البرغماتية الإيرانية الفاضحة.. دماء في لبنان ومكاسب في واشنطن!
تُشير القراءة المتأنية للتحركات الدبلوماسية الإيرانية الأخيرة، وتحديداً التصريحات المتلاحقة لرئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف ووزير الخارجية عباس عراقجي، إلى تحول جوهري في العقيدة الأمنية لطهران. هذا التحول يمكن اختصاره بـ “تصدير المخاطر وتبادل الساحات”، حيث يبدو واضحاً أن الجمهورية الإسلامية تسعى بكل ثقلها لتأمين جبهتها الداخلية وتحييد أراضيها عن الصراع المباشر، في مقابل الإصرار على إبقاء الساحة اللبنانية خط الدفاع الأول والمنصة الرئيسية للمواجهة.
وفي هذا السياق، ترة مصادر حكومية عبر “صوت بيروت إنترناشونال”، أن الإصرار الإيراني المستمر على إقحام الملف اللبناني في تفاصيل المفاوضات الإيرانية-الأميركية ليس سلوكاً عفوياً أو تعبيراً عن حرصٍ أخوي، بل هو تكتيك براغماتي يهدف إلى ربط مصير الاستقرار في بيروت بحجم المكاسب التي يمكن لطهران تحصيلها في واشنطن. من خلال هذا التضمين الدائم لـ “جبهة لبنان” في كل تصريح رسمي، تبعث طهران برسالة واضحة للمجتمع الدولي مفادها: “مفتاح التهدئة في الجنوب اللبناني يمر عبر طهران، وثمنه يُدفع هناك”.
وتضيف المصادر، “هذه السياسة تؤكد أن المقاربة الإيرانية للبنان لا تنطلق من حسابات المصلحة الوطنية اللبنانية، أو الرغبة في تجنيب الشعب اللبناني ويلات الحروب والدمار الاقتصادي، بل تنطلق من رؤية متمحورة حول الذات الإيرانية. فالأولوية المطلقة اليوم هي حماية العمق الإيراني، وبنية النظام، ومكتسباته الاقتصادية والنووية، عبر استخدام الساحات الإقليمية كـ “وسادات أمان” تمتص الصدمات العسكرية بعيداً عن حدودها”.
وتشير المصادر ذاتها إلى أن جولات التصعيد الأخيرة أثبتت أن إيران باتت تفضل وبشكل حاسم تجنب المواجهة المباشرة من داخل أراضيها مع إسرائيل، لما يترتب على ذلك من أكلاف باهظة قد تهدد الاستقرار الداخلي. وبدلاً من ذلك، تعيد طهران إحياء وتثبيت وظيفة “حزب الله” كجبهة متقدمة للحرس الثوري الإيراني على حدود إسرائيل الشمالية.
وتعتبر أن استمرار هذا الدور يعني حكماً تحويل لبنان من دولة ذات سيادة إلى مجرد “منصة جغرافية” ومخزن للذخيرة، مما يحرمه من فرصة بناء اقتصاد مستقر أو نسج علاقات طبيعية مع المجتمعين العربي والدولي.
في ظل هذه المعادلة المعقدة، يصبح من الواضح أن أي حديث عن سلام مستدام، أو إعادة إعمار حقيقية، أو استعادة لمؤسسات الدولة اللبنانية، سيبقى قاصراً ما لم يُعالج أصل الأزمة وهو فوضى السلاح خارج إطار الدولة.
إن حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية ومؤسساتها الشرعية، وعلى رأسها الجيش اللبناني، ليس مجرد مطلب سياسي لطرف دون آخر، بل هو الممر الإلزامي والوحيد لإنهاء حالة “الحرب المفتوحة”. فالواقع التاريخي والسياسي يؤكد أن بقاء السلاح واستقلاليته عن القرار السيادي اللبناني يعني تلقائياً استمرار ارتباط هذا السلاح بالأجندة الإقليمية التي تُدار من طهران.
وطالما أن قرار السلم والحرب يقع خارج السراي الحكومي ومجلس النواب، فإن لبنان سيبقى عرضة لـ “توقيتات” صراعات الآخرين. إن رغبة إيران في إنهاء حربها وحماية نفسها، مع الإصرار على إبقاء الفتيل مشتعلاً في جنوب لبنان، تكشف زيف شعارات “وحدة الساحات” عندما تتعارض مع مصالح “المركز” في طهران. ومن هنا، فإن إنقاذ لبنان يبدأ من قرار شجاع يستعيد قرار الحرب والسلم إلى الدستور والشرعية اللبنانية، ليكون لبنان وطناً لأبنائه، لا ساحة لصراعات الآخرين.
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|