بين قاسم وروبيو… لبنان يدخل أخطر مراحل الانفجار الداخلي
تزامناً مع الحديث المتجدّد عن إمكان نجاح مسار تفاوضيّ بين واشنطن وطهران، تتقاطع معطيات دبلوماسيّة عند خلاصة أساسيّة: حتّى لو نجح الاتّفاق الأميركيّ – الإيرانيّ، فلن يكون لبنان جزءاً فعليّاً من بنوده إلّا بأبعد التقديرات عبر عبارات فضفاضة تتّصل بـ”خفض التصعيد” أو “وقف الحرب” من دون أن تكون لها أيّ نتائج عمليّة على الأرض. أمّا الرهان على أن تتوقّف إسرائيل نهائيّاً عن حربها في لبنان مع ولادة اتّفاق إقليميّ، فهو رهان يتجاهل طبيعة الحرب نفسها وأهدافها الثابتة.
لا تتعامل إسرائيل، وفق ما تؤكّد مصادر دبلوماسيّة، مع الجبهة اللبنانيّة كملفّ تكتيكيّ مرتبط فقط بالتفاوض مع إيران، بل كمعركة استراتيجيّة تهدف إلى إعادة تشكيل الواقع الأمنيّ والسياسيّ في لبنان لعقود مقبلة. لذلك أهداف الحرب لم تتبدّل على الرغم من كلّ التحوّلات الإقليميّة، من الضغط لنزع قدرة “الحزب” العسكريّة، إلى فرض وقائع جديدة جنوباً، وصولاً إلى إعادة صياغة التوازنات الداخليّة اللبنانيّة.
عليه يبدو المشهد اللبنانيّ عالقاً في استعصاء كامل: “الحزب” عاجز عن وقف التقدّم الإسرائيليّ المتدرّج يوماً بعد يوم، على الرغم من استمرار المواجهة واستنزاف الجنوب، والدولة اللبنانيّة عاجزة بدورها عن فرض سيادتها على إسرائيل التي تواصل عمليّاتها، وعلى “الحزب” الذي يرفض التخلّي عن سلاحه أو الانصياع لمسار الدولة. بين العجزين تتصاعد احتمالات الانفجار الداخليّ بأشكال متعدّدة، سياسيّة وأمنيّة وربّما أخطر.
قاسم يصعّد وروبيو يردّ
لم يكن خطاب الأمين العامّ لـ”الحزب” الشيخ نعيم قاسم خطاب مناسبة في عيد المقاومة والتحرير، بل بدا أشبه بإعلان مواجهة داخليّة مفتوحة. رفع الرجل السقف إلى أقصى الحدود، مهاجماً السلطة اللبنانيّة بشكل مباشر، متّهماً إيّاها بأنّها “تجرّم المقاومة وتقدّم التنازل تلو التنازل”، قبل أن يذهب أبعد بالدعوة الضمنيّة إلى إسقاط الحكومة حين قال: “إذا كانت هذه الحكومة عاجزة عن تأمين السيادة فلترحل”.
بين رفضه المطلق للمفاوضات المباشرة، وتمسّكه بالسلاح، وتحذيره من أنّ نزعه يعني “إبادة”، كان واضحاً أنّ “الحزب” ينقل محرّكات المواجهة تدريجاً إلى الداخل اللبنانيّ، في لحظة داخليّة شديدة الهشاشة، مكتظّة بالغضب والانهيار والخوف والانقسام.
في المقابل، جاء الردّ الأميركيّ سريعاً وعنيفاً ومباشراً عبر وزير الخارجيّة الأميركيّ ماركو روبيو، الذي اتّهم “الحزب” بالسعي إلى “إسقاط الحكومة المنتخَبة ديمقراطيّاً”، مؤكّداً أنّ واشنطن “تقف بثبات إلى جانب الحكومة اللبنانيّة”، وأنّ مرحلة “احتجاز لبنان من قبل مجموعة إرهابيّة تقترب من نهايتها”.
تكشف المواقف المتقابلة عمليّاً أنّ الجميع بات يكشف أوراقه بوضوح غير مسبوق. يعتبر “الحزب” أنّ المعركة باتت معركة وجود له وأنّ أيّ تراجع سيعني سقوطه الاستراتيجيّ، فيما تبدو واشنطن ماضية في دعم مسار ضرب نفوذ “الحزب” مهما كانت التداعيات، في عهد إدارة أميركيّة يصعب توقّع خطواتها في عالم يزداد جنوناً واضطراباً.
خطر المواجهة الدّاخليّة
تتحدّث معلومات “أساس” عن رسائل واضحة تصل إلى “الحزب”، مباشرة وغير مباشرة، مفادها أنّ حالة الإنكار الحاليّة ستقود لبنان بأكمله إلى الخراب، وأنّ استمرار التعامل مع المتغيّرات وكأنّ شيئاً لم يتبدّل منذ ما قبل الحرب سيقود البلاد إلى مواجهة داخليّة خطِرة قد تعيد إحياء مشاهد الثمانينيّات بكلّ تفاصيلها القاسية: زمن الاغتيالات، زمن الانقسامات العموديّة، زمن الجبهات المفتوحة داخل المدن والقرى، زمن الاجتياح الإسرائيليّ المفتوح، الذي لا أحد يعرف حدوده هذه المرّة: هل يتوقّف عند الليطاني أم يمتدّ إلى النبطيّة وصور أم يصل إلى صيدا نفسها؟
تحذّر مصادر دبلوماسيّة من أنّ أخطر ما في المرحلة الحاليّة أنّ الجميع يتحرّك وكأنّ لديه ترف الوقت، فيما الوقائع الميدانيّة والسياسيّة تشير إلى مسار يكاد يصبح بلا عودة. تواصل إسرائيل الضغط العسكريّ، وترفع الولايات المتّحدة الغطاء تدريجاً عن أيّ تسويات رماديّة، ويزداد “الحزب” تشدّداً، وتقف الدولة اللبنانيّة في منتصف العاصفة بلا أدوات فعليّة.
سلام: فليكن التّحرير مناسبة للوحدة
وسط هذا المشهد، جاء كلام رئيس الحكومة نوّاف سلام مختلفاً في نبرته، حاملاً دلالات عميقة، خصوصاً أنّه أتى بعد ساعات من خطاب قاسم، إذ دعا إلى أن يكون عيد المقاومة والتحرير “يوم تضامن مع عائلات الشهداء والجرحى والأسرى والنازحين وأهل الجنوب”، مؤكّداً أنّ “العيد الحقيقيّ لا يُستعاد إلّا بانسحاب إسرائيل الكامل وعودة الأهالي بأمان”.
في كلام سلام محاولة واضحة للتمسّك بخيط وطنيّ أخير يقوم على فكرة التلاقي لا الانفجار، وعلى أولويّة حماية الناس والدولة معاً، بدل الانزلاق إلى معركة داخليّة مفتوحة لا يملك لبنان القدرة على تحمّلها.
خلال العامَين الماضيَين، تحدّث كثيرون عن فرص متعدّدة أُعطيت للبنان للخروج من أزمته، لكنّ البلاد أهدرتها تباعاً، بين الإنكار والمكابرة والصراعات الصغيرة. لا يزال اليوم بالإمكان الحديث عن فرصة جديدة، ربّما تكون الأخيرة فعلاً، كي يعود الجميع إلى شيء من الرشد السياسيّ والوطنيّ، رأفة بلبنان الذي قد يتغيّر إلى الأبد، وقد لا يعود لبنان الذي نعرفه إذا استمرّت البلاد بالسير فوق هذه الحافة المفتوحة على كلّ الاحتمالات.
جوزفين ديب - اساس ميديا
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|