الصحافة

معمل غوسطا للنفايات: بيعت معداته والدولة تراهن عليه لحل الأزمة

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

هناك، في غوسطا- قضاء كسروان، معملٌ للنفايات طمرته الذاكرة، فيما لا تزال روائح النفايات تطمر اللبنانيين. قبل سنوات، أنفقت مليارات بهدف إنشائه، لكنه لم يعمل إلا سنة واحدة. وبدلاً من أن تندثر النفايات، اندثر المعمل نفسه، وسقطت معه الخطة.

قبل أشهر، ارتفعت الصرخة في منطقة الجديدة مع امتلاء المطمر وتجاوزه قدرته الاستيعابية، وسط تحذيرات من إقفاله خلال فترة قصيرة. فهل من حل في لبنان؟ 

طبعاً... لا. وإن وُجدت الحلول، فهي أقرب إلى المهزلة، ونموذج معمل غوسطا في كسروان يختصر هذا الواقع. فبعدما عاد إلى الواجهة إثر مطالبات بإعادة تشغيله، تبيّن أن المفاجأة أكبر، إذ إن المعدات والآلات بيعت بالكامل خلال فترة التوقف!

لماذا توقّف المعمل؟
أُنشئ معمل غوسطا بعد أزمة النفايات التي عصفت بلبنان عام 2015، حيث أقدمت بلدية غوسطا عام 2016، بالتعاون مع شركة Phoenix Energy التابعة لمجموعة INDEVCO Group، المملوكة من النائب نعمة افرام، على التخطيط لإقامة معمل لمعالجة النفايات، بقدرة استيعابية تصل إلى نحو 150 طناً يومياً، على أن يتولى معالجة النفايات الصلبة بعد فرزها بين عضوية وغير عضوية، من دون اللجوء إلى الطمر. حينها قدّمت البلدية الأرض والتراخيص، فيما تولّت الشركة التمويل والتشغيل، بحسب رئيس بلدية غوسطا زياد الشلفون.

اختير موقع المعمل في منطقة تبعد نحو ثلاثة كيلومترات عن غوسطا وعجلتون، وبعيدة من المناطق السكنية. كان يُفترض أن يوفر نحو 50 فرصة عمل سنوياً، ولكن رغم الجهوزية التقنية، لم يُكتب للمشروع الاستمرار.

يوضح الشلفون في حديث إلى "النهار"، أن المعمل "عمل لمدة سنة واحدة فقط، ثم توقف بسبب عدم القدرة على تحصيل الأموال من البلديات. ويعود السبب إلى المرسوم الصادر بين عامي 1993 و1994، الذي يتيح لمجلس الإنماء والإعمار اقتطاع أموال مباشرة من حسابات البلديات في كسروان والمتن وبيروت والشوف، لدفع مستحقات شركات جمع النفايات المتعاقدة معه".

ويضيف: "عند تشغيله، بدأنا العمل مع البلديات، وأرسلنا كتاباً إلى مجلس الإنماء والإعمار ووزارة المال لوقف اقتطاع الأموال، باعتبار أن معمل غوسطا بات يعالج نفاياتها. ولكن في السنة نفسها، استمرّ الاقتطاع، فيما كنّا نحن نقوم بالمعالجة".

محاولات استثناء هذه البلديات من المرسوم لم تنجح، ما أدى إلى توقف المعمل. ويشير الشلفون إلى أنهم اقترحوا مشروع قانون معجّلا مكرّرا لمعالجة هذه الإشكالية، "لكن الرئيس سعد الحريري رأى آنذاك أنه لا يستدعي العجلة، فوُضع في الأدراج".

في هذا السياق، تؤكّد مصادر وزارة البيئة لـ"النهار" أن "المشكلة لم تكن في المعمل نفسه، بل في غياب الأموال. ولكن حالياً، التمويل متوافر، وقد أُنشئت هيئة لإدارة النفايات لتولي هذا الملف، إذ تعمل بالتعاون مع اتحاد بلديات كسروان والفتوح لإيجاد حل بديل مع اقتراب إقفال مطمر الجديدة، وذلك تفادياً لتراكم النفايات في الطرق والوديان، ولضمان وجود معملٍ جاهز لاستقبال نفايات كسروان".

