إقتصاد

هل تتكرّر تجربة "بيع الهواء" في الضاحية الجنوبية؟

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

بين من يرى في الحرب فرصة استثمارية، ومن يسعى إلى الهروب من تداعياتها الأمنية والمعيشية، يتحرّك سوق العقارات في الضاحية الجنوبية لبيروت ضمن معادلة اقتصادية شديدة الحساسية، تحكمها ثنائية العرض والطلب أكثر مما تحكمها الوقائع الميدانية وحدها. فعلى الرغم من الدمار الواسع الذي لحق بالمنطقة، والتهديدات المستمرة بإمكانية تجدّد التصعيد، لم يدخل هذا السوق في حالة جمود كامل، بل أعاد تشكيل نفسه وفق شروط جديدة، حيث تتقاطع حسابات الخوف مع رهانات الربح.

في المشهد العام، تبدو "الهدنة" وكأنها أوقفت إطلاق النار لكنها لم تُعد الاستقرار. الحياة في الضاحية عادت جزئياً، وبإيقاع زمني محدود يمتد من ساعات الصباح حتى المساء، فيما يخيّم الحذر على سلوك السكان. هذا الواقع انعكس مباشرة على السوق العقارية، حيث تراجعت حركة البيع والشراء من حيث الكم، لكنها لم تختفِ، بل أصبحت أكثر انتقائية. اللافت أن الطلب لم ينكفئ بالكامل، بل تحوّل إلى طلب "ذكي" يبحث عن الفرص، أي الشقق المعروضة بأسعار منخفضة مقارنة بما كانت عليه قبل الحرب.

طلب قائم على المخاطرة

يوضح صاحب مكتب عقاري في الضاحية، أحمد الموسوي، لـِ "المدن"، أن السوق يشهد طلباً ملحوظاً على شراء الشقق، لا سيما في أحياء محددة مثل حي الأميركان. هذا الطلب لا يأتي من فئات عادية، بل من أشخاص يملكون سيولة نقدية، ويراهنون على عامل الزمن. فالشقق التي كانت تُسعّر قبل الحرب بنحو 250 ألف دولار أو أكثر، باتت اليوم تُعرض ضمن هامش يتراوح بين 150 و200 ألف دولار، وهو انخفاض يفتح شهية المستثمرين الباحثين عن "صفقات لقطة".

هذا السلوك يعكس منطقاً اقتصادياً قائماً على استغلال دورات السوق: الشراء في أوقات الأزمات بأسعار متدنية، والاحتفاظ بالعقار إلى حين تحسّن الظروف وارتفاع الأسعار. بالنسبة لهؤلاء، المخاطرة الأمنية تُقابل بعائد محتمل مرتفع، ما يجعل الاستثمار في بيئة غير مستقرة خياراً مقبولاً، بل مغرياً.

عرض مدفوع بالقلق والحاجة إلى السيولة

في المقابل، يتغذّى العرض من عوامل مختلفة، أبرزها القلق من تكرار الحرب، والحاجة إلى السيولة، والرغبة في الانتقال إلى مناطق أكثر استقراراً. يشير الموسوي إلى أن عدداً من المالكين باتوا يعرضون شققهم للبيع أو يسعون إلى "المبادلة" على عقارات خارج الضاحية، مع دفع فروقات مالية. ويُفضّل معظم هؤلاء الحصول على ثمن البيع نقداً (كاش)، خصوصاً إذا كان السعر مخفّضاً، ما يعكس تراجع الثقة بالاستقرار الاقتصادي والمصرفي.

هذا الميل إلى التسييل السريع للأصول العقارية يضع ضغوطاً إضافية على الأسعار، لكنه لا يؤدي بالضرورة إلى انهيارها، بسبب محدودية العرض النوعي، واستمرار وجود طلب، ولو من شريحة ضيقة.

سوق بطيء… لكن ليس منهاراً

بالرغم من هذه الدينامية، لا ينفي العاملون في القطاع العقاري تراجع النشاط العام. ويصف صاحب مكتب عقاري في منطقة الصفير حسين مرعي، السوق اليوم بأنه "أبطأ بكثير" مقارنة بما كان عليه قبل الحرب. فعدد الصفقات انخفض، وحركة الزبائن تراجعت، إلا أن الأسعار لم تصل إلى مستويات الانهيار الكامل.

ويشير مرعي إلى أن البائعين لا يزالون مترددين في تقديم تخفيضات كبيرة، مفضّلين الانتظار بدل البيع بأسعار "محروقة". ففي بعض المناطق، مثل الجاموس، لم تتجاوز التخفيضات بضعة آلاف من الدولارات مقارنة بالأسعار السابقة، ما يدل على تمسّك نسبي بالقيمة العقارية، رغم الظروف الصعبة.

هل تتكرّر تجربة "بيع الهواء"؟

خلال الحرب السابقة، شهدت الضاحية ظاهرة لافتة تمثّلت في بيع "سندات" لشقق متضرّرة أو مدمّرة بأسعار متدنية جداً، وصلت أحياناً إلى 30% من قيمتها الأصلية، فيما عُرف شعبياً بـِ "شراء الهواء". إلا أن هذه الظاهرة لم تتكرّر حتى الآن بالزخم نفسه.

يفسّر مرعي ذلك بارتفاع مستوى الحذر لدى المستثمرين، إضافة إلى غياب وضوح الرؤية بشأن مسار الحرب الحالية. فالمخاطرة اليوم تبدو أعلى، أو على الأقل أقل قابلية للتقدير، ما يجعل الإقبال على هذا النوع من الصفقات محدوداً.

قرارات فردية تعيد تشكيل السوق

إلى جانب العوامل الاقتصادية، تلعب الاعتبارات الاجتماعية والنفسية دوراً محورياً في تحريك السوق. ماهر عيسى، أحد سكان الضاحية، يروي أنه قرر بيع شقته بعد الحرب الماضية، بحثاً عن بيئة أكثر استقراراً لعائلته. بالنسبة له، لم يكن القرار استثمارياً بقدر ما كان محاولة للهروب من دوامة القلق اليومي وكلفة إعادة الإعمار.

هذا النوع من القرارات، المدفوع بالخوف أو الإرهاق، يساهم في زيادة العرض، لكنه لا يقابَل دائماً بطلب موازٍ، ما يعمّق الفجوة بين الطرفين، ويعيد تشكيل السوق تدريجياً.

السوق ينتقل إلى الفضاء الرقمي

بالتوازي مع ذلك، برزت منصات التواصل الاجتماعي كقناة أساسية لعرض وطلب الشقق، في ظل تراجع دور المكاتب التقليدية نسبياً. عشرات الصفحات والمجموعات باتت تنشر إعلانات يومية لشقق للبيع أو الإيجار في الضاحية، ما يعكس تحوّلاً في آليات التسويق العقاري، ويزيد من سرعة تداول المعلومات والفرص.

هذا التحوّل الرقمي يوسّع قاعدة العرض، ويمنح المشترين قدرة أكبر على المقارنة، لكنه في الوقت نفسه يخلق سوقاً أقل تنظيماً، وأكثر عرضة للمضاربات أو العروض غير الدقيقة.

بين اقتصاد الخوف واقتصاد الفرص

في المحصلة، لا يمكن قراءة سوق العقارات في الضاحية الجنوبية بمعزل عن السياق الأوسع للأزمة اللبنانية والحرب المستمرة. فالأسعار لم تعد تعكس فقط قيمة الموقع أو المساحة، بل باتت تحمل في طياتها "علاوة مخاطر" مرتبطة بالأمن والسياسة والاقتصاد.

العرض اليوم مدفوع بالخوف والرغبة في الخروج، فيما الطلب تحرّكه حسابات استثمارية بحتة لدى فئة محدودة. وبين الاثنين، تتشكّل سوق هجينة، لا هي منهارة بالكامل ولا هي مستقرة، بل تعيش على إيقاع الانتظار.

هكذا، تتحوّل الشقق في الضاحية من مجرد مساكن إلى أصول مالية عالية المخاطر، تُباع وتُشترى وفق منطق يختلط فيه الاقتصاد بالحرب، وتُحدَّد قيمتها ليس فقط بما هي عليه، بل بما قد تصبح عليه… أو بما قد تخسره في أي لحظة.

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا