محليات

مسعف يوثّق معالمها بالصور: النبطية الخالية إلا من مواء القطط

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

لم يكن الطريق إلى النبطية سهلاً، ولا حتى عادياً. من بيروت إلى الجنوب، يتغيّر كل شيء تدريجياً، كأنك تنتقل من زمن إلى زمن آخر، ومن إيقاع حياة إلى إيقاع آخر أكثر بطئاً وثقلاً. وكلما اقتربت أكثر من النبطية، يتراجع البشر أكثر ويتقدم الخطر أكثر، على جانبي الطريق علامات الدمار أو خوف أو انتظار طويل. كأن الجنوب كله يخفف من حضوره كي يمر الخطر من فوقه.

 

النبطية (علي علوش)

 

بعد طلب جيش الاحتلال الإسرائيلي إخلاء المدينة، بما يشبه تهجيراً قسرياً للسكان، انقسمت الخيارات على نحو حاد وبسيط في آن: عائلات غادرت بحثاً عن مكان أقل خطراً، وأخرى بقيت لأنها لا تملك مكاناً آخر تذهب إليه، أو لأنها اختارت ألا تدخل مجدداً في دوامة النزوح والتعطل والتعب. "إلى أين نذهب؟" يجيب أحدهم على سؤال بقائه. وتضيف سيدة بصوت هادئ: "في كل لبنان لا يوجد مكان آمن… والموت لا يستطيع أحد الهروب منه".

في هذا الإيقاع المعلّق، تبدو الحياة اليومية نفسها وقد تقلصت إلى حدّها الأدنى. الناس يخرجون قليلاً ثم يعودون بسرعة، كأن الخارج مساحة مؤقتة لا يُنصح بالبقاء فيها طويلاً. يتحدثون بصوت خافت، ليس خوفاً من لفت الانتباه فحسب، بل أيضاً كنوع من التكيّف مع فكرة أن الصوت قد يكون زائداً عن الحاجة. لا أحد يبقى في الشارع أكثر من اللازم. حتى الوقوف أمام المنزل صار فعلاً محسوباً، يحتاج إلى مبرّر، أو إلى سبب واضح، أو إلى يقين صغير بأن اللحظة آمنة بما يكفي.

Image-1779702944.Jpeg

 

إسعاف النبطية بين النار والناس

أعلن "إسعاف النبطية" تعليق أعمال الإغاثة لمدة يومين بعد الإنذار الإسرائيلي بالإخلاء، كمحاولة قاسية ومباشرة لحث الناس على المغادرة، في ظل المخاطر العالية، وتفادي أن يتحول توزيع المساعدات نفسه إلى سبب غير مباشر لبقاء العائلات في مدينة تتعرض لضغط أمني متواصل.  لكن ما حدث على الأرض كان مختلفاً. بعض العائلات غادرت فعلاً، فيما بقيت عائلات أخرى، إما لأنها لا تملك مكاناً آخر تذهب إليه، أو لأن فكرة النزوح المتكرر أنهكتها بكل ما تحمله من كلفة مادية ونفسية. وفي هذا التناقض، كان الصوت الإنساني داخل الإسعاف واضحاً، كما يشرحه المدير التنفيذي لـ "إسعاف النبطية"، مهدي صادق: "الإسعاف لا يتخلى عن الذين بقوا، وأصررنا على استئناف عملنا".

وهكذا، عاد العمل الإغاثي. كل يوم اثنين وخميس، تعود الفرق إلى توزيع المؤن في الحسينية. مشروع بدأ منذ اليوم الأول للحرب، ولم يتوقف إلا وفقاً لميزان دقيق بين الحاجة الإنسانية والخطر الأمني. يومياً، يُعاد تقييم الوضع، وتُعدَّل الخطط، وتُقاس المسافات بين الممكن والمستحيل، في مدينة لم تعد الظروف تسمح بثبات الناس فيها.

في حسينية النبطية، أسماء تُنادى واحدة تلو الأخرى، علب غذائية تُسلّم بسرعة، وأيد تتسلم وتغادر دون كثير من الكلام. الوجوه متعبة، لكنها تحاول أن تحافظ على شكل ما من التماسك، كأن كل فرد يؤجل انهياره الشخصي إلى وقت لاحق، غير محدد.

الناس هنا لا يأتون من أجل المساعدات. فحسب، بل هناك حاجة أخرى لا تُقال: رؤية الآخرين. التأكد من أن الجيران لا يزالون على قيد الحياة، وأن الأحياء لم تُفرغ بالكامل من السكان، وأن المدينة لم تتحول إلى مكان فارغ وصامت بالكامل. في لحظات الانتظار القصيرة، تتحول الحسينية إلى مساحة اجتماعية هشّة، يتبادل فيها الناس أخباراً صغيرة، جُملاً قصيرة، ونظرات طويلة.

تقول إحدى السيدات لـ"المدن": "شباب إسعاف النبطية دعمونا معنوياً، ووفّروا لنا الطعام والشراب وحتى الخبز. عندما لا يتوفّر لديهم الخبز، نحن أيضاً لا نحرم منه بكل صراحة". يقاطعها رجل من الجهة الأخرى: "طبابة، إسعافات، طعام… لم يقصّروا معنا بشيء أبداً".

في زاوية القاعة، تقف امرأة من كفرشوبا مع زوجها. كانت نزحت من حي السرايا بعد قصفه قبل أيام. تقول إنها نامت ليلة كاملة في السيارة قرب البحر، ثم عادت نهار الخميس لأن هناك توزيع مساعدات.  تضيف بصوت خافت، كأنها تحدّث نفسها أكثر مما تخاطب أحداً: "سأذهب لأرى وضع البيت… لا أعرف".

أرشفة اللحظات

شاب من المسعفين لا يتوقف عن تصوير زملائه وبعض تفاصيل المدينة، يبدو كأنه يحاول جمع ما أمكن من معالم المدينة قبل أن تتفتت أكثر، أو قبل أن يخسر أحدهم فجأة، لا سيما أن الفرق الإسعافية نفسها باتت تُعتبر أهدافاً محتملة في سياق هذا التصعيد. وحين يُسأل لماذا يفعل ذلك، يجيب بجملة قصيرة، شبه مترددة: "نحاول أرشفة كل اللحظات… لا ندري ما الذي سيحصل".

يعمل "إسعاف النبطية" اليوم بـ36 مسعفاً وحوالى خمس سيارات إسعاف، لا لإسعاف الجرحى والمصابين فحسب، بل لتأمين المؤن والطعام للعائلات المتبقية في المدينة، أو لتوزيع القسائم الشرائية الإلكترونية التي تُرسل إلى النازحين أينما كانوا في لبنان، ليتمكنوا من شراء حاجاتهم من المتاجر القريبة منهم.

لكن المسعفين أنفسهم صاروا جزءاً من الخطر. ثلاثة من عناصر "إسعاف النبطية" سقطوا خلال الاستهدافات، بينهم الفتى جود سليمان (14 عاماً). يروي صادق أن الاستهدافات طالت مسعفين أثناء مهمة إغاثية واضحة، وأن سيارة الإسعاف كانت تعمل ضمن تنسيق مُبلّغ عنه مسبقاً، ومع ذلك جرى استهدافها. "لم تكن حوادث عرضية"، يقول.

المشهد في المدينة لا ينفصل عن هذا القلق المستمر. فحتى الذهاب لإحضار أبسط احتياجات الحياة صار مهمة معقدة، في ظل غياب المحال التجارية وصعوبة التنقل بين المناطق، وصولاً إلى مشارف منطقة المصيلح حيث تنقطع سبل الحياة والاحتياجات اليومية لأي إنسان. يقول أحد الرجال لـ"المدن": "بعض الأشخاص لا يملكون سيارة، ولا يوجد أي متجر يعمل في المنطقة، جميعها مقفلة حتى منطقة المصيلح جنوب صيدا. لا أحد يستطيع الذهاب لإحضار شيء. إسعاف النبطية يحضر يومياً المؤن، وأدوات التنظيف، وكل ما يحتاجه الصامدون هنا".

 

الكثير من القطط والقليل من الناس
في النبطية اليوم، لا تسمع سوى صوت المسيّرات، ومواء القطط، التي تمشي كأنها خرجت من تحت الركام، هزيلة، وجائعة، ومذعورة، ما إن ترى إنساناً حتى تغير اتجاهها بسرعة، كأنها وجدت في حضوره حدثاً استثنائياً. بعضها تقترب لتداعب أرجل أي زائر يأتي لمعاينة خراب المدينة. ترفع رأسها نحوه، ثم تتردد، ثم تقترب أكثر. لا يبدو أنها تبحث عن طعام فحسب، بل عن أي علامة حياة، عن دفءٍ بشري يخفف هذا الانقطاع الطويل بين الكائنات والمدينة.

بين القطط التي تبحث عن بشر، والبشر الذين يبحثون عن مخرج، تبدو المدينة وكأنها تُجرَّد ببطء من طرفيها معاً. وفي كل مرة يُفتح فيها باب، لا يُفتح على شارع بالمعنى العادي، بل على احتمال جديد للنجاة أو للغياب، على خطوة لا أحد يعرف إلى أين تقودها، وعلى لحظة قابلة لأن تُكمل يومها أو تقطعه فجأة.

 

المدن - نغم ربيع

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا