باسيل: لا يخبرنا أحد أنّ إسرائيل لا أطماع توسّعية في لبنان وإيران لن تساوم بخسارة ورقة حزب الله
المسودة المفقودة.. لغز صمت الوسطاء يشعل الأزمة مجدداً بين واشنطن وطهران
وضعت حرب التكذيب والتسريبات المتبادلة بين البيت الأبيض وطهران جهود التهدئة بين الجانبين على المحك، بعد أن تحولت بنود ما تم الاتفاق عليه في مذكرة التفاهم إلى مواجهة علنية كشفت عن عمق التباين في حسابات الطرفين.
وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فجّر جولة جديدة من الصدام بهجوم حاد وجهه عبر منصات التواصل الاجتماعي، واصفاً البيانات الصادرة من العاصمة الإيرانية بالضعيفة والعارية تماماً عن الصحة. كما أكدا أن الشروط المسرّبة في الإعلام لا صلة لها بالوثيقة المكتوبة والمتفق عليها، وسط اتهامات صريحة للمفاوض الإيراني بافتقاد النزاهة والتعامل بسوء نية.
وفي المقابل، تمسكت الماكينة الإعلامية الإيرانية بروايتها التي تروج لانتصار سياسي محلي، مستندة إلى بنود تزعم انتزاع اعتراف أمريكي كامل بحق التخصيب والرفع الفوري للعقوبات، وهو ما وضع الوسطاء الدوليين تحت ضغوط متزايدة لنشر النص الحقيقي وحسم هذا الجدل المشتعل.
ويرى خبراء، أن هذا الصدام في التصريحات لا يعكس بالضرورة انهيار المفاوضات، بل يمثل الواجهة العلنية لما يُعرف في العلوم السياسية بتكتيكات "حافة الهاوية" وحرب الأعصاب الهادفة لرفع السقوف التفاوضية.
ويوضح الخبراء، أن ما تم التوصل إليه حتى الآن عبر الوسطاء ليس اتفاقا نهائيا، وإنما هو مسودة إطار عمل أولي يُعرف بـ "إعلان إسلام آباد" أو "مذكرة التفاهم المؤقتة"، والتي تهدف لرسم معالم تهدئة مدتها 60 يوماً قابلة للتمديد.
كما أكدوا أن هذا التباين في التفسيرات ينعكس على الأهداف السياسية الداخلية لكلا الطرفين؛ فالرئيس الأمريكي المطالب من مشرعي الكونغرس والداخل الحزبي بعدم تقديم تنازلات مجانية، يسعى لفرض صيغة صارمة تؤدي في النهاية لتفكيك البرنامج النووي الإيراني بالكامل كشرط للسلام المستدام.
من جهتها، تجد القيادة في طهران نفسها مدفوعة بضرورة طمأنة الحرس الثوري والتيارات المحافظة بأن صمودها العسكري والاقتصادي قد آتى أكله، عبر ترويج سردية إعلامية تفيد بأن واشنطن رضخت للمطالب الإيرانية وبدأت برفع الحصار الاقتصادي الفوري دون مساس بالقدرات النووية أو السيادة على المياه الإقليمية.
ويجعل هذا التجاذب الداخلي من وسائل الإعلام ساحة بديلة لتسريب صياغات مجتزأة ومعدلة باللغتين الفارسية والإنجليزية لقياس ردود أفعال الحلفاء الإقليميين، وتهيئة الشارع المحلي للتنازلات الحتمية القادمة.
وفي خضم هذه السوابق المتكررة التي يكذب فيها الطرفان بعضهما البعض، يتصاعد التساؤل حول مبررات إحجام الوسطاء الدوليين عن نشر النصوص المبدئية تحقيقاً لمبدأ الشفافية وحسماً للجدل المشتعل بين الجانبين.
وفي هذا السياق، يؤكد المحلل السياسي جبران سليم الدُرّة، أن مطالبة الوسطاء بتبني الشفافية في هذه المرحلة تعكس عدم إدراك للقواعد الصارمة التي تحكم التفاوض الدولي، حيث يمثل الصمت والمحافظة على السرية المطلقة القيمة الأساسية وحجر الزاوية لأي وسيط يبتغي إنجاح مهمته.
ويرى الدُرّة، أن نشر المسودات غير النهائية في مرحلة المخاض الدبلوماسي يعد بمثابة رصاصة الرحمة على جهود السلام، إذ يؤدي فوراً إلى تدمير ما يسمى في الأعراف السياسية بـ "المساحة المعزولة الآمنة" التي تتيح للمفاوضين تبادل التنازلات بمرونة بعيداً عن المزايدات الحزبية وضغوط الرأي العام الذي قد يفسر التنازل المؤقت كصك استسلام.
علاوة على ذلك، يشير المحلل الدُرّة، إلى أن إقدام دولة وسيطة مثل باكستان على كشف مضامين الأوراق المتداولة دون موافقة جماعية مكتوبة، سيعتبره أحد الطرفين انحيازاً صريحاً وخرقاً فاضحاً لمواثيق الثقة والأمان، الأمر الذي يدفع فوراً لسحب الوفود وانهيار قنوات الاتصال المشفرة.
من جابنه، يشير المحلل السياسي سليمان الطويل، إلى أن المسودات التفاوضية هي أوراق عمل ديناميكية شديدة الحساسية تتغير حروفها وبنودها مع كل جولة حوار، وإن إتاحتها للعلن وهي غير مكتملة قانوناً، سيتسبب في إرباك مسيرة التفاوض.
وتأسيساً على هذه القواعد يؤكد الطويل، أن الشفافية السياسية والعلنية تظل مطلباً مشروعاً في القانون الدولي، لكن توقيتها المهني يبدأ فقط عقب إتمام الصياغات القانونية النهائية، وتوقيعها رسمياً من قادة الدول أو نوابهم المفوضين، لتدخل بعد ذلك حيز المصادقة البرلمانية وتصبح وثيقة عامة متاحة للرقابة الشعبية.
ويخلص الطويل، إلى أن ما نشهده اليوم من حرب تكذيب وتسريبات بين ترمب وطهران، ما هو إلا القشرة الخارجية لعملية مساومة استراتيجية شاقة ومعقدة تجري خلف الستار، ويظل صمت الوسطاء المطبق والملتزم بالسرية هو الخط الدفاعي الأخير والضمانة الوحيدة لمنع انزلاق المنطقة نحو مواجهة عسكرية شاملة.
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|