نقاش اليوم التالي للحرب… هل نذهب لاتفاق بين الدولة والحزب؟
في ورقة تشكيل آلية عمل لخفض التصعيد في لبنان، دخل لبنان إليها صحيحاً بالنص، لكنه بقي خارجها بالمفهومين السياسي والإداري، ببساطة لأنه لم يكن له أي دور مساهمة أو رأي في تشكيلها. والمفارقة التي تُسمع هنا هي الحديث الدائم عن أن لبنان يفاوض عن نفسه، فيما تُظهر الورقة المذكورة والوقائع كافة، أن الجميع فاوض عن لبنان، إلا هو. ولبنان يتوجه إلى واشنطن مفاوضاً الإسرائيليين على ما لا يملك. وبمعنى آخر، فإن التفاوض بهذه الطريقة، لا يفترض أن يتوقع منه نتائج. والأكثر إثارة، أنه في خضم معركة إخراج إيران من المشهد اللبناني وفصل لبنان عنها، يثبت وجودها من خلال الآلية المنشأة إلى جانب الدول الضامنة لأمن لبنان.
بعيداً عن ذلك، وفي وقتٍ جمدت محاولات التقدم صوب مرتفع علي الطاهر، من يضمن أن الأمور إنتهت عند هذا الحد؟ سيما وأن ما سبق ذكره من أهداف عسكرية، ثمة أخرى سياسية لا تقل أهمية. فأولاً، تريد إسرائيل تكريس منطق حصار المدن من خلال الاستحواذ على المرتفعات، بحيث تشكل عنصر ضغط على الدولة وبيئة الحزب. وثانياً، تريد تل أبيب الحرب بوصفها مدخلاً ليس فقط لإبعاد الحزب عن الجنوب بأكمله، بل أيضاً لفرض معادلة حصر سلاحه بالقوة داخل لبنان. وثالثاً، والأهم، تعمل تل أبيب على فصل لبنان عن إيران بالقوة. فإسرائيل، وإن بات التفاهم الإيراني ـ الأميركي أمراً واقعاً، ما تزال ترفض الاعتراف به أو السماح لواشنطن بتفسيره على أنه يشمل لبنان أو تطبيقه عليه. بل تريد تكريس محور بيروت ـ واشنطن التفاوضي كأساس لأي تفاهم مستقبلي مع لبنان، ولو أنها ما زالت تتعامل مع هذا المسار على قاعدة أن التقديمات والتسليفات لم يحن أوانها بعد. والثابت بالنسبة إلى إسرائيل أنها في وارد الذهاب في الجولة المقبلة إلى تفاهمات حول ترتيبات مع الدولة، وفي ذهنها أنها تطوق المسار الإيراني.
لذلك يفهم الحزب جيداً، ومن خلفه السلطة والحكم اللبنانيان، أن النزاع الدائر حالياً سيفضي إلى نتائج ذات طبيعة سياسية ستحكم الميدان الداخلي اللبناني لفترة معينة. ولهذه الأسباب يرفض الحزب التنازل بأي شكل عن علي الطاهر ومحيطه، وأعلن فتح معركة دفاع استشهادية.
في الداخل، وبموازاة ارتفاع قيمة القتال تحت عنوان وقف إطلاق النار الإيراني ـ الأميركي المعترف به لبنانياً، تدور نقاشات ذات طابع سياسي عميق، يصفها البعض بأنها مداولات حول اليوم التالي للمعركة، بدليل تشدد الحزب والدولة حيال أمور كثيرة. لكن تحت طبقة التشدد تلك يتخفى جزء مما يمكن تسميته بـِ «الانفتاح المنظم»، الذي يمكن الإشارة إليه باعتباره نوعاً من الاعتراف بالواقعية السياسية التي تفرض نفسها على الجميع.
فالحكم اللبناني، الذي أدرك كيف يمكن لواشنطن أن تتخلى عن الجميع دون استثناء عند الوصول إلى تفاهمات أو تحقيق مصالح، بدأ يمارس السياسة من منطلق الاستفادة من جميع المسارات وعدم القطيعة مع أي طرف. ولجأ، بفعل النصائح الداخلية والعربية، إلى فتح قنوات متعددة مع الثنائي الشيعي، ومع حزب الله تحديداً، للبدء بما يمكن وصفه بحوار يكاد يكون أقرب إلى مفاوضات منه إلى حوار، ويتعلق بملفات عديدة، من الاحتلال إلى الانسحاب، وصولاً إلى وضعية الحزب بعد الانسحاب.
ووفق ما يتردد، عُقدت أكثر من جلسة بين موفدين عن الثنائي الشيعي وآخرين عن رئيس الجمهورية جوزاف عون، بحضور ورعاية وسطاء مدنيين وأمنيين. كما جرت لقاءات جانبية ثنائية بين موفدين من الثنائي، كل على حدة، ومستشارين للرئيس عون. كذلك حصلت لقاءات بين هؤلاء جميعاً، بصورة مباشرة أو عبر التواصل مع السفارة الإيرانية في بيروت، ما يظهر وجود نوع من الحيوية السياسية والإقرار بدقة المرحلة الحالية.
طبعاً، ثمة قضايا كثيرة مهمة، ولكل طرف منطلقاته. فحزب الله ما زالت تشغله مسألتان أساسيتان ومعقدتان. الأولى القرارات الحكومية المتخذة بحقه في جلسة 2 آذار الماضي وما تبعها من إجراءات أمنية وقضائية طاولت جسمه وبيئته. أما الثانية فتتمثل في إعلان النوايا بين الحكم في لبنان والسلطة في إسرائيل برعاية أميركية.
ويمكن الاستنتاج هنا أن نقاشاً كان مفتوحاً بين الحكم، عبر وسطاء، والثنائي الشيعي قبل الوصول إلى ورقة إعلان النوايا، وقد وصل الحديث يومها إلى قبول حزب الله وقفاً لإطلاق النار يدوم عدة أيام مقابل تطبيق إسرائيلي مماثل ومتزامن، قبل أن يتفاجأ بإعلان نوايا صدر من واشنطن، ما أدى إلى رفع الشيخ نعيم قاسم والرئيس نبيه بري سقف مواقفهما المعروفة.
الآن يمكن القول إن الأمور عادت لتتحلى بجزء من الواقعية في النقاش. ويقول الحزب إنه يستهدف في نقاشاته الحالية، التي قد تمهد لليوم التالي في حال أوقفت إسرائيل اعتداءاتها، إعادة تفسير قرار جلسة مجلس الوزراء في 2 آذار الماضي. والحزب يدرك تماماً صعوبة التراجع عنه عبر جلسة حكومية، بل استحالة ذلك، لكنه يدفع باتجاه إيجاد تفسيرات للقرار في ضوء التعنت الإسرائيلي القائم.
بل إن وسطاء يعتقدون أن الوصول إلى خلاصات إيجابية في هذه القضية قد يدفع النقاش بين الحكم والحزب إلى أماكن أبعد، كما يمنح السلطة ورقة تفاوضية بالغة الأهمية.
وعلى الوتيرة نفسها، يريد الحزب إعادة إنتاج إعلان النوايا بطريقة تفسير لبنانية مختلفة، تسمح بتجميد تنفيذ بعض البنود ربطاً بالتصلب الإسرائيلي تجاهها ورفضه تنفيذها، على قاعدة أن الاعتراض يقابل بالاعتراض. وهو ما يبدو أن إسرائيل تفهمه، وتحاول من خلال تكريس بعض الوقائع الميدانية الذهاب إلى نوع من الترتيبات الأمنية مع السلطة اللبنانية في واشنطن خلال الجلسة المتوقعة هذا الأسبوع.
في المقابل، تبحث الدولة اللبنانية مع الحزب عن آليات إدارية تمكنها من فرض وبسط نفوذها أمام الخارج وفي الميدان. ورغم إدراكها حجم رفض الحزب للمسار التفاوضي الأميركي مع إسرائيل، فإنها تراهن على عقلانية الدمج بين المسارين الإيراني والأميركي. لذلك قدم الحكم الصورة التي قدمها في التقارب مع الإيرانيين.
كما يريد الحكم من الحزب التزامات في موضوع الانسحاب من جنوب الليطاني والمناطق التجريبية، حتى ولو لم يؤد ذلك إلى موافقة نهائية، بل يربط أي ترتيب ببدء انسحاب متبادل مع إسرائيل من قطاعات محددة جنوب الليطاني. لذلك كان كلام الشيخ نعيم قاسم واضحاً في خطابه ما قبل الأخير حين أكد أن المقاومة تلتزم اتفاق 27 تشرين الثاني، وقد فُهم ذلك على أنه نوع من التقديمات السياسية.
والأهم، من وجهة نظر الوسطاء، أن الحديث عاد إلى اليوم التالي للحرب وكيفية إيجاد حل لمسألتي سلاح الحزب والانسحاب الإسرائيلي. وتعتقد دول عربية، على رأسها مصر، أن الملفين أصبحا متزامنين ومتلازمين.
وكما يُفهم، يجري البحث، أو التفكير في البحث، ليس في السلاح التقليدي، بل في السلاح المؤثر، حيث تقوم فكرة العرب والسلطة على ضرورة الوصول إلى تفاهمات حوله تؤدي إلى تجميد استخدامه، في صيغة تشبه ما طُرح سابقاً.
بطبيعة الحال، يعتبر الحزب أن هذا النقاش سابق لأوانه، بل يستحيل بحثه في ظل الاحتلال. ويرى أن وضعه الحالي يقوم على المقاومة وملاحقة الإسرائيليين أينما وجدوا على الأراضي اللبنانية، وأنه ليس في وارد المساومة.
إلا أنه قدم نموذجاً متقدماً لأي حل في اليوم التالي يتضمن انسحاباً إسرائيلياً مضموناً ووقفاً للاعتداءات ضمن تفاهم طويل الأمد، حين ربط الشيخ نعيم قاسم موضوع الأمن بالأمن، أي أن أمن المستوطنات مضمون في حال توقفت إسرائيل عن الاعتداء. وهو موقف يكرره للمرة الثانية بوصفه قادراً على جذب إسرائيل الساعية إلى الأمن، ويؤكد في الوقت نفسه تبدل أولويات الحزب باتجاه التحول إلى قوة دفاعية داخل الحدود لا خارجها.
عبد الله قمح - المدن
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|