محليات

جوزيف عون يتكلّم... حين تصبح الحقيقة فعلَ شجاعةٍ وسيادة

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

كتب الكاتب السياسي فرنسوا الجردي:

في لحظاتٍ مفصلية من تاريخ الأمم، لا تُقاس قيمة المسؤولين بعدد الخطابات التي يلقونها، بل بقدرتهم على قول الحقيقة عندما يصبح ثمنها مرتفعاً، وباستعدادهم لتحمّل الحملات والضغوط عندما تتعارض مصالح الدولة مع مصالح القوى التي اعتادت احتكار القرار الوطني.

من هنا، تكتسب المواقف التي أطلقها رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون في مقابلته مع شبكة CNN أهميةً استثنائية، ليس فقط لأنها صدرت عن رئيس للجمهورية، بل لأنها كسرت حالة التردد والمسايرة التي طبعت الحياة السياسية اللبنانية لعقود طويلة، وأعادت إلى موقع الرئاسة لغة الدولة التي غابت طويلاً خلف ضجيج المحاور الإقليمية والحسابات الفئوية الضيقة.

لقد اختار الرئيس عون أن يسمّي الأمور بأسمائها، وأن يضع مصلحة لبنان فوق كل اعتبار، عندما رفض أي تدخل خارجي في الشؤون اللبنانية، وأكد أن الدولة اللبنانية وحدها صاحبة الحق في تقرير مصيرها ومستقبلها. وهذا الموقف لا يُفترض أن يكون موضع جدل في دولة مستقلة، لكنه في لبنان تحوّل إلى موقف شجاع واستثنائي بسبب سنوات طويلة من هيمنة المشاريع الخارجية على القرار الوطني.

قول الحقيقة ليس خيانة

منذ سنوات، يدفع اللبنانيون أثمان الصراعات الإقليمية التي فُرضت على وطنهم. فانهارت المؤسسات، وتراجعت الدولة، وتدهور الاقتصاد، وهاجر الشباب، وخسر اللبنانيون جزءاً كبيراً من استقرارهم ومستقبلهم.

وعندما يشير رئيس الجمهورية إلى مسؤولية السياسات الإقليمية والتدخلات الخارجية في الوصول إلى هذا الواقع، فهو لا يمارس التحريض ولا يستهدف أي مكوّن لبناني، بل يعبّر عن حقيقة سياسية باتت واضحة أمام معظم اللبنانيين وأمام المجتمع الدولي بأسره.

إن الاعتراف بالأخطاء ليس استهدافاً لأحد، بل هو الخطوة الأولى نحو التصحيح. أما الاستمرار في إنكار الوقائع ومحاولة تحميل المسؤوليات للآخرين، فلن يؤدي إلا إلى المزيد من الانهيار والعزلة.

دولة لا ساحة

تكمن أهمية خطاب الرئيس جوزيف عون في أنه أعاد طرح السؤال الجوهري: هل نريد لبنان دولة مستقلة ذات سيادة كاملة، أم ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية؟

لقد أثبتت التجارب أن تحويل لبنان إلى منصة لخدمة مشاريع خارجية لم يحقق أي انتصار للبنانيين، بل أنتج أزمات متتالية وحروباً وخسائر بشرية واقتصادية هائلة.

ومن هنا، فإن دعوة الرئيس إلى استعادة القرار الوطني الحر ليست موقفاً حزبياً أو فئوياً، بل هي جوهر فكرة الدولة اللبنانية نفسها. فلا دولة تستطيع النهوض إذا كان قرار الحرب والسلم خارج مؤسساتها الشرعية، ولا اقتصاد يمكن أن يزدهر في ظل عدم الاستقرار الدائم، ولا استثمار يمكن أن يأتي إلى بلد يعيش على إيقاع التهديدات والصراعات المفتوحة.

إنهاء العداء الدائم ليس استسلاماً

أما ما يتعلق بحديث الرئيس عن ضرورة إنهاء حالة العداء المستمرة التي استنزفت لبنان لعقود، فهو موقف واقعي ومسؤول يستحق النقاش الهادئ بعيداً عن الشعارات والانفعالات.

فالسياسة ليست إدارة للمشاعر، بل إدارة للمصالح الوطنية. واللبنانيون الذين دفعوا أثمان الحروب المتكررة يملكون الحق في التساؤل عن جدوى استمرار الأوضاع التي جعلت بلدهم رهينة التوتر الدائم والخوف المستمر من الانفجار العسكري.

إن البحث عن الاستقرار وحماية لبنان وتجنيب شعبه المآسي ليس خيانة، كما يحاول البعض تصويره، بل هو من صميم المسؤولية الوطنية. فالوطني الحقيقي هو الذي يحمي شعبه ودولته ومستقبل أبنائه، لا الذي يزجهم في معارك لا تنتهي.

حملة التشكيك... دفاع عن النفوذ لا عن الوطن

لم يكن مفاجئاً أن تواجه مواقف الرئيس عون حملة تشكيك واتهامات من القوى المرتبطة بالمحور الإيراني، لأن أي مشروع لبناء دولة قوية وسيادية يشكل بطبيعته تحدياً لمن اعتادوا الاستفادة من ضعف الدولة ومن ازدواجية السلطة والقرار.

لكن اللافت أن بعض هذه القوى لا تزال تتعامل مع أي دعوة للسيادة وكأنها استهداف لطائفة معينة، فيما الحقيقة أن الدولة القوية والعادلة هي الضمانة الوحيدة لجميع اللبنانيين من دون استثناء.

فالسيادة ليست مشروعاً ضد طائفة، وحصرية السلاح ليست مشروعاً ضد فئة، واستعادة الدولة ليست مشروعاً انتقامياً ضد أحد. بل هي شروط أساسية لبقاء لبنان نفسه.

إن محاولة تخوين كل من يطالب بالدولة لم تعد تقنع غالبية اللبنانيين الذين خبروا نتائج السياسات السابقة ورأوا بأعينهم حجم الكلفة التي دفعتها البلاد.

رئيس يتقدم حيث تراجع الآخرون

ما يميّز الرئيس جوزيف عون اليوم أنه اختار التقدم إلى الأمام في وقت فضّل فيه كثيرون الصمت أو المسايرة. وقد يكون الطريق الذي يسلكه صعباً ومليئاً بالضغوط والعراقيل، لكن التاريخ غالباً ما ينصف الذين امتلكوا شجاعة اتخاذ المواقف الصعبة عندما كان الآخرون يهربون منها.

إن لبنان يحتاج اليوم إلى خطاب الدولة لا خطاب المحاور، وإلى منطق المؤسسات لا منطق الدويلات، وإلى مشروع وطني جامع لا مشاريع خارجية متنافسة على أرضه.

ولهذا، فإن مواقف الرئيس جوزيف عون الأخيرة لا يمكن قراءتها كتصريحات عابرة في مقابلة إعلامية، بل كإعلان سياسي واضح عن هوية المرحلة المقبلة: مرحلة استعادة الدولة اللبنانية لقرارها وسيادتها ومكانتها.

ويبقى الأمل أن يترجم هذا الخطاب إلى خطوات عملية متتالية تؤدي إلى قيام دولة واحدة، وسلطة واحدة، وجيش واحد، وقرار واحد، لأن مستقبل لبنان لا يمكن أن يُبنى إلا على هذه القواعد، مهما ارتفعت أصوات المشككين والمهاجمين والمستفيدين من استمرار الواقع القائم.

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا