الصحافة

مقترح حماية ظهر "الحزب"

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

خرج جبران باسيل من لقائه مع نبيه بري متحدّثًا عن "مقترح حماية لبنان" و"التضامن الداخلي"، في مشهد يختصر رثاثة السياسة اللبنانية حين تحاول تغطية وهج السلاح بِخُرقٍ بالية من المصطلحات السيادية. ما علاقة "التضامن" بمشروع لا يرى في المسيحيّين والسنّة ومعارضيه إلّا "عملاء" ينتظرون القمع والقتل؟ الجواب أنّ لا علاقة. يُطلّ رئيس "التيّار الوطني الحر" ليدقّ ناقوس الخطر من "الاهتزاز الداخلي"، وهو الذي أمضى عقدين يوفّر الغطاء الشرعي للاهتزاز الأكبر: تغييب الدولة لصالح الدويلة. من هنا، يبدو أنّ "مقترح حماية لبنان" ليس في الحقيقة إلّا "مقترح حماية ظهر الحزب"، وقَوْنَنة وجوده كقدرٍ لا يُردّ تحت مُسمّى "الاستفادة من قدرات المقاومة".

في الورقة السياسية الجديدة للتيّار، نقرأ جملة هي قمّة في الاستخفاف بعقول اللبنانيّين: "حصر الدفاع عن لبنان بالدولة والاستفادة من قدرة المقاومة لتعزيز الجيش". هذا الطرح ليس "تطويرًا" للدولة، بل هو "حقن للجيش بالسمّ العقائدي". كيف يستفيد جيشٌ نظاميٌّ، عقيدته "الوطن أولًا"، من تنظيم عقيدته العابرة للحدود تقول حرفيًا في وثيقتها التأسيسية: "إنّنا أمّة ترتبط مع المسلمين في كافّة أنحاء العالم... ونتحرّك في ضوء تصوّر سياسيّ عامّ تقرّره ولاية الفقيه"؟ تحميلُ الجيش مسؤولية "التنسيق" مع ميليشيا عقائدية أصولية هو في الحقيقة إلغاءٌ لدوره وتحويله إلى "ملحق" إداري في "جيش الأمة" الإيراني (الباسدران والباسيج). إنّها محاولة مكشوفة لمَأسسة "الدولة العميقة" بجعل السلاح الموازي جزءًا من المرفق العام، وهو انتحار سيادي كامل الأركان.

وعمومًا، ليس غريبًا على "التيّار" هذا التذاكي اللّغوي؛ يقولون في ورقتهم إنّ "المقاومة ليست عسكرية فقط"، في توسيع خبيث لمفهوم "المقاومة" ليشمل الثقافة والاجتماع والاقتصاد والتربية والمالية، وهو ما يتطابق حرفيًّا مع مشروع "حزب الله" في بناء "مجتمع المقاومة" البديل عن مجتمع الدولة. وحين يتحدّث باسيل عن "التشاور الوطني الأوسع"، فهو لا يبحث عن حلّ سيادي، بل عن "توقيع جماعي" على صكّ الاستسلام. الخطاب الذي يربط "معركة حماية الوجود" بـ "معركة السيادة والتحرير" هو مغالطة كبرى؛ فكيف يحمي "الوجود المسيحي" من يشرعن تنظيمًا يرى لبنان مجرد "نواة لدولة الإسلام المركزية"؟ وعليه، فإنّ ادّعاء التيّار بأنّه "درع لبنان" وهو يشرعن السلاح الخارج عن القانون، هو كادّعاء الحارس بأنّه يحمي المنزل بينما يُسلّم مفاتيحه رسميًّا للعصابة تحت عنوان "التعاون الأمني".

كلّ القوى التي توالت على السلطة ساهمت في الانهيار، لكن "التيّار الوطني الحر" يتميّز بقدرته الفريدة على تغليف التبعية بـ "الوطنية"، والارتهان بـ "الميثاقية". فالورقة السياسية تتحدّث عن "اللّامركزية الموسّعة" و"الصندوق الائتماني" لذرّ الرّماد في العيون، بينما تَترك "جوهر المشكلة" – أي السلاح والهوية العابرة للحدود والعداء المُطلق للغرب وإسرائيل والتبعية لولاية الفقيه ونصرة المستضعفين وما يترتّب عليها من حروبٍ تُخاض بالوكالة – بلا علاج حقيقي، بل تسعى لتشريعها نصًّا وروحًا وعسكرًا داخل مؤسسات الدولة.

ختامًا، هذا النزوع المنهجي نحو التوليف بين برادايغمات متنافرة بنيويًا (جيش وشعب ومقاومة) هو من سرّع من انزلاق الدولة اللّبنانية نحو حالة من "الهجانة الكيانية المشوّهة"، ما يؤكّد فرضيّة أنّ التيار الوطني الحر هو التجلي الظاهراتي الأبرز لاختراق الأصولية الشيعية للمجال السوسيوسياسي المسيحي ووعي شعبه. عندي أنّ دراسة خطاب التيّار منذ تفاهم "مار مخايل" وصولًا إلى "مقترح حماية لبنان" اليوم، ضروريّة لفهم كيف يمكن للانتهازية السياسية أن تبيع وطنًا كاملًا مقابل "وهم الدور" في جمهورية لبنان الكبير التي لم تعد موجودة سوى في مخيّلة الموهومين.

أنطونيوس نادر - نداء الوطن

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا