محليات

التواصل مع إسرائيل: هل أصبحت القوانين اللبنانية متقادمة؟!

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

المصدر: Ici Beyrouth

كان الأمر محسومًا لأكثر من سبعة عقود. ففي لبنان، اعتُبرت إسرائيل دولةً عدوةً، وحُظر أي شكل من أشكال العلاقة معها. وفي ظلّ السياق الإقليميّ السائد آنذاك، الّذي رسمت توجًهاته جامعة الدول العربية، بُني الإطار القانونيّ اللبنانيّ الناظم لمقاطعة إسرائيل على منطق المواجهة الدائمة، حيث اعتُبرت المقاطعة، وحظر التبادل، وتجريم بعض أشكال التواصل، أدواتٍ للدفاع الوطنيّ.

أمّا اليوم، فقد تبدّلت المعطيات. ففي وقت تشارك فيه الدولة اللبنانية في آليات تفاوض مباشرة مع إسرائيل، يبرز سؤال جوهريّ: هل لا تزال هذه القوانين، الموضوعة في سياق حرب مفتوحة، تتلاءم مع الواقع الراهن؟

ولا يقتصر النقاش على مسألة التطبيع المحتمل مع إسرائيل، بل يتناول، في المقام الأول، مدى قدرة القانون على الحفاظ على اتساقه مع التحولات الّتي شهدتها الدبلوماسية، والاقتصاد، والمجتمع اللبنانيّ.

ترسانة قانونية موروثة من مرحلة أخرى

لا يقتصر الإطار القانونيّ اللبنانيّ على قانون واحد يحظر العلاقات مع إسرائيل، بل يقوم على منظومة من النصوص الّتي تنظم هذه العلاقات بقدر كبير من الصرامة.

ويُعتبر قانون الثالث والعشرين من حزيران 1955 الخاص بمقاطعة إسرائيل واحدًا من ركائز هذه المنظومة الأساسية، إذ يفرض، في جملة ما يفرضه، قيودًا اقتصادية وتجارية على الكيانات المرتبطة بإسرائيل. ولا تزال وزارة الاقتصاد اللبنانية تضمّ “مكتب مقاطعة إسرائيل”، المكلّف بتطبيق أحكام هذا القانون.

كما يتضمّن قانون العقوبات اللبنانيّ أحكامًا تتعلق بالعلاقات مع دولة تُعتبر عدوة، وتنص بعض الجرائم المرتبطة بالخيانة أو التعاون مع العدو على عقوبات بالغة الشدة.

وعند إقرار هذه القوانين، تمثل الهدف الأساسيّ في منع أي اعتراف بإسرائيل، أو أي تعاون معها، أو أي نفاذ اقتصاديّ إسرائيليّ إلى بلد كان رسميًّا في حالة حرب معها. غير أنّ السياقيْن الإقليميّ والدوليّ تغيّرا بصورة جذرية خلال العقود السبعة الماضية.

المفارقة اللبنانية: الدولة تتحاور والمواطن لا يزال ممنوعًا

تكمن أبرز المفارقات اليوم في الهوة الفاصلة بين النص القانونيّ من جهة، والممارسة الّتي تنتهجها الدولة من جهة أخرى.

على مدى السنوات الأخيرة، شارك لبنان وإسرائيل في محادثات رعتها أطراف دولية. ففي عام 2020، وافق البلدان على إطار للتفاوض بشأن ترسيم حدودهما البحرية، بوساطة الولايات المتحدة وتحت إشراف الأمم المتحدة.

وفي عام 2022، توصّل لبنان وإسرائيل إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية، من دون أن يشكّل ذلك اعترافًا دبلوماسيًّا رسميًّا، وبعد جولات متعددة من المفاوضات بين الطرفيْن.

ولا تزال حتى اليوم آليات الحوار الأمنيّ والسياسيّ قائمةً بشأن الحدود الجنوبية، والترتيبات المرتبطة بوقف إطلاق النار، بموجب الاتفاق الإطاريّ المُبرم بين البلديْن.

وهنا تتجلى المفارقة بوضوح. فعندما يتعلق الأمر بحماية المصالح الاستراتيجية، أو الاقتصادية، أو الأمنية، تسمح الدولة اللبنانية بمستوى معين من التواصل مع إسرائيل. أمّا بالنسبة إلى المواطن، ففي مفارقة تعكس غياب الاتساق في المنظومة القانونية، يُنظر دائمًا إلى أي تواصل فرديّ مع إسرائيليّ بمثابة علاقة مع العدو.

وبين ما تمارسه الدولة وما يُحظّر على الأفراد، يبرز سؤال جوهريّ: هل يجوز أن يحتفظ قانون بشرعيته إذا كان يمنع المواطنين من ممارسة واقع، تقبل به الدولة في ظروف معينة؟

حظر يصعب تطبيقه في عصر العولمة

تشكل مسألة تطبيق هذه القوانين محورًا أساسيًّا في النقاش.

فالقوانين الّتي تحظّر التواصل مع إسرائيل وُضعت في مرحلة كانت الحدود السياسية والجغرافية فيها أكثر انغلاقًا. أمّا اليوم، فقد جعلت حركة التنقل والتبادل على المستوى الدوليّ هذا الفصل شبه مستحيل.

فلبنانيون كثر يقيمون في دول ترتبط بعلاقات دبلوماسية طبيعية مع إسرائيل. وهم يعملون في شركات دولية، أو يدرسون في جامعات أجنبية، أو يشاركون في مؤتمرات، أو يتعاونون في قطاعات تتداخل فيها الجنسيات بصورة يومية.

وفي هذا السياق، يصبح تحديد ما يُعدّ “تبادلًا” محظورًا مسألة بالغة التعقيد.

فهل يُعتبر لقاء مهنيّ على هامش مؤتمر دوليّ علاقةً ذات طابع سياسيّ؟ وهل يشكّل تواصل عبر منصة رقمية فعلًا من أفعال التطبيع؟ وهل ينبغي اعتبار تعاون علميّ أو تجاريّ في الخارج مخالفة قانونية؟

فكلّما حاول القانون تنظيم سلوكيات أصبحت جزءًا من الحياة اليومية، ازدادت صعوبة تطبيقه.

وقد تفقد القاعدة القانونية الّتي يتعذر تطبيقها بصورة متساوية على الجميع، تدريجيًّا، وظيفتها القانونية.

مزدوجو الجنسية: منطقة رمادية في طور الاتساع

ويفاقم ازدياد عدد مزدوجي الجنسية اتساع هذه الفجوة. فآلاف اللبنانيين يحملون اليوم جنسيةً ثانيةً تتيح لهم السفر إلى دول تقيم علاقات مع إسرائيل.

وقد يلتقي بعضهم بإسرائيليين في بلد إقامتهم، أو يعملون معهم، أو يسافرون إلى دول تقيم علاقات دبلوماسية مع تل أبيب.

ويجد القانون اللبنانيّ، الّذي وُضع وفق منطق إقليميّ ووطنيّ تقليديّ، صعوبةً في مواكبة هذه الوقائع المستجدة.

ويصبح السؤال عندئذ متعلقًا بمدى هذه المحظورات الفعليّ. فإلى أي حد تستطيع الدولة تنظيم تفاعلات خاصة تجري، في بعض الأحيان، بشكل كامل خارج أراضيها؟ وهل ينبغي أن يبقى التشريع جامدًا لأنّه استجاب لواقع تاريخيّ معين؟ أم يفترض أن يتطور مع تغير هذا الواقع التدريجيّ؟

وعليه، عندما تصبح هذه القوانين غير منسجمةٍ مع الممارسات الدبلوماسية، ويغدو تطبيقها بالغ الصعوبة، وتؤدي إلى خلق حالة من عدم اليقين القانونيّ لدى المواطنين، قد يؤدي الإبقاء عليها إلى إضعاف سلطة القانون بدلًا من تعزيزها. وإذا كان القانون اللبنانيّ قد اضطرّ، في مجالات مختلفة، إلى التكيف مع التحولات الدولية، فقد تصبح مسألة العلاقات مع إسرائيل واحدةً من الملفات المقبلة الّتي ستواجه هذه الحاجة إلى التحديث.

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا