مقترح مصري لـ"إنقاذ" عون.. تأجيل لقاء نتنياهو؟!
دخل قصر بعبدا في دوّامة سياسية غير سهلة. فزيارة السفير الأميركي، ميشال عيسى، التي اعتُقد أنها تحمل "خريطة طريق" لإخراج الرئيس جوزاف عون من مأزق اللقاء المباشر مع بنيامين نتنياهو في البيت الأبيض، جاءت بنتائج معاكسة، وزادت المشهد تعقيداً. إذ أعاد السفير التأكيد على ما ورد في بيان سفارة بلاده حول ضرورات الزيارة واللقاء، بوصفهما المخرج الوحيد من حالة المراوحة اللبنانية، مضيفاً تبليغ الرئيس بموعد مفترض للقاء منتصف الشهر الجاري. وبحسب ما نُقل، أبلغ عيسى عون بأن الموعد بات مدرجاً على جدول مواعيد دونالد ترامب. ويتزامن الموعد مع انتهاء مهلة الأسابيع الثلاثة الممدّدة لوقف إطلاق النار المزعوم، ما فُهم على أنه مقصود ويصبّ في خانة التصعيد الإضافي في مستوى الضغوط.
بات واضحاً، إذاً، ترابط المواعيد والأزمنة. إذ إن أي تمديد جديد لوقف إطلاق النار، وأي ترتيبات إضافية في مسار التفاوض مع إسرائيل، بما في ذلك الانتقال من مرحلة التحضيرات التي يتولاها السفراء إلى التفاوض الحقيقي، أصبحت جميعها مرتبطة باللقاء المباشر والحديث الشفهي مع نتنياهو. في هذه النقطة، تظهر بوضوح حدود الدور الذي يضطلع به السفير عيسى، بوصفه "الأب الروحي" لفكرة اللقاء بين عون ونتنياهو.
رئيس الجمهورية، الذي يحاول الموازنة بين الداخل اللبناني ومتطلبات العلاقة مع واشنطن، لا يرغب في تحويل المسألة إلى مواجهة مع الإدارة الأميركية أو الظهور بمظهر الرافض لدعوة ترامب. لذلك، أبدى أمام السفير عيسى استعداداً مبدئياً لتلبية الدعوة، بما يشمل ضمناً اللقاء مع نتنياهو، لكنه شدّد في المقابل على التوقيت والتعقيدات الداخلية، وصعوبة الإقدام على هذه الخطوة من دون مقابل سياسي أو ميداني يمكن تسويقه داخلياً. غير أن ما تسرّب يوحي بأن الموقف الأميركي حاسم، وأن هذه التفاصيل يُفترض بحثها مباشرة مع نتنياهو، مع نصيحة واضحة بعدم إغضاب الرئيس الأميركي.
أمام هذا الواقع، بات لزاماً على رئيس الجمهورية حسم خياره: إما المضي في الزيارة ضمن التوقيت الذي حدّدته واشنطن، وإما التراجع عنها بكل ما يحمله ذلك من تبعات، وقد اعتبر عون يوم أمس أن التوقيت غير مناسب لعقد اللقاء مع نتنياهو، ويجب قبله الوصول إلى اتفاق أمني ووقف الاعتداءات.
العودة إلى الثنائي الشيعي
خلال الساعات الماضية، سعى الرئيس وفريقه إلى فتح ثغرة في الجدار الداخلي، عبر إعادة تنشيط قنوات التواصل مع "الثنائي الشيعي"، ولا سيما مع عين التينة، تحت عنوان وضع رئيس مجلس النواب نبيه بري في صورة ما نقله السفير الأميركي.
في قراءة دوائر قصر بعبدا، فإن العائق الأساسي أمام زيارة واشنطن ولقاء نتنياهو لا يرتبط بالقوانين اللبنانية أو بغياب الغطاء السياسي أو الطائفي، بل باعتراض مكوّن محدّد. فبحسب هذه القراءة، وفّرت المرجعيات الكنسية والقوى السياسية المسيحية غطاءها، كما أن الساحة السنية أبدت موقفاً مرناً عبر بيان المجلس الإسلامي الشرعي الأعلى واجتماع النواب السنّة العشرة السبت، فيما يظهر الموقف الدرزي أقرب إلى "نصف موافقة" مشروطة. في المقابل، يبقى الاعتراض الشيعي الأكثر صلابة، مدفوعاً أيضاً باعتبارات ميدانية وأمنية. من هنا، برزت نصائح بضرورة محاولة استمالة بري، ولو من خلال تأمين الحياد السلبي؛ بمعنى أن يبقى معترضاً، لكن من دون أن يبلغ اعتراضه حد المواجهة، ما يمكن أن يسهم في تخفيف وقع موقف الحرب، وهو أمر لا يبدو متاحاً إطلاقاً.
في المقابل، يتعامل بري مع الملف ضمن ثوابت واضحة، تتلخص برفض التفاوض المباشر أو اللقاء مع نتنياهو بأي صيغة كانت. أما "حزب الله"، فيذهب أبعد من ذلك، إذ يعكس خطاب قياداته، ولا سيما الموقفان الأخيران للأمين العام الشيخ نعيم قاسم، سقفاً مرتفعاً من الرفض، يصل إلى حد عدم الاعتداد بمسار عون التفاوضي واعتباره خارج إطار التوافق الداخلي. وما جدّد الحزب التأكيد عليه هو استمراره في العمل الميداني المقاوم بوصفه أولوية، رافضاً أي تغطية لزيارة أو لقاء محتمل، حتى لو اقترن بانسحاب إسرائيلي! بل يذهب أبعد، برفع مستوى التحذير من تحميل الرئيس مسؤولية تبعات أي خطوة من هذا النوع، بوصفها منزوعة الشرعية الوطنية والسياسية. فالمسألة، من وجهة نظره، لا تُختصر بانسحاب إسرائيلي، بل ترتبط بمسار طويل من الاعتداءات لا ضمانة لوقفه، وبرغبة واضحة لدى نتنياهو وترامب في رفع "اللقاء" إلى مرتبة إعلان الشراكة مع الدولة اللبنانية في مواجهة "المقاومة".
الميدان "يفاوض"!
انعكس المشهد السياسي المربك ميدانياً. فخلال الأيام الأخيرة، سُجّل تصاعد في وتيرة الاعتداءات الإسرائيلية وعمليات الحزب في الجنوب، مع اتساع رقعة القرى التي هجرها العدو إلى ما يقارب 110 قرى بين جنوب الليطاني وشماله. ويُقرأ هذا التصعيد الإسرائيلي كرسالة ضغط ذات طابع أميركي، لما قد تؤول إليه الأمور في حال عدم حصول اللقاء. في المقابل، رفعت المقاومة مستوى عملياتها كمّاً ونوعاً، مع تفعيل لافت للتحركات البرية، بما يشمل مواجهات مباشرة في نقاط تماس متقدمة. عكس هذا المشهد محاولة متبادلة لفرض وقائع ميدانية على القرار السياسي في لبنان، بمعنى أن التصعيد الإسرائيلي يهدف إلى الضغط على الحكومة ودفعها إلى تقديم تنازلات على حساب المقاومة، فيما يصعّد "حزب الله" لتكريس مسار إسلام آباد كمدخل لأي حل، في ضوء ورقة المقترحات الإيرانية التي تم تسريبها ويظهر لبنان في بندها الأول، لا منهج الحكومة اللبنانية القائم على الاجتماع المباشر مع نتنياهو في البيت الأبيض. وفي ظل هذا التوازي، يظل احتمال الانزلاق إلى مستويات أعلى من التصعيد فعلاً يحمل كل أسباب الإطاحة بزيارة البيت الأبيض.
مقترح مصري مطوّر
في موازاة ذلك، سيجدّد المصريون تحركهم باتجاه الساحة اللبنانية. وتشير معلومات "المدن" إلى تحضير وفد أمني مصري لزيارة متزامنة إلى بيروت وتل أبيب، حاملاً مقترحاً يلتزم مبدأ "الخطوات المتزامنة". ويعيد هذا المقترح الاعتبار إلى الطرح المصري القائم على تجميد استخدام سلاح "حزب الله" شمال الليطاني لفترة زمنية تترافق مع إعلان تجميد العمليات العسكرية، مقابل بدء انسحاب إسرائيلي تدريجي من الأراضي اللبنانية، في مرحلته الأولى نحو النقاط الخمس المحتلة ثم إلى الحدود الدولية، يلي ذلك إطلاق مسار تفاوضي حول النقاط الحدودية المتحفظ عليها، تطمح القاهرة إلى أن يُبحث ضمن مسار تفاوضي مباشر تستضيفه على أراضيها، بالتوازي مع مسار منفصل لمعالجة ملف الأسرى.
الجديد في الطرح المصري، الذي عدّه متابعون "طرحاً مهماً"، هو إدراج بند إعادة الإعمار ضمن سلة الحل، مدعوماً بآلية تنفيذ ذات طابع عربي–إقليمي–دولي، وبرعاية محتملة من الأمم المتحدة، ما يمنح المقترح بعداً عملياً إضافياً. وسبق لـ"حزب الله" أن اطّلع على مسودة أولية، ثم أحالها إلى الرئيس بري، الذي أبدى استعداداً لمناقشتها.
وبشكل موازٍ، يحاول المصريون، من خلال مسعاهم الجديد، إقناع كل من تل أبيب وواشنطن بأن المقترح أعلاه يحمل في مضامينه الضمانات التي تحتاجها جميع الأطراف، ويمكن أن يشكل مادة أساسية للتفاوض. ويتعيّن، عند الوصول إلى إقراره، أن يُوقَّع بشكل رسمي ومباشر. ويُفهم أن المسعى المصري يقوم على توفير مادة للتفاوض، وترحيل لقاء نتنياهو – عون إلى نهاية مسار التفاوض المباشر لا بدايته. وفي الأثناء، تقترح القاهرة استضافة جولات التفاوض المباشر بين لبنان وإسرائيل في شرم الشيخ، بمشاركة أميركية، على أن تضطلع بدور الضامن العربي. غير أن المؤشرات لا توحي بحماسة أميركية أو إسرائيلية لهذا المسار. ويترافق الحراك المصري مع تعديلات في البنية الأمنية داخل السفارة المصرية في بيروت، ما يعكس توجهاً لإعادة التموضع على الساحة اللبنانية.
عبد الله قمح - اساس ميديا
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|