كواليس هدنة العشرة أيام: إخراج متفق عليه انطلق من إسلام أباد
في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، بدا لبنان كأنه يقف على تقاطع مسارات متضاربة: بين محاولة تثبيت دور الدولة، وضغوط الاصطفافات الإقليمية، وسعي القوى الدولية إلى إدارة الصراع لا حسمه. إعلان وقف إطلاق النار لم يكن مجرد حدث أمني عابر، بل اختبارًا دقيقًا لموقع لبنان في معادلة تتجاوز حدوده، حيث تختلط الوقائع الميدانية بالحسابات السياسية، وتُرسم الخطوط الفاصلة بين الداخل والخارج بدقة شديدة.
بالشكل، قد يكون لبنان نجح في تكريس فصل المسارات بينه وبين إيران في خطة إعلان وقف العدوان الإسرائيلي لفترة عشرة أيام. وخلال ساعات النهار، ظهرت مقاربتان مختلفتان، بحيث سعى كل طرف إلى استثمار لحظة الإعلان لصالحه واعتبار نفسه صاحب الفضل في ذلك. سباق محموم عبّر عنه اتصال رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف برئيس مجلس النواب نبيه بري، ثم اتصال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، الذي مهّد لاتصال الرئيس الأميركي دونالد ترامب برئيس الجمهورية جوزاف عون.
إعلان وقف النار من بعبدا لم يلغِ حقيقة أن وقف إطلاق النار جاء حصيلة الاتفاق أو المباحثات الإيرانية–الأميركية بوساطة باكستان، مع بروز دور مهم للمملكة العربية السعودية، التي كانت حاضرة في التواصل مع رئيس مجلس النواب نبيه بري والاتفاق معه على تفاصيل ما يتم بلورته لمرحلة ما بعد وقف النار، والتسوية التي يمكن أن تُبنى على الاتفاق الأميركي–الإيراني.
وقائع متسارعة شهدها يوم أمس سبقت وقف النار، ومهّدت للإعلان عنه. لعب فيها رئيس مجلس النواب دورًا بارزًا، سواء في التواصل مع السعودية أو مع إيران، بينما التزمت الولايات المتحدة بنصيحة سفيرها في لبنان ميشال عيسى، بأهمية تكريس فصل لبنان عن إيران عبر إعلان وقف النار من بعبدا، وليس من طهران أو عبر حلفائها. والدليل أن عين التينة تبلّغت، وكذلك حزب الله، لكن أيًا منهما لم يعلن وقف النار، بانتظار الإعلان الأميركي الرسمي، لكونه سيكون ملزمًا للجانب الإسرائيلي.
وقائع سبقت إعلان وقف النار وتلته
بدأ النهار حاميًا بإعلان ترامب عن اتصال سيجمع عون برئيس وزراء إسرائيل.
اتصل مستشار رئيس الجمهورية بمستشار رئيس مجلس النواب نبيه بري، مبلّغًا أن الرئيس يريد إبلاغ رئيس المجلس بالطلب الأميركي بأن يجري اتصالاً يجمعه مع نتنياهو، بوساطة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو. فجاء جواب بري محذرًا من ارتكاب خطأ كهذا، واعتبار خطوة من هذا النوع ناقصة وخطرة. ونظرًا لخطورة الموقف، وخشية عدم اقتناع عون برأيه، استعان بري برئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط، الذي أوفد من يحذّر عون من خطوة قد تؤدي حكمًا إلى اندلاع حرب أهلية. في هذا الوقت، كانت مواقع التواصل تضج بعبارات الاستنكار والشجب، خصوصًا أن الخطوة المطلوبة تزامنت مع عدوان إسرائيلي مستمر على الجنوب. بعدها، شهدت بعبدا اتصالات من جهات عدة تنبّه إلى خطورة الخطوة، كما نُقل إلى عون أن الشارع جاهز للاعتراض.
أعلنت بعبدا عن اتصال روبيو، ونوّهت بإيجابية ما نتج عنه. وبعد ساعات قليلة، أُعلن عن اتصال ترامب برئيس الجمهورية، والذي كان قد مهّد له وزير الخارجية الأميركي. وكانت الخشية هنا من أن يجمع ترامب نتنياهو في الاتصال. إلا أن الاتصال مرّ على خير، وأعلن ترامب عن وقف نار قريب، من دون تحديد موعده، قبل أن يعود ويعلنه لاحقًا عبر منصته على "تويتر".
خلال الاتصال مع روبيو، أبلغ عون تحفظه على الاتصال مع نتنياهو، مؤكدًا ضرورة تحصيل وقف النار وإعلانه من خلال الدولة، وفصل مسار لبنان عن إيران. وقبل ذلك، كان سفير لبنان في واشنطن ميشال عيسى يشرح الأمر لنتنياهو، ويطلب منحه إلى رئيس الجمهورية اللبنانية، كي لا يظهر الأمر بمثابة انتصار لحزب الله وإيران في لبنان.
كما اتصلت سفيرة لبنان في واشنطن ندى معوض، مبلّغة عون أن الاتصال سيتم عبر وزير الخارجية الأميركي وبواسطته، ونقلت إليه نتائج اجتماع ترامب مع عيسى وروبيو. مرّ "القطوع"، وأعلن ترامب وقف النار. محادثة مختصرة أراحت بعبدا ومنحتها دورًا في إعلان وقف النار. وبعد اتصال ترامب، اتصل عون برئيس مجلس النواب مبلّغًا بنتيجة الاتصال، فأجابه بري أن قاليباف كان قد سبقه إلى إبلاغه، من دون تحديد التوقيت.
لم تكن عين التينة بعيدة عن أجواء الاتفاق. فقد اتصل رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف ببرّي، مبلّغًا أن اتفاق وقف النار قد تبلور، وأن ترامب سيتصل برئيس الجمهورية لإبلاغه بذلك. كما أبلغه أن إيران تؤكد أن لبنان جزء من أي اتفاق أميركي–إيراني في المنطقة، ووضعه في تفاصيل المباحثات بين إيران والولايات المتحدة، والتي قطعت شوطًا، كما أبلغه أن طهران غير راضية عن مبلغ التعويضات الذي حددته الولايات المتحدة بـ 250 مليار دولار، وهو أقل من التعويض المستحق نتيجة العدوان.
كما تلقى بري اتصالًا من رئيس الحكومة نواف سلام، أبلغه فيه بالاتصال بين عون وترامب، قبل أن يتلقى اتصال عون نفسه.
رئيس المجلس، الذي كان أقلقه احتمال اتصال بين عون ونتنياهو، بدا أكثر ارتياحًا بعد الظهر، عقب اتصال عون لإبلاغه نتائج الاتصال مع ترامب، ثم تلقيه اتصالًا من الأمير السعودي يزيد بن فرحان، أطلعه فيه على نتائج الاتصالات التي أفضت إلى وقف النار في لبنان. وكان بري قد تبلّغ أيضًا من معاونه السياسي علي حسن خليل نتائج لقاءاته في المملكة العربية السعودية، والتي تناولت مرحلة ما بعد الاتفاق في المنطقة وترتيبات وقف النار.
كان من المفترض أن يُعلن وقف النار من عين التينة، لكن المخرج، وفق الاتفاق الإيراني–الأميركي–السعودي، قضى بإعلانه من بعبدا. وتروي مصادر معنية أن باكستان لعبت دورًا في الاتصالات بين إيران والولايات المتحدة لتحقيق وقف النار. فوافقت واشنطن، وأبلغت طهران عبر إسلام آباد، ليتصل بعدها قاليباف ويبلغ بأن هناك اتجاهًا أميركيًا للتوصل إلى وقف النار، من دون تحديد موعده.
وكان المطلوب أن يتزامن ذلك مع العودة إلى طاولة المفاوضات الأميركية–الإيرانية، المقررة مبدئيًا يوم الاثنين المقبل. وعندما اتصل ترامب بعون، أبلغه بوقف النار من دون تحديد توقيته، قبل أن يعلنه لاحقًا بعد تواصله مع نتنياهو. كما لعبت السعودية دورًا بارزًا وإيجابيًا في تحقيق الهدنة.
على توقيت ترامب، أُعلنت الهدنة. وقد حاول استثمار لحظة الإعلان بتأمين تواصل بين عون ونتنياهو، إلا أن التحفظات التي أبلغتها بعبدا إلى روبيو حالت دون ذلك، فجرى الاستعاضة بوعد من ترامب بترتيب لقاء يجمعهما في البيت الأبيض.
موقف حزب الله: نلتزم، ولكن
يؤكد حزب الله التزامه بالاتفاق ما دام شاملاً، ولا يمنح حرية حركة للجانب الإسرائيلي. لكنه يشدد في الوقت نفسه على أن بقاء الاحتلال يكرّس حق المقاومة. ويُنظر إلى هذا الالتزام على أنه منح فرصة للمفاوضات الإقليمية، التي ستُستأنف في إسلام آباد، بهدف التوصل إلى اتفاقات شاملة تحقق المطالب اللبنانية.
خرج حزب الله مرتاحًا من المعركة، رغم فداحة الخسائر في صفوف عناصره وبيئته المنكوبة. وفي قراءته، تُعدّ هذه الحرب قد أعادت له الاعتبار وكرّست دوره الإقليمي كما الداخلي، وسيكون حاضرًا في التسوية الجاري التحضير لها في المنطقة. وانشغل في إحصاء اعتراضات إسرائيل وإعلامها، الذي اتهم نتنياهو بالتواطؤ والخذلان.
فتحت الطريق إلى استئناف المفاوضات في إسلام آباد الباب أمام وقف النار في لبنان، لكن مع استمرار الاحتلال، يبقى السؤال: هل ستفضي هذه المفاوضات إلى تحقيق الاستقرار في المنطقة وإنهاء الحروب التي أشعلتها إسرائيل؟ وإذا كان عون قد نجا من الاتصال مع نتنياهو، فهل يورّطه ترامب لاحقًا بلقاء يجمعه برئيس وزراء إسرائيل في البيت الأبيض؟
بين هدنة مُعلنة وتسوية مؤجلة، يثبت لبنان مرة جديدة أنه ساحة تتقاطع فوقها الإرادات أكثر مما تُصنع فيها القرارات. ما تحقق هو وقف مؤقت للنار، لا أكثر. أما ما لم يُحسم بعد، فهو الأخطر: من يملك قرار الحرب والسلم، وأين يُصاغ مستقبل هذا البلد، في بعبدا، أم على طاولات التفاوض البعيدة؟
غادة حلاوي - المدن
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|