رسائل بتوقيع إسرائيلي في بيروت وطهران... وإشارة إيرانية لعون
لبنان على مسافة أيام من وقف إطلاق النار. في المقابل، هناك وجهة نظر مناقضة تماماً تعتبر أن لبنان على مسافة أيام من جولة تصعيد أوسع. ما عزز من هذا الانطباع التوغل الإسرائيلي باتجاه مدينة النبطية والغارة التي استهدفت الضاحية الجنوبية لبيروت أمس، وزرعت شكوكاً على أعتاب التفاوض بأن تل أبيب لا تريد وقف الحرب، وإنما تعمل على استدراج طهران مرة أخرى إلى رد فعل مدفوعة بجموح حربي واضح، يقابله رد فعل من جانبها، قد لا يطيح بالاتفاق المحتمل بين الولايات المتحدة وإيران، لكنه في الحد الأدنى يؤثر سلباً عليه.
بهذا المعنى لا تستبعد الأدوار الأميركية في كل ما يتم رسمه. كذلك، فإن الحرب أو التصعيد ليسا مرتبطين فقط باحتمال قصف شمال "إسرائيل" أو الرد عليه في الضاحية أو العكس، بل يرتبطان بشكل مباشر بسياقات التقدم البري الإسرائيلي وتطويق المدن الكبرى والرغبة في استمرار الحرب على حزب الله، وفرض أمر واقع ليس على المقاومة فحسب، بل على الدولة أيضاً.
لذا، ثمة قناعة داخلية مفادها أن ما تقوم به إسرائيل في الجنوب هو فعل مبرمج يستهدف الجميع، المقاومة والدولة، وأن ذلك يحتاج إلى تضافر الجهود لوقف إسرائيل عند حدها بأي طريقة. وعندما نقول الدولة، فإن ذلك يعني أن الحكم ببساطة يعد مستهدفاً من جراء عدوان الضاحية. أولاً، لأن أتى متزامناً مع موقف لرئيس الجمهورية جوزاف عون الذي عبر عن رفضه لأن يقرأ "إعلان واشنطن للمبادئ" إسرائيلياً على أنه تفويض لبناني بحرية الحركة، بل أتى معترفاً بحق متبادل في الدفاع عن النفس. وثانياً، لأن إسرائيل ترد على هذا المنطق بالنار. وثالثاً، لأن إسرائيل تلمس تغييراً لبنانياً في المقاربات التفاوضية، في الحد الأدنى سياسياً. ورابعاً، لأن ما نمي إلى بيروت خلال الساعات الماضية قارب حد التأكيد بأن وقف إطلاق النار حاصل، وسيكون إعلانه متبادلاً بين الإيرانيين والأميركيين، على أن يستكمل الحكم في لبنان الشق المتعلق بالتثبيت.
عملياً، ثمة قناعة بأن العسكرة لم يعد في مقدورها وحدها ردع إسرائيل. لذلك اختار الجميع التوجه نحو مسارات خارجية: المقاومة وحليفها الموثوق رئيس مجلس النواب نبيه بري اتخذا لأنفسهما مسار إسلام آباد، حيث يتم وضع بري في صورة تطوراته بشكل لحظوي، فيما اختار رئيسا الجمهورية والحكومة مسار واشنطن. لكن العقدة أن أحداً لا يضمن وقف إسرائيل عن تمددها جنوباً، وليس فقط إنهاء احتلالها أو انسحابها.
وفي ظل الحديث عن قرب التوصل إلى اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران لوقف الحرب بينهما، نشطت الاتصالات السياسية في الداخل، ولا سيما خلال عطلة نهاية الأسبوع المنصرم، في محاولة حقيقية لاستفادة لبنان من أي من المسارين لوقف الجموح الإسرائيلي. وهي قاعدة دفعت رئيس الحكومة إلى التراجع عن تصريحاته السابقة والقبول بتأثيرات أي اتفاق يحصل في إسلام آباد على الوضع اللبناني. كما زادت وتيرة الاتصالات، ولا سيما بعد استهداف الضاحية الجنوبية أمس، رداً على مزاعم إسرائيلية باستخدام حزب الله مستعمرات الشمال، وهو أداء يرتقي إلى محاولة الحرتقة على أي اتفاق مزمع بين إيران والولايات المتحدة.
وخلال الأسبوع الماضي، سربت معلومات عن عقد لقاء لم يعلن عنه في السفارة الإيرانية في بيروت ضم ممثلين عن حزب الله وحركة أمل مع السفير الإيراني محمد رضا شيباني، ضم الوزير السابق محمد فنيش والدكتور أحمد مهنا (عن حزب الله)، والنائب علي حسن خليل (عن حركة أمل). وفُهم أن النقاشات تمحورت حول مدى تأثير مسار إسلام آباد على الوضع اللبناني. وجددت إيران تأكيدها أنها لن توقع اتفاقاً لا يشمل بنداً يتعلق بوقف الحرب في لبنان.
كما تناول المجتمعون جهود الحوار الداخلي اللبناني الذي يحصل بعيداً عن الإعلام، ولا سيما بين حزب الله ورئيس الجمهورية جوزاف عون. وعلمت «المدن» أن تواصلاً لمرات عدة حصل بين ممثلين عن حزب الله، من بينهم النائب حسن فضل الله، ومستشار رئيس الجمهورية العميد المتقاعد أندريه رحال، برعاية وسيط أمني.
وأبدى الإيرانيون استعدادهم لدفع هذا المسار قدماً من خلال تخفيف الاحتقان مع رئيس الجمهورية. واقتراناً للقول بالفعل، حصل تواصل مباشر بين السفير الإيراني في بيروت والعميد رحال. وكما فُهم، أبدى السفير الإيراني حرصه على العلاقات الثنائية بين لبنان وإيران، وحمل رسالة إلى رئيس الجمهورية مفادها أن طهران تحترم لبنان وسيادته، وإن مسار إسلام آباد لا يتناقض مع مساعي لبنان لوقف إطلاق النار، بل يأتي مكملاً لها. واتفق الجانبان على إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة بينهما، ما يسقط ما تم ترويجه حول احتمال قطع العلاقات الدبلوماسية بين بيروت وطهران.
وتؤكد المعطيات الراهنة أن بيروت وطهران تخطتا "أزمة" تعيين السفير الإيراني في بيروت ثم اعتباره غير مرغوب فيه، وتتجهان إلى إيجاد مخرج للأزمة.
إثر هذا التواصل الإيراني وما تركه من مفاعيل، أُسديت نصيحة إلى حزب الله بالإبقاء على شعرة معاوية مع رئيس سيبقى في موقعه أربع سنوات إضافية. وفُهم أن الحزب، الذي يبتغي عدم ترك الحكم يركن بالكامل إلى مسار المفاوضات، بات يدرك أن إسرائيل ستبقى تماطل، وأنها ليست مستعدة لتوقيع أي تفاهمات أو اتفاقات مع لبنان، وهو ما باتت رئاسة الجمهورية في صورته إلى حد ما.
لذلك، لا يعول كثيرون الآن على جلسة الثاني والعشرين من الجاري، وهي الجولة المباشرة المقبلة بين الوفدين اللبناني والإسرائيلي في واشنطن. فبعيداً عن التعب الذي بات ينتاب الوفد اللبناني من السفر الطويل والمتكرر من وإلى واشنطن، والذي لا يترك لأفراده مجالاً للراحة، هناك من يعتقد أن هذا الأسلوب مقصود لإنهاك الفريق اللبناني وإرباكه، وأنه نوع من المماطلة الإسرائيلية التي تعامل معها اللبنانيون بطلب موجّه إلى واشنطن للإسراع في الآلية. بمعنى الدفع نحو لقاءات مفتوحة ولعدة أيام تثمر اتفاقات محددة حول ما يسمى «آلية واشنطن».
عبد الله قمح -المدن
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|