"الاتفاق حمل بذور فشله منذ البداية"... تحذير من مرحلة بالغة الدقة والحساسية تستدعي حواراً!
في تطور سياسي لافت، شكّل الاتفاق اللبناني ـ الإسرائيلي المقترح مساحة للتباين الداخلي، بعدما حظي بترحيب من رئيس الجمهورية الذي اعتبره فرصة أخيرة، في حين قوبل برفض من حزب الله الذي رأى فيه استسلامًا ومحاولة لإبادة المقاومة، فيما وصفه رئيس مجلس النواب نبيه بري بالهجين والمفخخ.
وفي هذا السياق، قدّم الكاتب والمحلل السياسي طارق ترشيشي قراءة شاملة للمشهد الراهن، متناولًا طبيعة الاتفاق المطروح، وانعكاساته المحتملة على الواقع اللبناني، ودور الأطراف الإقليمية والدولية في مسار الأحداث، إضافة إلى مقاربته لملفات الحوار الداخلي والسلاح والتطورات الميدانية على الجبهة اللبنانية.
رأى الكاتب والمحلل السياسي طارق ترشيشي لـ"ليبانون ديبايت" أن الاتفاق المطروح لا يبدو قابلًا للتنفيذ بسهولة، معتبرًا أن المشكلة الأساسية تكمن في مضمونه الذي يخلو، بحسب قراءته، من أي التزامات إسرائيلية واضحة، سواء على مستوى الانسحاب أو وقف إطلاق النار، ما يجعله اتفاقًا يحمل في داخله عوامل تعثره وفشله منذ البداية.
وأشار إلى أن وصف الاتفاق بأنه "الفرصة الأخيرة" قد يستند إلى معطيات خاصة لدى رئيس الجمهورية، وربما إلى معلومات تتعلق بخطط أميركية وإسرائيلية يجري العمل عليها في المرحلة المقبلة، موضحًا أن الاتفاق، بصيغته الحالية، يصعب أن يحظى بقبول حزب الله وحلفائه، لأنه ينطلق من مقاربة تعتبر الحزب أصل المشكلة في لبنان والعقبة الأساسية أمام أي تسوية، وهو ما عبّر عنه، بحسب ترشيشي، وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في أكثر من موقف.
وأضاف أن طريقة التعاطي الأميركية مع الملف اللبناني توحي بأن واشنطن تتبنى هذه المقاربة، الأمر الذي يجعل تنفيذ الاتفاق شبه مستحيل من وجهة نظره، وأن تحميل حزب الله مسؤولية الأزمة قد يكون تمهيدًا لاتهامه لاحقًا بإفشال الاتفاق، ومن ثم الانتقال إلى خيارات أخرى، من بينها استمرار الخيار العسكري تحت شعار إزالة العقبات التي تحول دون تنفيذه.
ولم يستبعد ترشيشي أن تتواصل العمليات العسكرية الإسرائيلية، معتبرًا أن الجهات التي وضعت الاتفاق تدرك جيدًا أنه غير متوازن ويصب بصورة أساسية في مصلحتها، ما يطرح تساؤلات جدية حول إمكانية قبول الطرف الآخر به. ورأى أن الحديث عن "الفرصة الأخيرة" لا يعني بالضرورة التلويح بحرب أهلية، بل قد يعكس خشية من أن يكون البديل عن فشل الاتفاق تصعيدًا إسرائيليًا إضافيًا أو اللجوء إلى خيارات أخرى أكثر حدة.
وفي المقابل، أشار إلى أن فرص الانفراج قد ترتفع في حال التوصل إلى تفاهم أميركي ـ إيراني يتناول ملفات المنطقة، ومنها لبنان، لافتًا إلى أن الأميركيين والإسرائيليين حاولوا من خلال الاتفاق الفصل بين المسار اللبناني والمسار الإيراني، مستفيدين من رغبة الدولة اللبنانية في تحييد البلاد عن الصراعات الإقليمية، إلا أن هذا التوجه اصطدم بإعلان إيران أنها لن تقف مكتوفة الأيدي في حال استمرار التصعيد الإسرائيلي ضد لبنان.
واعتبر أن الموقف الإيراني ساهم في تجميد بعض الخطوات التصعيدية، ودفع الأميركيين إلى إدراك أن أي معالجة جدية للوضع اللبناني لا يمكن أن تتم من دون أخذ طهران في الاعتبار، وكشف أن ملف وقف الحرب على الجبهة اللبنانية بات يحتل بندًا أول بعد أن كان خامسًا ثم ثالثاً في لائحة الشروط أو الورقة الإيرانية في المفاوضات مع الولايات المتحدة الأميركية.
ورأى أن الدولة اللبنانية تستطيع الاستفادة من الضغط الذي تمارسه إيران باتجاه وقف الحرب، شرط ألا يُفهم ذلك على أنه تفويض لطهران بالتفاوض نيابة عن لبنان، لا سيما أن الإيرانيين يؤكدون أنهم لا يسعون إلى التفاوض عن لبنان، بل إلى المساعدة في وقف الحرب، على أن يتولى اللبنانيون بأنفسهم إدارة شؤونهم السياسية والتفاوض بشأن قضاياهم الوطنية.
وفي الشأن الداخلي، شدد ترشيشي على أن المرحلة الحالية بالغة الدقة والحساسية، ما يستدعي إطلاق حوار جدي وحقيقي بين السلطة اللبنانية وحزب الله وبين مختلف المكونات السياسية، بهدف بناء موقف وطني موحد في مواجهة التحديات الخارجية.
وأشار إلى أن موضوع السلاح لا ينبغي التعامل معه من زاوية الصدام الداخلي، بل من خلال الآليات التي سبق الاتفاق عليها، وفي مقدمتها استراتيجية الأمن الوطني أو الاستراتيجية الدفاعية التي وردت أساسًا في البيان الوزاري للحكومة، مشيرًا إلى أن المطلوب اليوم هو العودة إلى الحوار القائم أصلًا بين رئاسة الجمهورية وحزب الله، وكذلك مع رئيس مجلس النواب، بدل دفع البلاد نحو مزيد من الانقسامات حول هذا الملف.
وأكد أن من الممكن الفصل بين مسألة حصرية السلاح بيد الدولة وبين مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية، معتبرًا أن ما تقوم به إسرائيل يتجاوز في حقيقته مسألة سلاح حزب الله، وقال إن تل أبيب تستخدم هذا الملف ذريعة لتبرير أهداف أوسع ترتبط بمشاريعها التوسعية، مشيرًا إلى ما وصفه بمشروع "إسرائيل الكبرى" الذي أعلن عنه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
وأضاف أن إسرائيل تسعى إلى تحقيق هدف نزع سلاح حزب الله بوسائل أخرى بعدما فشلت، بحسب رأيه، في تحقيق ذلك من خلال الحرب والتصعيد العسكري والتدمير الواسع، ومن بين هذه الوسائل محاولة دفع اللبنانيين نحو فتنة داخلية وصدامات داخلية تحقق لها ما عجزت عنه العمليات العسكرية.
وتابع أن الوقائع الميدانية لا تدعم الرواية الإسرائيلية القائلة إن هدفها ينحصر بسلاح حزب الله، فإذا كانت لا تسعى إلى احتلال لبنان، يتساءل ترشيشي، فما الذي يفسر التدمير الممنهج للقرى والبلدات والمنازل والبنى التحتية؟ معتبرًا أن هذا الواقع يؤدي عمليًا إلى تفريغ مناطق واسعة من سكانها وإحداث تغييرات ديموغرافية فيها، ما يثير تساؤلات حول الأهداف الحقيقية الكامنة خلف هذه السياسة.
وفي ما يتعلق بالاتفاقات المطروحة، أكد أن أي تفاوض جدي بين طرفين متحاربين يفترض أن يبدأ بوقف إطلاق النار، مشيرًا إلى أن المقاومة التزمت بذلك، فيما لم تلتزم إسرائيل بأي اتفاق لوقف إطلاق النار منذ عام 2024 حتى اليوم، الأمر الذي يطرح علامات استفهام حول حقيقة نياتها ومدى جديتها في الوصول إلى تسوية فعلية.
وفي الشأن الداخلي والخوف من الانزلاق نحو فتنة، شدد ترشيشي على أن مختلف القوى اللبنانية، رغم تبايناتها السياسية، لا تبدو راغبة في الانزلاق نحو فتنة داخلية، مثنيًا على مواقف قيادة الجيش اللبناني التي وصفها بالحكيمة والعاقلة والمدركة لحساسية المرحلة، مؤكدًا أن المؤسسة العسكرية تدرك حجم المخاطر التي قد تترتب على أي انخراط في صراعات داخلية، وأنها لا تزال تشكل الضامن الأساسي للسلم الأهلي والاستقرار الوطني، ليس فقط بقدراتها، بل أيضًا بتمسكها بدورها الوطني وحرصها على تجنيب البلاد الانزلاق إلى صراعات تهدد وحدتها واستقرارها.
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|