محليات

الجنوب ينزف زراعياً وبيئياً… الحرب تدمّر الزراعة وتهدّد الأمن الغذائي

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

لم يكد أبناء الجنوب يلملمون جراحهم بعد حرب 2024 التي خلّفت دماراً واسعاً في الأراضي الزراعية، ويباشرون إعادة إحياء حقولهم واستصلاح أراضيهم المتضرّرة، حتى عاد شبح الحرب ليخيّم مجدداً على المنطقة، مهدّداً ما تبقّى من القطاع الزراعي. فقد تحوّلت مساحات واسعة من الأراضي الزراعية إلى ساحات مواجهة، تعرّضت خلالها للتجريف أو للقصف بالقذائف الفوسفورية، ما ألحق أضراراً جسيمة بالمزروعات والأشجار المثمرة والبنية الزراعية بصورة عامة.

ولم تقتصر تداعيات هذه الأضرار على المزارعين وحدهم، بل امتدّت لتطال الأمن الغذائي، في ظل تراجع الإنتاج الزراعي وخسارة مواسم كاملة كانت تشكّل مصدر رزق لآلاف العائلات.
يشرح مصطفى رعد، منسق الإعلام والتواصل في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في بيروت، عبر “لبنان الكبير”، أن “حجم الأضرار التي لحقت بالقطاع الزراعي في لبنان، ولا سيما في الجنوب، يفوق التقديرات الأولية، نظراً لاستمرار الاعتداءات الإسرائيلية”، مشيراً إلى أن مساحة الأراضي الزراعية المتضررة على جميع الأراضي اللبنانية تجاوزت 56 ألف هكتار، وفق التقرير الأخير الصادر عن وزارة الزراعة، فيما تتركّز نسبة كبيرة من هذه الأضرار في الجنوب، حيث تتراوح المساحات المتضررة بين 17 و18 ألف هكتار.

ويلفت رعد إلى أن “أشجار الزيتون تُعدّ من أكثر المزروعات تضرراً إلى جانب الحمضيات والموز”، موضحاً أن الأضرار طالت نحو 18,406 هكتارات من أشجار الزيتون في لبنان، منها 17,871 هكتاراً في الجنوب وحده، فضلاً عن تضرّر 8,460 هكتاراً من الحمضيات واحتراق نحو 2,154 هكتاراً من البساتين خلال حرب عام 2024، وفق أرقام وزارة الزراعة.

ويؤكد أن “الاعتداءات الإسرائيلية بالفوسفور الأبيض فاقمت حجم الكارثة الزراعية والبيئية، إذ تبقى نسبة تقارب 10% من هذه المادة في التربة والمياه لفترات طويلة، ما يؤدي إلى تلوثها وتدهور خصائصها الزراعية. كما أن بقايا الفوسفور الأبيض قد تعاود الاشتعال عند تعرضها للأوكسجين، الأمر الذي يجعل خطرها مستمراً حتى بعد انتهاء العمليات العسكرية”، مضيفاً أن “التربة المتضررة تحتاج إلى سنوات طويلة لاستعادة خصوبتها، مستشهداً بنموذج بلدة كوكبا التي احتاجت أراضيها ما بين سبع وثماني سنوات بعد حرب تموز 2006 حتى استعادت أشجار الزيتون قدرتها الطبيعية على الإنتاج”.

ويشير رعد إلى أن “الدراسات المتوافرة حتى الآن لا تعكس الحجم الكامل للأضرار، بسبب صعوبة الوصول إلى العديد من المناطق خلال الحرب”، موضحاً أن نحو 134 عينة تربة أُخذت من مناطق مختلفة وأظهرت نتائجها الأولية آثاراً سلبية متقدمة للقصف والاستهداف المباشر للأراضي الزراعية.

ويعتبر أن “ما شهدته المناطق الحدودية يرقى إلى مستوى «الإبادة البيئية»، إذ لم يقتصر الاستهداف على المزروعات والبنى الزراعية، بل طال البيئة الطبيعية ومقومات الحياة الأساسية للسكان”. ويضيف أن “أشجار الزيتون المعمّرة كانت من أبرز ضحايا الحرب، حيث جرى اقتلاع وتدمير أشجار يتجاوز عمر بعضها 300 و400 عام، فيما يصل عمر بعضها الآخر إلى نحو ألف سنة”.
كما يلفت إلى أن “بلدة كفركلا تُعدّ من أكثر البلدات تضرراً، بعدما شهدت تدميراً واسعاً لمعالمها الجغرافية والبيئية، بما في ذلك الأشجار والمساحات الخضراء والمعالم الطبيعية التي شكّلت جزءاً من هويتها الزراعية والبيئية، وحالها حال القرى الحدودية الأخرى التي عمل العدو الإسرائيلي على رش المبيدات فيها وتدمير الغطاء النباتي ومحو مقومات العيش”.
ولا تقتصر الخسائر، بحسب رعد، على القطاع الزراعي وحده، بل تشمل أيضاً التنوع البيولوجي والثروة الحيوانية. فقد دُمّر أكثر من 50 ألف قفير نحل خلال الحرب، ما أدى إلى خسارة الملايين من أسراب النحل الضرورية لعملية تلقيح المزروعات. كما سُجلت خسائر كبيرة في الثروة الحيوانية، بلغت 87% لدى الحمير، و69% لدى المواشي، و62% لدى الخيول، و50% لدى الأبقار، فيما بلغت خسائر قطاع تربية النحل نحو 65%، وفق تقرير وزارة الزراعة رقم 4 الصادر في 5 أيار 2026.

أما قطاع الصيد البحري، فقد تعرّض بدوره لأضرار مباشرة، إذ استُهدف 26 مركب صيد بالقصف، وقدّرت قيمة الخسائر المسجلة حتى الآن بنحو 700 ألف دولار أميركي، وفق المصدر نفسه.
وعلى المستوى البيئي، يشير رعد إلى أن “الحرب أدّت إلى تدمير نحو 5 آلاف هكتار من الغطاء الحرجي، وفق أرقام وزارة الزراعة، ما ألحق أضراراً جسيمة بالنظام البيئي والتنوع البيولوجي في الجنوب، وهي خسائر تحتاج إلى سنوات طويلة لمعالجتها واستعادة التوازن الطبيعي، بحيث لا يمكن استبدال الجنوب بأي منطقة أخرى نظراً لأهميته الإيكولوجية”.

ويحذر رعد من “انعكاس هذه الأضرار على الأمن الغذائي في لبنان”، لافتاً إلى أن دراسة حول الأمن الغذائي الحاد (IPC) أظهرت دخول نحو 725 ألف لبناني في المرحلة الثالثة من انعدام الأمن الغذائي، أي ما يقارب 19% من الفئة التي شملتها الدراسة، من دون احتساب النازحين المقيمين خارج مراكز الإيواء.

ويختم بالإشارة إلى أن “تراجع الإنتاج الزراعي وارتفاع تكاليف النقل والمحروقات من شأنهما أن يرفعا أسعار المواد الغذائية بنسبة قد تصل إلى 20%، ما يزيد الضغوط المعيشية على الأسر اللبنانية”. كما يقدّر كلفة الأضرار التي لحقت بالقطاع الزراعي بنحو 800 مليون دولار أميركي حتى منتصف نيسان 2026، وفق أرقام وزارة الزراعة، معتبراً أن “إعادة تأهيل هذا القطاع ستكون من أبرز التحديات التي ستواجه لبنان في مرحلة ما بعد الحرب وإعادة الإعمار وإصلاح النظم البيئية”.

تُعدّ الأضرار في هذا القطاع الأخطر، إذ تمثل نحو 22% من إجمالي الأراضي الزراعية في لبنان، ما يضع الأمن الغذائي الوطني أمام تحديات غير مسبوقة.

وعلى الرغم من اتفاق الدولة في المفاوضات مع العدو الإسرائيلي على وقف شامل لإطلاق النار، فإن الاعتداءات لا تزال مستمرة، ولا توجد مؤشرات واضحة إلى عودة الجنوبيين إلى قراهم.
فهل ستقتصر خسائر القطاعين الزراعي والبيئي على ما هي عليه الآن؟ أم سنشهد جولة جديدة من القتال تُفاقم أزمة القطاع أكثر فأكثر؟

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا