الصحافة

التفاهم الإيراني التركي يرسم ملامح المرحلة: لبنان خارج مشاريع المواجهة السورية؟

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

منذ تغيير النظام في سوريا، باتت العلاقة مع لبنان جزءاً من شبكة معقدة من التوازنات الإقليمية التي أفرزتها الحرب الأخيرة والتحولات التي شهدتها المنطقة خلال الأشهر الماضية. فبعد سنوات طويلة كان يُنظر خلالها إلى الساحة اللبنانية باعتبارها إحدى ساحات الاشتباك غير المباشر بين القوى الإقليمية، بدأت تظهر مؤشرات مختلفة توحي بأن لبنان يتجه تدريجياً نحو التحول إلى مساحة تقاطع مصالح أكثر منه ساحة صراع.

في هذا السياق، اكتسبت تصريحات الرئيس السوري أحمد الشرع الأخيرة أهمية استثنائية، فإلى جانب كونها شكلت حديثاً غير مسبوق عن ضرورة طمأنة البيئة الشيعية والحوار مع حزب الله، عكست ايضا توجهاً سورياً جديداً يقوم على تجنب أي انخراط مباشر في الصراعات اللبنانية الداخلية مثلما يريد الرئيس الاميركي دونالد ترامب. وبحسب مصادر سياسية مطلعة على الاتصالات الجارية بين بيروت ودمشق، فإن القيادة السورية الجديدة أبلغت أكثر من جهة لبنانية خلال الأشهر الماضية أنها لا ترى مصلحة لسوريا في فتح جبهة سياسية أو أمنية مع حزب الله، وأن أولويتها تتركز على تثبيت الاستقرار الداخلي وإعادة بناء مؤسسات الدولة واستعادة الاقتصاد السوري المنهك.

هذا التحول السوري جاء بالتزامن مع تسريبات سياسية وإعلامية غربية تحدثت خلال الفترة الماضية عن محاولات أميركية وإسرائيلية لبحث دور سوري محتمل في أي ترتيبات أمنية جديدة تخص لبنان، وصولاً إلى تداول معلومات عن رغبة بعض الدوائر المقربة من الرئيس الأميركي دونالد ترامب في تشجيع دمشق على لعب دور ضاغط على حزب الله داخل لبنان. إلا أن مصادر متابعة للعلاقات السورية الأميركية تؤكد أن هذا الطرح لم يتحول يوماً إلى مشروع عملي قابل للتنفيذ، لسبب بسيط يتمثل في أن القيادة السورية الحالية تدرك أن أي مواجهة مباشرة مع حزب الله ستؤدي إلى زعزعة استقرار سوريا نفسها قبل أن تؤثر على الحزب أو على التوازنات اللبنانية.

وبحسب مصادر دبلوماسية مطلعة، فإن دمشق أبلغت أكثر من جهة دولية خلال الأشهر الأخيرة أنها ليست معنية بالدخول في أي مشروع يستهدف خلق صدام سوري ـ لبناني أو سوري ـ شيعي، وأنها تفضّل معالجة الملفات العالقة عبر القنوات السياسية والأمنية المباشرة. وتقول المصادر إن هذا الموقف السوري شكل مفاجأة لعدد من الجهات الإقليمية التي كانت تراهن على أن تؤدي التغييرات السياسية التي شهدتها سوريا إلى انقلاب كامل في مقاربتها للعلاقة مع حزب الله وإيران.

في المقابل، تبدو العلاقة بين إيران وتركيا عاملاً أساسياً في فهم المشهد الجديد، فعلى الرغم من التنافس التقليدي بين البلدين في عدد من الملفات الإقليمية، فإن الأشهر الأخيرة أظهرت قدرة الطرفين على إدارة خلافاتهما ومنعها من التحول إلى صدام مباشر. وتشير مصادر متابعة للعلاقات الإقليمية إلى أن أنقرة وطهران تتشاركان اليوم مصلحة واضحة في منع أي فوضى جديدة في سوريا أو لبنان، لأن أي انفجار واسع في هذين البلدين ستكون له انعكاسات مباشرة على الأمن القومي التركي والإيراني معاً.

ومن هذا المنطلق، تنظر أوساط سياسية لبنانية إلى التفاهم غير المعلن بين تركيا وإيران باعتباره أحد عناصر الاستقرار الإقليمي المستجد. فأنقرة التي تمتلك نفوذاً متزايداً داخل سوريا لا تبدو متحمسة لفتح مواجهة مع حزب الله أو مع إيران، كما أن طهران تدرك أهمية الدور التركي في حماية التوازنات السورية الجديدة ومنع الانزلاق نحو الفوضى. وبحسب مصادر مطلعة على قنوات التواصل القائمة بين الطرفين، فإن هناك إدراكاً مشتركاً بأن أي صدام إقليمي جديد سيقضي على المكاسب التي حققها الجانبان خلال السنوات الماضية، ولن يستفيد منه سوى العدو الاسرائيلي.

أما لبنان، فيستفيد بصورة مباشرة من هذه المعادلة. فكلما تراجعت احتمالات الصدام بين إيران وتركيا، تقلصت فرص استخدام الساحة اللبنانية كساحة تصفية حسابات إقليمية. وكلما تعزز التفاهم بين دمشق وطهران وأنقرة، ازدادت فرص تثبيت الاستقرار على الحدود اللبنانية ـ السورية وعلى الجبهة الجنوبية في آن واحد.

لهذا السبب، ترى مصادر سياسية متابعة أن الحديث عن دور سوري عسكري أو أمني ضد حزب الله أصبح حاليا أقرب إلى الأمنيات السياسية لبعض الأطراف منه إلى الوقائع الفعلية، وذلك ما لم تتبدل ظروف المنطقة والاقليم. فالمعادلات التي تحكم المنطقة اليوم تختلف جذرياً عن تلك التي كانت قائمة قبل سنوات. سوريا الجديدة تبحث عن الاستقرار، وتركيا تبحث عن تثبيت نفوذها ومصالحها، وإيران تعمل على حماية شبكة حلفائها الإقليميين، فيما تسعى الولايات المتحدة إلى منع انفجار جديد قد ينسف التفاهمات التي يجري العمل عليها في أكثر من ساحة.

وبناءً على ذلك، تبدو المرحلة المقبلة مرشحة لانتقال العلاقة بين دمشق وحزب الله من مرحلة إدارة الضرورات الأمنية إلى مرحلة بناء تفاهمات أكثر وضوحاً، خصوصاً إذا استمرت التفاهمات الإيرانية ـ التركية بالتقدم، وإذا نجحت المفاوضات الجارية بين واشنطن وطهران في تثبيت وقف النار في لبنان.

محمد علوش -ليبانون ديبايت

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا