إسرائيل تفصل لبنان عن الهدنة بضربات صاعقة...
كان من المتوقع أن يتقدم حدث التوصل إلى هدنة أميركية- إيرانية بوساطة باكستانية صدارة المشهد الدولي برمته أمس، فإذ بجحيم ضرب لبنان بعد ساعات من سريان الهدنة ففرضت النار اللاهبة في لبنان حدثاً مدوياً تجاوزت اخطاره وتداعياته كل التقديرات.
وإذا كانت الساعات الفاصلة بين إعلان التوصل إلى الهدنة الأميركية- الإيرانية وعودة الغارات الإسرائيلية على المناطق اللبنانية، شكّلت إنذاراً مبكراً إلى سقوط ربط الحرب في لبنان بالهدنة ومن بعدها المفاوضات الأميركية الإيرانية، فإن الاجتياح الجوي المباغت والصاعق والدموي الذي نفذته عشرات القاذفات الحربية الإسرائيلية في سماوات بيروت والضاحية والبقاع والجنوب وبعض جبل لبنان، على نحو غير مسبوق، شكّل بدوره الإسقاط الناري الأعنف والأشرس لربط الجبهة اللبنانية بالجبهة الإيرانية، علماً أن المعطيات الإسرائيلية عن هذه الضربة غير المسبوقة تحدثت عن 100 هدف لـ"حزب الله" ومئات العناصر، فيما الواقع المدني على الأرض أفضى إلى مجزرة وجحيم سقط فيه عشرات الضحايا ومئات المصابين والجرحى استعاد معه اللبنانيون مشهد انفجار مرفأ بيروت وإنما ليس في بيروت وحدها بل معمماً هذه المرة على الكثير من المناطق اللبنانية.
وقد ارتفعت أرقام المجزرة إلى مستويات صادمة قياسية، إذ أفادت حصيلة أوّلية غير نهائية في بيروت والمناطق عن سقوط أكثر من 182 ضحية و890 جريحاً، فيما تعذّر إحصاء مجمل الضحايا والمصابين حتى ساعات الليل في سائر المناطق في مشهد كارثي عمّ المستشفيات والمراكز الصحية. ومساءً تجددت الغارات على بيروت واستهدفت مبنى في منطقة فردان، ما أدى إلى انهياره ووقوع إصابات.
وإذ كان لبنان الرسمي انشغل صباحاً بمحاولات معرفة ما إذا كانت الحرب الدائرة في لبنان ستربط بمصير الهدنة، انقلب الوضع رأساً على عقب بعد الضربات الصاعقة ليغدو الهمّ الأساسي مركّزاً على احتواء الكارثة الإنسانية ومن ثم تقصي ما يمكن أن يحصل لاحقا مع بدء "حزب الله" الردّ بإطلاق الصواريخ من الجنوب، بعدما كان أوقف النار من جانب واحد. كما أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب نفسه تطرّق إلى التطورات اللبنانية، فأعلن أنه "بسبب حزب الله لم يكن لبنان مشمولًا بالاتفاق، واستمرار الضربات الإسرائيلية سيتمّ التعامل معه لاحقًا". كما أكد بأن "إيران تعلم أن لبنان خارج اتفاق وقف النار"، ولفت إلى أنّ "ما يحدث في لبنان مناوشة منفصلة عن الصراع المباشر مع إيران".
وفي السياق، أكدت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت بأن "لبنان ليس جزءًا من اتفاق وقف إطلاق النار".
وقد وصفت إسرائيل ضرباتها أمس بأنها الأكبر على "حزب الله" منذ عملية البيجر، وهدّد رئيس الأركان إيال زامير باستمرار ما سمّاه عملية "الظلام الأبدي"، في حين أعلن وزير الدفاع أنّ "مئات من عناصر "حزب الله" تعرّضوا لهجوم مفاجئ على مقارّهم في لبنان".
وأعلن الجيش الإسرائيلي على لسان المتحدث باسمه أفيخاي أدرعي أنه "نفّذ أكبر ضربة في أنحاء لبنان منذ بدء عملية زئير الأسد، فخلال 10 دقائق وفي مناطق عدة بالتزامن أنجز الجيش الإسرائيلي ضربة استهدفت نحو 100 مقر وبنية تحتية عسكرية تابعة لحزب الله في أنحاء بيروت والبقاع وجنوب لبنان".
وإذ أطلق الجيش الإسرائيلي اسم "الظلام الأبدي" على حربه ضد "حزب الله" تحدثت وسائل إعلام إسرائيلية عن أن 50 طائرة حربية شاركت بإلقاء 160 قنبلة على لبنان. وأعلنت القناة 12 الإسرائيلية أن من بين الاستهدافات في لبنان مقر الطوارئ للأمين العام لـ"حزب الله" الشيخ نعيم قاسم مع احتمال عدم وجوده في المكان. وقد نعى "حزب الله" الشيخ صادق النابلسي الذي قضى في الغارات التي طاولت صيدا. وذكر أن إحدى الغارات الإسرائيلية على بيروت استهدفت نائب رئيس المجلس السياسي في "حزب الله" محمود قماطي.
وأعلن وزير الدفاع الإسرائيلي استهداف مئات من مقاتلي "حزب الله" في غارات على لبنان، مضيفاً: "سيأتي دور نعيم قاسم قريبا". وقال: "أصررنا على فصل الحرب مع إيران عن القتال في لبنان من أجل تغيير الواقع في لبنان وإزالة التهديدات التي تواجه شمال إسرائيل". وأضاف: "مئات من عناصر "حزب الله" تعرّضوا لهجوم مفاجئ على مقارّهم في لبنان في أكبر ضربة". وقالت وسائل إعلام إسرائيلية أن "الجيش الإسرائيلي سيضرب بدون انذارات في لبنان خلال ال 48 ساعة القادمة".
وفي الجانب السياسي الذي واكب إعلان الهدنة الأميركية الإيرانية، أوضح مصدر حكومي لبناني بأن لبنان لم يتبلغ أمس شموله بوقف إطلاق النار بين طهران وواشنطن. وأضاف أن رئيس الجمهورية جوزف عون أجرى اتصالات دولية مع عدد من المسؤولين، بينهم الرئيس الفرنسي، من أجل شمول لبنان في اتفاق وقف إطلاق النار. كما أعلنت مصادر ديبلوماسية أن إيران أدرجت ضمن بنودها وقف الأعمال العدائية على الجبهات كافة لكن إسرائيل رفضت أن تشمل الهدنة لبنان.
وقالت إن شكل استمرار الحرب على لبنان غير مفهوم حتى الآن، ومن غير الواضح ما إذا كانت ستتوقف الغارات على بيروت ونعود إلى "وضع ما بعد اتفاق تشرين". وأضافت المصادر أن اسرائيل لا توافق على عودة أهالي الجنوب إلى قراهم قبيل نزع السلاح، لذلك الجيش اللبناني دعا المواطنين إلى التريث في العودة مشيرة إلى أن الشروط الإسرائيلية لإنهاء الحرب على لبنان بشكل كامل لم تتغيّر وتحديداً في نزع سلاح "حزب الله". ولفتت إلى أن الهدنة بين أميركا وإسرائيل تمهّد لفتح باب التفاوض في لبنان على آلية وقف الحرب بناء على نزع سلاح الحزب من جهة والانسحاب الإسرائيلي من جهة ثانية.
وفي المواقف الرسمية من المجزرة التي حصلت أمس، اعتبر رئيس الجمهورية جوزف عون "أنّ هذه الاعتداءات الهمجيّة، التي لا تعرف الحقّ ولا تحترم أيّ اتفاقات أو تعهّدات، قد أثبتت مرارًا وتكرارًا استخفافها بكل القوانين والأعراف الدولية". وقال، "إنّ هذا التصعيد الخطير يُحمّل الإسرائيلي كامل المسؤولية عن تداعياته، ونؤكد أنّ استمرار هذه السياسات العدوانية لن يؤدي إلا إلى مزيد من التوتر وانعدام الاستقرار، في وقتٍ أحوج ما يكون فيه الجميع إلى التهدئة واحترام الالتزامات. وإذ ندين هذه الجريمة بأشدّ العبارات، نؤكد ضرورة تحمّل المجتمع الدولي مسؤولياته لوقف هذه الاعتداءات المتكررة، ووضع حدٍّ لهذا النهج العدواني الذي يهدّد الأمن والاستقرار في المنطقة".
وقال رئيس مجلس نواب نبيه بري: "جريمة اليوم المتزامنة مع اتفاق وقف النار الذي أعلن في المنطقة ولم تلتزم به إسرائيل ومستوياتها السياسية والأمنية، هو اختبار جدي للمجتمع الدولي وتحدٍ صارخ لكل القوانين والأعراف والمواثيق الدولية التي تغتالها إسرائيل يومياً من خلال إمعانها باغتيال الإنسان على نحو غير مسبوق في التاريخ المعاصر، وهي بنفس الوقت اختبار لكل اللبنانيين قيادات سياسية وروحية وأهلية للتوحد خلف الدماء".
وكان بري أجرى اتصالاً بالسفير الباكستاني لدى لبنان سلمان أطهر، طالباً منه "نقل الوقائع بعدم التزام إسرائيل بالاتفاق ومواصلة عدوانها على لبنان وبخاصة في الجنوب".
من جهته، قال رئيس الحكومة نواف سلام: "في حين رحّبنا بالاتفاق بين إيران والولايات المتحدة الأميركية، وكثّفنا جهودنا للتوصّل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في لبنان، تواصل إسرائيل توسيع اعتداءاتها التي طالت أحياء سكنية مكتظّة، وراح ضحيتها مدنيون عزّل، في مختلف أنحاء لبنان، ولا سيّما في العاصمة بيروت، غير آبهة بكل المساعي الإقليمية والدولية لوقف الحرب، ناهيك عن ضربها عرض الحائط بمبادئ القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني، التي لم تحترمها يومًا أصلًا وجميع أصدقاء لبنان مدعوون إلى مساعدتنا على وقف هذه الاعتداءات بكل الوسائل المتاحة".
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|