هاشم: يجب أن يكون اهتمام المؤسسات الرسمية والجمعيات بالنازحين شاملا
بلدة القليعة في جنوب لبنان على تخوم النار..
في القليعة، البلدة الحدودية الواقعة في قضاء مرجعيون جنوب لبنان، لا تبدو الحرب حدثاً عابراً انتهى بوقف إ النار. هنا، على التلال المطلة مباشرة على الخيام، وبين بلدتي دبين وبلاط اللتين عرفتا بدورهما غارات وقصفاً عنيفاً، ما زالت آثار الحرب حاضرة. بلدة وجدت نفسها خلال الأشهر الماضية داخل مربّع أمني شديد الحساسية، محاطة بالخطر من أكثر من جهة، ومع ذلك بقي كثيرون من أهلها فيها، متمسكين ببيوتهم رغم القصف والغارات والقذائف المدفعية.
خلال الحرب، تعرّضت البلدة لغارات وقذائف مدفعية عدة، فيما عاش سكانها ما يشبه الحصار، بعدما أصبحت الطرق المؤدية إليها محفوفة بالمخاطر، ولا سيما منها طريق الخردلي، المنفذ الأقرب نحو بيروت. ومع تكرار الاستهدافات، بات الدخول إلى البلدة والخروج منها أمراً خطراً.
بعد وقف النار، عاد الأهالي الذين نزحوا منها إلى بيوتهم المتضررة، وأخرى لم تعد صالحة للسكن، في هذه البلدة أيضاً، سقط الأب بيار الراعي ضحية قصف مدفعي إسرائيلي خلال الحرب، في حادثة تركت جرحاً عميقاً لدى الأهالي الذين يتحدثون عنها باعتبارها من أقسى محطات تلك المرحلة.
خلال جولة لـ"النهار" في البلدة، كان البيت الأول الذي طاوله القصف المدفعي الإسرائيلي في 9 آذار الماضي شاهداً واضحاً على حجم الخطر الذي عاشته. المنزل المطل مباشرة على الخيام، والواقع على مسافة غير بعيدة من المنطقة التي شهدت مواجهات وقصفاً، لا يزال يحمل آثار الضربة. وأهل البيت لم يعودوا للسكن فيه، ليس لأنهم لا يريدون العودة، بل لأنه لم يعد قابلاً للحياة كما كان. فتكلفة الترميم تفوق قدرتهم، والوضع الاقتصادي لا يسمح لهم بفتح ورشة جديدة في بيت تعبوا سنوات لبنائه.
من جانب نافذة تطل على جهة معتقل الخيام السابق، يشير كلوفيس بطرس، أحد سكان هذا المنزل، قائلاً: "من هناك قصفونا. كانت دبابة إسرائيلية متمركزة في تلك الجهة. لم نكن نتوقع أن يطاولنا القصف بهذه الطريقة".
يروي بطرس، اللحظات الأولى للقصف، مستعيداً ما جرى كمن لا يزال تحت وقع الصدمة. يقول لـ"النهار": "كنت موجوداً في المطبخ. دخلت زوجتي لتحضر بعض الأغراض وتجهّز الغداء، وفجأة سقطت القذيفة في وسط البيت. بعدها فقدت الوعي، وشعرت بضغط كبير. نَجونا بأعجوبة".
بالنسبة إلى كلوفيس، لم يكن ما حدث مجرد ضرر مادي فقط، بل هو تعب سنوات، وذاكرة عائلة، ومكان آمن تحوّل في لحظة إلى مصدر خوف. ومنذ ذلك اليوم، لم تعد العودة إلى المنزل مسألة رغبة، بل مسألة قدرة على الترميم، وقدرة على تحمل فكرة أن الخطر قد يتكرر.
زوجته تيريز رزق تختصر وجع العائلة بعبارة واحدة، إذ تقول إنهما أمضيا أكثر من سبع سنوات في بناء هذا البيت بعدما عاشا سنوات في الإيجار: "تعبنا كثيراً حتى بنيناه. بلحظة ضربوه وأخرجونا منه". وتشير إلى أن تكلفة الترميم كبيرة جداً، وأن وضع العائلة المادي لا يسمح بإعادة البيت كما كان، لذلك لم يتمكنوا حتى الآن من العودة للسكن فيه.
وتشير الى مرور أكثر من شهرين من دون أن تتمكن العائلة من بدء ترميم فعلي. ليس لأن الضرر بسيط أو مؤجل، بل لأن تكلفة إعادة الحياة إلى البيت صارت عبئاً إضافياً فوق عبء الحرب نفسها.
أما ميريام نهرا، فتحمل تجربة أخرى من القليعة. في الحرب السابقة، اضطرت مع عائلتها إلى النزوح من البلدة نحو بيروت بسبب القصف الذي طاول أطرافها. يومها، كان الخوف على الأولاد هو السبب الأول للمغادرة. لكن في هذه الحرب، اتخذت مع زوجها قراراً معاكساً: البقاء في البيت مهما حصل. كانت تقول إن النزوح لن يتكرر، وإن العائلة ستتمسك بمنزلها وبلدتها.
لكن في العاشر من آذار، عند الثالثة فجراً، تبدّل كل شيء. كانت ميريام وزوجها وطفلاهما، اللذان لا يتجاوز عمراهما عشر سنوات، نائمين حين أصاب صاروخ المنزل. تقول لـ"النهار": "الله نجّانا بأعجوبة". تروي اللحظة والخوف لا يغيب عن تفاصيل كلامها. تتحدث عن زجاج تناثر، وأضرار كبيرة، وعن طفلين استيقظا على صوت لم يعدا قادرين على نسيانه.
تحاول ميريام وزوجها اليوم ترميم المنزل ضمن إمكاناتهما. وتقول إنهما دفعا حتى الآن أكثر من 17 ألف دولار لإصلاح جزء من الأضرار. وتضيف بحسرة: "صحيح عدنا، لكن الخطر لا يفارق حياتنا. أولادي كلما سمعوا صوتاً يخافون ويظنون أن القصف عاد".
إذن في القليعة، عدد من الأهالي رمموا ما استطاعوا ترميمه، وآخرون لا يزالون ينتظرون قدرة مادية أو ضمانة أمنية غير متوافرة. ومع ذلك، تبقى العودة هنا ناقصة، معلّقة بين رغبة الناس في البقاء، وثقل الخسائر التي تركتها الحرب
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|