بصفتها أعراضاً لها ما بعدها من ظاهرة إيران وعبثها.
محمد قواص-اساس
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|