لواء خاص جنوبي الليطاني.. ماذا "يطبخ" البنتاغون للبنان؟
يتخطى المقترح الأمريكي لإنشاء لواء خاص جنوبي الليطاني، الجانب العسكري التقليدي لدعم الجيش اللبناني، ليتحول إلى بند "ساخن" في التجاذبات السياسية حول ترتيبات أمن الحدود، والالتزامات الدولية.
وبينما يُناقش ذلك المقترح كآلية دولية لإيجاد منطقة خالية من المظاهر المسلحة في جنوب لبنان، تبدي الدوائر الرسمية في بيروت حذراً شديداً إزاء خلفياته، معتبرة أن أي تقديرات حاسمة حول فرض تطبيقه لا تزال مبكرة جداً.
تصطدم هذه الأفكار بجدار من العقبات السيادية واللوجستية، لا سيما مع بروز تحذيرات علنية من "مسار أمني يُطبخ في أروقة البنتاغون"، واشتراط واشنطن الإشراف المباشر على انتقاء عناصر هذا اللواء مقابل الإفراج عن وسائل الرصد والمراقبة الحيوية الموعودة للجيش اللبناني.
برز الطرح الأمريكي في كواليس المفاوضات الدبلوماسية اللبنانية الإسرائيلية برعاية واشنطن،كأحد البنود الساخنة لتعديل الآليات الأمنية الميدانية في الجنوب اللبناني.
خلفيات الطرح
وقال خبراء، إن جوهر المقترح الأمريكي يقوم على تشكيل وحدة نخبوية أو "لواء خاص" ضمن المؤسسة العسكرية اللبنانية، يتمتع بتجهيز فائق وتدريب عالي المستوى، ويتولّى، حصرياً، مهمة مسك الأرض في قطاع جنوب الليطاني.
وأكدوا، في تصريحات لـ"إرم نيوز"، أنه وفقاً للتصور الأمريكي، فإنه يُراد لهذا اللواء أن يمتلك صلاحيات واسعة النطاق تشمل: المراقبة، والتحقق من المنشآت، وضمان حصر السلاح بيد الدولة.
وتعكس المناقشات داخل الصالونات السياسية في بيروت حذراً شديداً عند تناول الموضوع ؛ فالدوائر الرسمية اللبنانية، رغم ترحيبها المبدئي بتعزيز حضور الجيش وبسط سلطة الشرعية، إلا أنها ترى أن صياغة لواء بمواصفات خارجية قد يفتح الباب أمام تفسيرات داخلية شديدة الحساسية.
وثمة تخوف حقيقي من أن يُنظر إلى هذا التشكيل باعتباره قوة اصطدام مباشر مع البيئة المحلية، مما يهدد السلم الأهلي والوحدة الوطنية التي لطالما كانت خطاً أحمرَ لدى قيادة الجيش اللبناني.
شروط واشنطن
ويرى المحلل السياسي لطيف أبو نبوت، أن معضلة إنشاء هذا اللواء لا تتوقف عند حدود التوافق السياسي فحسب، بل تمتد إلى الشق التقني والعملياتي والسيادي؛ فالانتشار الفعّال في منطقة جغرافية معقدة وساخنة كجنوب الليطاني يتطلب منظومة متكاملة من وسائل الرصد والمراقبة الحديثة، تشمل: رادارات برية، وطائرات مسيّرة للاستطلاع، وأجهزة اتصال مشفرة.
وأشار في تصريح لـ"إرم نيوز"، إلى أنه على الرغم من تلقي لبنان في مؤتمرات دولية سابقة وعوداً سخية من عواصم غربية بتأمين هذه المعدات الحيوية لتمكين الجيش من القيام بمهامه، فإن العقدة تكمن في أن الإفراج عن هذه الشحنات التقنية لا يزال مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بالموافقة الأمريكية.
وأوضح أن مسودات النقاش حول الموضوع تكشف أن واشنطن تشترط المشاركة المباشرة في اختيار ضباط وعناصر هذا اللواء وتدريبهم عسكرياً وأمنياً.
ويهدف هذا الشرط، بحسب المحلل أبو نبوت، إلى تصفية أي عناصر يُشتبه في قربهم أو تعاطفهم مع حزب الله، وذلك لضمان تنفيذ الشق العسكري الخاص بنزع السلاح، وتفتيش المنشآت والمواقع العامة والخاصة دون عوائق محلية.
مسار البنتاغون والتمثيل الميداني
من جانبه، يرى المحلل السياسي جمعة سليمان النسعة، أن المؤسسة العسكرية اللبنانية قائمة بنيوياً على التوازن الوطني والنسيج الجامع. وأن إصرار واشنطن على التدخل في انتقاء ضباط لواء معين بتمويل وشروط معزولة، يهدد بخلق "جيش داخل الجيش".
وأشار إلى أن هذا الفرز قد يضعف تماسك المؤسسة العسكرية الأم بدلاً من تمكينها، لا سيما أن قيادة الجيش أبلغت الدوائر المعنية بحسم رفضها المطلق الانجرار إلى أي مواجهة أو صدام داخلي. وقال إن الطرح الأمريكي يحاول فرض واقع أمني جديد تحت ضغط العمليات العسكرية المستمرة، واستغلال الهدنة المؤقتة.
ويجمع الخبراء على أن نجاح أي خطة انتشار يتطلب أولاً وقفاً شاملاً ودائماً لإطلاق النار يضمن انسحاب القوات الإسرائيلية، يليه توافق لبناني-لبناني يرسم حدود العلاقة بين الجيش والقوى المحلية.
في ضوء المعطيات السابقة فقد أثبتت التجارب الميدانية والسياسية في لبنان أن الحلول المستوردة تفتقر دائماً إلى مقومات الحياة إن لم تمر عبر مصفاة التوافق الداخلي والمحافظة على السيادة.
ويمثل المقترح الأمريكي لإنشاء لواء خاص في جنوب الليطاني قمة الجبل الجليدي في صراع الإرادات الدولية حول مستقبل الأمن في منطقة جنوب لبنان.
وبين الوعود اللوجستية المعلقة، وشروط التصفية والانتقاء الأمريكية، والرفض السياسي الداخلي، يبقى الجيش اللبناني أمام التحدي الأكبر.. فكيف يحمي السيادة الوطنية، ويثبت الأمن في الجنوب، دون أن تقع مؤسسته في فخ الانقسام؟ الإجابة عن هذا السؤال ستحسمها طاولة المفاوضات المرتقبة في البنتاغون نهاية الشهر الجاري.
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|