ماذا يحدث اليوم؟
في حين تعوّل الدولة على ضرورة إعادة تشغيل المعمل، يكشف الشلفون أنه بعد توقفه "انسحبت البلدية من المشروع، وباعت الشركة المعدات بالكامل".
بالإضافة إلى ذلك، تضع البلدية شروطاً واضحة لإعادة التشغيل، أبرزها:
-إصدار مرسوم يسمح للبلديات باستيفاء رسم جمع النفايات من المواطنين والمؤسسات، وهو ما تحقق فعلاً، حيث بات يمكن البلديات تحصيل رسوم تراوح بين 3 و12 دولاراً.
-إلغاء مرسوم اقتطاع الأموال من البلديات.
-إصدار مرسوم يتيح الاستفادة من العوادم عبر تحويلها إلى energy pellets (حبوب طاقة) تُستخدم لإنتاج الكهرباء، ضمن نظام waste to energy (تحويل النفايات إلى طاقة)، المعتمد في الولايات المتحدة، مع اعتماد فلاتر للحد من الانبعاثات الكربونية.

إلى ذلك، يشدّد رئيس البلدية على أنه "لن يعاد تشغيل المعمل قبل صدور هذه المراسيم وتوفير مدخول مستدام، كي لا تتكرر التجربة السابقة وتقع البلدية في الخسارة مجدداً".

لكن "القصة مش على ذوقهم". هكذا تعلّق مصادر وزارة البيئة على المطالب، لافتةً إلى أنه "لا يمكن وضع شروط تعجيزية، كالمطالبة بوقف المطامر. فلا بدّ من وجود مطمر. وكسروان، كما فعلت الجديدة والمتن بتأمين مطمر لفترة طويلة، مطالبة بدورها بإيجاد حلّ لنفاياتها. التمويل موجود، إذ تقع كلفة الجمع والنقل على عاتق البلديات، فيما تتحمّل الدولة كلفة المعالجة والطمر".

وتعليقاً على استيفاء رسم جمع النفايات من المواطنين والمؤسسات، وهو ما صدر بالفعل في شهر كانون الثاني، عبر القانون رقم 38 على 2026 الذي أعطى البلديات حق استيفاء رسم خدمة النفايات، تشدّد المصادر على أنه "يُفترض أن تبادر البلديات إلى تطبيقه، إلا أنها لا تزال نائمة، وكما جرت العادة في بلديات بيروت وجبل لبنان التي اعتادت الاتكال على الدولة للقيام بكل شيء، ثم تعود للاعتراض على مسألة التمويل. فلتُحصّل الرسوم شهرياً من المواطنين، ولتؤمّن تغطية كلفة إدارة النفايات، سواء عبر جمعها مباشرة أو عبر التعاقد مع شركات متخصصة".

ويشمل ذلك استيفاء رسوم خدمة النفايات من الأفراد والمؤسسات، ومن المحال التجارية والمجمّعات التجارية والمصانع والجامعات والمستشفيات والمطاعم، وفق قانون مفصّل ينظّم هذه العملية.

في هذا الإطار، بدأت بعض البلديات فعلاً بتطبيق هذا النظام، مثل بلدية ضبيه، فيما لا تزال أخرى متقاعسة عن التنفيذ.

لا شكّ في أن الفساد المتراكم في لبنان لا يبدأ من القمة فحسب، بل هو متجذّر أيضاً في أبسط المستويات الإدارية. والقانون الذي منح البلديات مهلة ثلاثة أشهر لتنظيم آلية استيفاء الرسوم، يطرح اليوم سؤالاً بديهياً: ما مبرّر عدم التزام عدد من البلديات حتى الآن؟ وفي المقابل، هل اكتفت الدولة مجدداً بالحلول الموقتة والترقيعية؟ وهل يكفي أن تستوفي البلديات الرسوم من المواطنين لحلّ أزمة النفايات في لبنان؟ أو بالأحرى، هل يمكن تحميل هذا الإجراء وحده عبء ملف مزمن ومعقّد؟

التجارب السابقة لا توحي بذلك. فالدولة التي لجأت إلى فرض ضريبة الـ1% تحت عنوان تحسين رواتب العاملين في القطاع العام، هي أيضاً لم تلتزم المهلة، ولم تُعطِ العاملين حقّهم. فهل يتحوّل رسم النفايات بدوره إلى إجراء إضافي بلا نتائج فعلية؟

باميلا شاهين -  النهار
 

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا