إقتصاد

سوريا: اقتصاد الظل ينمو... احتكار وتخزين وتسعير بالخوف

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

تفرض التطورات الجيوسياسية المتلاحقة في المنطقة واقعاً اقتصادياً معقداً على الداخل السوري، يتجاوز في آثاره المباشرة حدود الترقب العسكري. فبينما كان المشهد السوري يتهيأ لاستثمار مخرجات الانفراجات السياسية الأولية، جاءت اضطرابات سلاسل التوريد وارتفاع أكلاف الطاقة العالمية لتعيد رسم أولويات السوق المحلية. هذه المتغيرات وضعت الفاعلين الاقتصاديين أمام تحديات بنيوية، برزت من خلالها أنماط جديدة من "اقتصاد الظل" والمضاربات الاستباقية التي تكيفت سريعاً مع حالة عدم اليقين الإقليمي.

لقد دخل الاقتصاد السوري مرحلة من "الواقعية التقنية" الصعبة. إذ تتقاطع كلف الشحن والتأمين المرتفعة مع آليات تسعير داخلية تعتمد "هوامش أمان" كبيرة، ما خلق فجوة واضحة بين القدرة الشرائية المتهالكة وواقع الأسعار في الأسواق. وفي ظل هذا المشهد، تبرز تساؤلات جوهرية حول قدرة الأدوات الرقابية التقليدية على ملاحقة ديناميكيات السوق الحرة، وحول مدى تأثير "القوى غير الرسمية" في توجيه دفّة العرض والطلب بعيداً عن الأطر المؤسساتية.

التضخم المستورد 

في تصريح خاص لـِ "المدن"، يشير الخبير الاقتصادي ورئيس مجلس النهضة السوري عامر ديب إلى أن وصول أسعار النفط إلى مستويات برنت الحالية يخلق مفارقة مؤلمة؛ فبينما كان الانتظار لـِ "حصاد" الانفراج السياسي ورفع قانون قيصر، جاءت تكاليف الطاقة العالمية لتعيد ضبط العداد ضمن سيناريو "التضخم المستورد". ويقول ديب "إن ارتفاع سعر برنت يعني زيادة تكلفة الشحن والإنتاج عالمياً. وبالنسبة لسوريا، فإن هذا الواقع قد يمتص جزءاً كبيراً من الوفورات المالية الناتجة عن تخفيف العقوبات، إذ تذهب مكاسب الانفراج لتمويل فاتورة الطاقة المتضخمة بدلاً من التنمية". ويرى ديب أن رفع قانون قيصر يسهل التدفقات المالية، لكنه لا يخفض الأسعار العالمية، وهذا ما يولّد تضخماً مركباً ناتجاً عن تراجع الليرة وارتفاع أسعار الطاقة وغياب حوكمة شفافة للاستثمار، بالرغم من أهمية المراسيم الرئاسية الصادرة.

وهذا ما أكده تقنياً رئيس لجنة الطاقة والغاز الطبيعي في غرفة صناعة دمشق وريفها الدكتور محمد أورفه لي، في حديثه مع "المدن"، بقوله: "لا شك في أن جميع السلع مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالنفط. فالنفط هو العصب الاقتصادي لجميع الأعمال، وعلى رأس تلك النفقات النقل". ويضيف أورفه لي: " جميع البضائع تتطلب النقل من مكان التصنيع إلى مكان الاستهلاك، وجميع المواد الأولية تتطلب استهلاكاً كبيراً للنفط الذي يدخل في الزراعة والصناعة وحتى التجارة". 

النفط يقود سلسلة التضخم

ويوضح أورفه لي خطورة المشهد الجيوسياسي قائلاً: "إن علِمنا أن 20% من نفط العالم يخرج من هرمز، تتضح لنا الدائرة الأكبر وارتفاع أسعار النفط الحتمي. فوفق نظرية العرض والطلب، نجد أن المعروض أضحى أقل من المطلوب، فارتفعت أسعار النفط واستشاطت، وانعكست مباشرة على التكاليف، وارتفعت تلك التكاليف ارتفاعاً مخيفاً، فانعكس ذلك على المستهلك النهائي". ويرى أورفه لي أن اللوم لا يقع دوماً على البائع المباشر: "قد يعتقد البعض أن البائع رفع أسعاره، لكنه لا يعلم بأن من يورد للبائع أيضاً رفع أسعاره عبر سلسلة تصل في الختام لاستهلاك النفط".

ويلفت رئيس لجنة الطاقة إلى معضلة السياسات الاقتصادية الجديدة: "بعد سياسة الانفتاح التي قامت بها الحكومة الجديدة تدمرت الصناعات الوطنية وسجل الميزان التجاري اختلالاً واضحاً لمصلحة الواردات، الأمر الذي انعكس على الليرة وعلى القدرة الشرائية؛ فأضحى في بعض الحالات الجمل بقرش، ولا نجد في جيوب الناس هذا القرش".

تحديات اللوجستيات وسيطرة القوى غير الرسمية

بالتوازي، تواجه الطموحات بتحويل سوريا إلى مركز ثقل تجاري عقبات تقنية وأمنية ملموسة. فالمرافئ بحاجة إلى تحديث شامل، والربط النفطي مع العراق عبر الأنابيب يصطدم بتكاليف صيانة باهظة وحاجة لحماية أمنية مكثفة. 

وفي الداخل، يبرز الدور التنفيذي لـِ "السورية للبترول" كنهج مركزي يرى ديب أنه يحيّد القطاع الخاص الوطني ذا المرونة العالية، ما أدى إلى نزيف القطع الأجنبي ثمناً للمستوردات بأسعار فورية. هذا الفراغ استغلته قوى لوجستية محتكرة. إذ تؤكد التقديرات الميدانية وأوساط صناعية متقاطعة أن تكاليف النقل الداخلي والإتاوات غير الرسمية باتت تشكل 30% من قيمة المنتج النهائي. 

وترافق ذلك مع رصد لحالات "تجفيف ممنهج" للأسواق، تقوم بسحب السلع الأساسية وتخزينها لخلق ندرة اصطناعية، ما قفز بتكلفة سلة الغذاء للأسرة لتتجاوز 5 ملايين ليرة شهرياً، وهو رقم يفوق القدرة الشرائية لـِ 90% من السكان، في اتساق مع التحذيرات المستمرة لمنظمات (الفاو) وبرنامج الأغذية العالمي حول تفاقم انعدام الأمن الغذائي الحاد لمطلع عام 2026

تجار الأزمات: "السعر الاحتياطي" وغرف الواتساب

وفي كشف لآليات عمل السوق السوداء، يوضح أمين سر جمعية حماية المستهلك، عبد الرزاق حبزة لـِ "المدن"، أن التجار يستغلون الحروب والتغيرات الإقليمية فوراً، إذ "يعرف التجار فوراً كيف تؤكل الكتف". ويضيف حبزة: "الرأسمال جبان، والتجار يحاولون دوماً أخذ احتياطاتهم أولاً من حيث سعر الصرف على أساس سوق حرة، فيقومون بالتحكم بالسعر ويرفعونه ويصرفونه على السعر الذي يناسبهم".

ويشير حبزة إلى تعدد حلقات الوساطة كعامل رفع إضافي، إضافة إلى ما وصفه بـِ  "الاتفاق الضمني" بين التجار على رفع الأسعار أو ثباتها. ويؤكد أن الانتقال للسوق الحرة ساعد هؤلاء التجار لغياب التسعيرة المحددة الملزمة، موضحاً: "طالبنا سابقاً بسعر تأشيري ملزم، لكن ما صدر ليس ملزماً، والدور الحكومي يقتصر على إعلان التسعيرة فقط".

وحول وفرة المواد، يؤكد حبزة: "لا شيء يجبر التجار على طرح موادهم في السوق باستثناء تلك المدعومة. والتاجر يتحكم بالمواد حسب مصلحته. فهناك قلة في انسيابية المواد، والتاجر لا يمتنع عن البيع (هرباً من المخالفة) بل يقلل الكميات ليرفع السعر". وكشف حبزة عن أسلوب التنسيق الحديث: "التجار يتواصلون عبر واتساب ويتفقون على نشرة معينة للأسعار والمعروض وتقليل الكميات، والرقابة التموينية غير قادرة على ضبط هذا الموضوع".

ديناميكيات السوق السوداء وبورصة الشائعات

في ظل هذه الضغوط، ينمو اقتصاد الظل مستفيداً من حالة القلق وتذبذب سلاسل التوريد. وبناءً على واقع الأسواق لمطلع العام 2026، تبرز ظاهرة "التضخم السلوكي" كلاعب أساسي. إذ تشير تقديرات المراقبين والخبراء إلى أن ما يصل إلى 70% من تقلبات الأسعار ناتجة عن "عامل الخوف" والمضاربة الاستباقية، وليس النقص الحقيقي في التوريدات، وهو ما يفسر قفزات أسعار السلع الغذائية بنحو 45% بالرغم من وجود مخازين استوردت بعقود قديمة.

ويعزو حبزة هذا الارتفاع إلى اعتماد التجار "سعراً احتياطياً مستقبلياً" يتجاوز السعر الرسمي وسعر السوق السوداء، تحسباً لأي تدهور إضافي. ومع تلاشي المفعول التسكيني لحوالات المغتربين، تزايد ضغط المستوردين على القطع الأجنبي لتغطية تكاليف الشحن التي قفزت بنسبة 60% نتيجة اضطراب الممرات المائية والمخاطر الإقليمية.

أدوات التعافي ومعايرة مؤشرات السوق

في المحصلة، إن الطريق نحو الاستقرار يتطلب، حسب رؤية عامر ديب، تفكيك الاحتكارات اللوجستية وتحويل مؤسسة النفط من مشغل إلى ناظم ومراقب، مع منح القطاع الخاص دوراً قيادياً في تأهيل البنية التحتية. ويقترح ديب اعتماد آلية لمعايرة الاستيراد والتصدير وفق مؤشر سعري، بحيث يمنع تصدير السلعة عند ارتفاع سعرها محلياً، ويفتح التصدير المقنّن عند انخفاضها لمستوى معين، بالتوازي مع دعم الإنتاج المحلي. من دون هذه الإجراءات، قد يبقى الانفراج السياسي عاجزاً عن مواجهة "التضخم الركودي"، ويبقى الاقتصاد رهينة بيد قوى غير رسمية تمتلك سيولة وقدرة على التحكم بالمنافذ والأسعار بعيداً عن الأطر المؤسساتية التقليدية، وهو ما يحذر منه الخبراء كونه سيؤدي إلى تحويل الاقتصاد السوري إلى نظام "غسيل أزمات" يرسخ نفوذ قناصي الفرص على حساب التنمية الوطنية الشاملة.

رهام علي - المدن

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا