إيران خرجت بخسائر كثيرة... لكنها ربحت ورقة استراتيجية كبرى
رغم أن الاتفاق بين الولايات المتحدة وإيران نجح في وقف القتال وفتح باب التفاوض حول الملف النووي والعقوبات، إلا أن تداعيات الحرب الأخيرة، وفق قراءة إسرائيلية، أفرزت معادلة جديدة قد تكون أكثر تأثيرًا على المدى الطويل. فالقضية لم تعد محصورة بالبرنامج النووي الإيراني، بل باتت مرتبطة بمضيق هرمز الذي تحول، في نظر طهران، إلى مصدر قوة استراتيجية قادر على التأثير في الاقتصاد العالمي وموازين القوى الإقليمية.
وبحسب تحليل للدكتور يوئيل غوجانسكي، الخبير في شؤون دول الخليج والباحث في معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي (INSS)، نشره موقع "N12"، فإن الاتفاق الذي وقع بين الولايات المتحدة وإيران يُنظر إليه على أنه نقطة تحول مهمة، بعدما أسهم في وقف إطلاق النار وخفض احتمالات اندلاع مواجهة جديدة، كما أوجد إطارًا لمعالجة الملفات العالقة، وفي مقدمتها البرنامج النووي الإيراني والعقوبات الأميركية.
لكن الكاتب يرى أن هذه ليست سوى "نصف الكأس الممتلئ"، لأن المشكلة الاستراتيجية الأهم التي أفرزتها الحرب لم تُحل بعد. فبينما عاد الجدل حول البرنامج النووي إلى طاولة المفاوضات، تحول مضيق هرمز إلى مركز قوة جديد لإيران وإلى بؤرة توتر مرشحة لمواصلة التأثير في المنطقة خلال السنوات المقبلة.
ويشير التحليل إلى أن إيران هددت طوال عقود بإغلاق مضيق هرمز في حال اندلاع حرب، وهو الممر البحري الذي تعبر عبره نسبة كبيرة من إمدادات النفط والغاز العالمية. إلا أن الحرب الأخيرة أظهرت، بحسب الكاتب، أن هذا التهديد لم يعد نظريًا، بعدما نجحت طهران في إظهار مدى حساسية الاقتصاد العالمي تجاه أي اضطراب في المنطقة.
وبحسب القراءة الإسرائيلية، فإن القدرة الإيرانية على تهديد حرية الملاحة تحولت إلى أصل استراتيجي بالغ القيمة، وربما أصبحت اليوم أهم ورقة قوة تمتلكها إيران.
ويرى الكاتب أن طهران، رغم الخسائر الاقتصادية والأمنية الكبيرة التي تكبدتها خلال الحرب، ما زالت تمتلك أداة تأثير لا تستطيع القوى الدولية تجاهلها. ففي ظل محدودية تفوقها العسكري التقليدي واستمرار العقوبات عليها، يمنحها التأثير على أهم مسار تجاري بحري في العالم قوة سياسية واقتصادية لا تملكها في مجالات أخرى.
ويضيف أن مضيق هرمز لم يعد مجرد ورقة تهديد ضمنية كما كان قبل الحرب، بل بدأت تظهر في إيران أصوات تدعو إلى تحويل السيطرة على المضيق إلى وسيلة دائمة للتأثير وربما إلى مصدر دخل اقتصادي مباشر.
ومن وجهة نظر النظام الإيراني، تبدو الفكرة مغرية بعد سنوات طويلة من الضغوط الاقتصادية، إذ يطرح البعض تساؤلًا حول سبب عدم استثمار موقع إيران الجديد في المعادلة الإقليمية.
ويتابع الكاتب أن المشكلة لا تقتصر على إمكانية فرض رسوم عبور أو قيود على حركة السفن بعد انتهاء مهلة الـ60 يومًا من المفاوضات، بل تتعلق أيضًا بإدراك جميع الأطراف للكلفة الباهظة لأي مواجهة مستقبلية في هذه المنطقة الحساسة.
ولا يقتصر هذا التحدي على إيران وحدها، إذ تواجه دول الخليج واقعًا جديدًا بدورها. فالسعودية والإمارات والكويت وقطر لا ترغب في حرب جديدة في المنطقة، لكنها في الوقت نفسه لا تستطيع القبول بوضع تمتلك فيه إيران القدرة على التأثير في الشريان الاقتصادي الرئيسي لهذه الدول.
ومن وجهة نظر هذه الدول، لا تقتصر المسألة على البعد الأمني فحسب، بل تمتد إلى الجوانب الاقتصادية والاستراتيجية، إذ إن أي تغيير في وضع المضيق قد ينعكس مباشرة على إيراداتها وعلى ثقة المستثمرين وعلى استقرار أسواق الطاقة.
أما الولايات المتحدة، فتجد نفسها أمام معضلة معقدة. فالاتفاق أنهى الحرب، لكنه لم يعالج التوتر الأساسي بين الرغبة في تجنب مواجهة جديدة وبين ضرورة الحفاظ على مبدأ حرية الملاحة.
ويشير التحليل إلى أن واشنطن لا تستطيع القبول بأن يتحول ممر بحري دولي إلى أداة ضغط بيد دولة واحدة، لكنها تدرك في الوقت نفسه أن أي محاولة لفرض حل عسكري قد تعيد المنطقة إلى دائرة الصراع مجددًا.
ولذلك، حتى لو شهد الملف النووي تقدمًا إيجابيًا، فإن قضية هرمز ستبقى، وفق الكاتب، عنصرًا ضاغطًا في العلاقات بين مختلف الأطراف.
ويخلص التحليل إلى أن الدرس الأهم للحرب الأخيرة يتمثل في أن الملف النووي لم يعد القضية الوحيدة التي تحدد العلاقة بين إيران والغرب، إذ تحول مضيق هرمز إلى مركز قوة استراتيجية قائم بذاته.
ويؤكد الكاتب أن الجغرافيا لا يمكن تغييرها، فطالما أن إيران تسيطر على الساحل الشرقي للمضيق، وطالما أن الاقتصاد العالمي يعتمد على المرور عبره، فإن هرمز سيبقى ساحة للتنافس والردع والصراع على النفوذ.
ومن هنا، يرى أن الوقت لا يزال مبكرًا للحديث عن استقرار دائم في الخليج بعد توقيع الاتفاق، لأن الحرب انتهت، لكن بؤرة الاحتكاك الأساسية التي أفرزتها ما زالت قائمة. فمضيق هرمز، بحسب هذه القراءة، لم يعد مجرد ممر مائي حيوي، بل أصبح أحد أهم عناصر التوازنات الإقليمية، فيما يبقى السؤال المطروح: كيف ستدير إيران ودول الخليج والولايات المتحدة الواقع الجديد الذي فرضته الحرب على هذا المضيق الاستراتيجي؟
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|