الصحافة

واشنطن تدفع نحو تسوية لبنانية ـ إسرائيلية مستقلة عن التفاهمات الإقليمية

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

تشهد الساحة اللبنانية مرحلة دقيقة من إعادة رسم التوازنات السياسية والأمنية بالتزامن مع الجولة الجديدة من المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية في واشنطن بوساطة أميركية، في وقت تتقاطع فيه هذه المباحثات مع مسار إقليمي أوسع يتمثل في المفاوضات الأميركية ـ الإيرانية وما يمكن أن تفضي إليه من تفاهمات تتجاوز الملفات الثنائية إلى قضايا النفوذ والأمن في الشرق الأوسط. وفي هذا السياق، يبدو أن الإدارة الأميركية تسعى إلى الفصل بين المسارين شكلياً على الأقل، بينما تبقى الوقائع السياسية مرتبطة إلى حد بعيد بنتائج الحوار مع طهران وقدرة واشنطن على انتزاع التزامات عملية من القوى المرتبطة بها في المنطقة.

اللافت في المرحلة الحالية هو حجم الانخراط الأميركي المباشر في الملف اللبناني، والذي تجلى من خلال الاتصالات السياسية الرفيعة المستوى مع رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، بما يعكس اهتماماً أميركياً متزايداً بترتيب الوضع اللبناني بعد الحرب الأخيرة وبناء معادلة أمنية جديدة في الجنوب. ويشير هذا الحراك إلى أن واشنطن تنظر إلى السلطة اللبنانية الحالية باعتبارها الشريك الأساسي في تنفيذ أي ترتيبات مستقبلية، سواء لجهة تثبيت وقف إطلاق النار أو لجهة استكمال انتشار الجيش اللبناني وتعزيز سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية.

ويعكس كلام الرئيس عون خلال الاجتماع مع الفريق اللبناني المكلف متابعة المفاوضات قناعة رسمية بأن خيار التفاوض بات المسار الوحيد المتاح لاستعادة الحقوق اللبنانية وإنهاء الاحتلال الاسرائيلي، خصوصاً أن التطورات العسكرية خلال الأشهر الماضية أظهرت محدودية الخيارات الأخرى وكلفتها الباهظة. كما أن الرئاسة اللبنانية تحاول تقديم المفاوضات بوصفها جزءاً من مشروع استعادة الدولة لدورها السيادي الكامل، وليس كتفاوض تقني حول ترتيبات أمنية أو حدودية فقط.

غير أن البعد الأكثر حساسية في هذه المفاوضات يتمثل في ارتباطها غير المباشر بالمحادثات الأميركية ـ الإيرانية. فعلى الرغم من التأكيدات الأميركية المتكررة بأن الاتصالات مع طهران لا تهدف إلى إشراكها في تقرير مستقبل لبنان، فإن مجرد الحديث عن آليات تنسيق أو لجان تضم الولايات المتحدة ولبنان وإيران لتثبيت وقف إطلاق النار يكشف حجم الترابط بين المسارين. فواشنطن تدرك أن نجاح أي ترتيبات أمنية في الجنوب اللبناني يبقى مرتبطاً بمدى استعداد إيران لاستخدام نفوذها لدفع حلفائها نحو الالتزام بالاتفاقات الجديدة، كما تدرك أن أي تصعيد إقليمي قد ينعكس مباشرة على الجبهة اللبنانية.

ومن هنا يمكن فهم الحساسيات اللبنانية المتزايدة حيال إدراج لبنان ضمن أي تفاهمات أميركية ـ إيرانية محتملة. فالقوى السياسية اللبنانية، على اختلاف توجهاتها، تبدو حريصة على تثبيت مبدأ أن مستقبل البلاد لا يُقرَّر خارج مؤسساتها الدستورية، وأن أي تفاهم إقليمي يجب أن يمر عبر الدولة اللبنانية لا أن يتحول إلى صيغة لتبادل النفوذ بين العواصم الكبرى والإقليمية. وتكتسب هذه المخاوف أهمية إضافية في ظل التجارب السابقة التي كان فيها لبنان جزءاً من مقايضات إقليمية أوسع من قدرته على التأثير فيها.

في المقابل، تشير المؤشرات المتوافرة إلى أن الإدارة الأميركية تحاول طمأنة حلفائها اللبنانيين عبر التأكيد أن أي حوار مع إيران بشأن لبنان يقتصر على معالجة الملفات الأمنية المرتبطة بوقف إطلاق النار وتنفيذ الالتزامات المطلوبة، وليس على منح طهران دوراً سياسياً في رسم مستقبل الدولة اللبنانية. ويبدو أن هذا الموقف ينسجم مع الرؤية الأميركية الأوسع القائمة على دعم المؤسسات الرسمية اللبنانية وتوسيع دور الجيش باعتباره الجهة الوحيدة المخولة إدارة الملف الأمني والعسكري.

أما على المستوى العملي، فتتجه المفاوضات الحالية نحو بحث آليات الانسحاب الإسرائيلي التدريجي من الأراضي اللبنانية بالتوازي مع انتشار الجيش اللبناني وتعزيز الرقابة الأمنية على المناطق الحدودية. وتشير المعطيات إلى أن هذا المسار لن يكون سريعاً، إذ يرتبط بمجموعة معقدة من الملفات تشمل ترتيبات الأمن الميداني، ومستقبل السلاح خارج إطار الدولة، وآليات التحقق من تنفيذ الالتزامات المتبادلة. لذلك تبدو التوقعات الواقعية أقرب إلى مسار متدرج منه إلى اتفاق شامل وفوري.

وتبقى نتائج المفاوضات الأميركية ـ الإيرانية عاملاً حاسماً في تحديد سرعة هذا المسار وحدوده. فإذا نجحت واشنطن وطهران في تثبيت تفاهمات أوسع حول ملفات المنطقة، فقد ينعكس ذلك مرونة أكبر على الساحة اللبنانية ويسرّع تنفيذ الترتيبات الأمنية والانسحابات المطلوبة. أما إذا تعثرت تلك المفاوضات أو عادت المواجهة بين الطرفين إلى التصاعد، فإن لبنان قد يجد نفسه مجدداً أمام مرحلة من المراوحة والتوتر، حيث تصبح المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية رهينة الصراع الإقليمي الأوسع.

وبين الرهان اللبناني الرسمي على التفاوض، والإصرار الأميركي على دعم مؤسسات الدولة، ومحاولة إيران الحفاظ على أوراق تأثيرها الإقليمية، يقف لبنان أمام فرصة استثنائية لإعادة تثبيت موقع الدولة في المعادلة الداخلية. إلا أن نجاح هذه الفرصة يبقى مشروطاً بقدرة اللبنانيين على تحويل التفاهمات الخارجية إلى مشروع وطني جامع، وبقدرة المفاوضات الجارية على إنتاج مكاسب سيادية فعلية تتجاوز مجرد إدارة وقف إطلاق النار نحو معالجة جذور الأزمة الأمنية والسياسية التي طبعت الجنوب اللبناني طوال العقود الماضية.

داود رمال – "اخبار اليوم"

 

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا