محليات

لماذا أطلق رئيس الجمهورية موقفه الناري من بكركي بالذات؟

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

فتح رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، عبر تصريحه الناري من على درجات بكركي، باب المناقشات واسعًا، سواء بالنسبة إلى جدوى الحرب، التي لم تجلب للبنان سوى القتل والخراب والدمار والتهجير والتشريد والاحتلال، أو بالنسبة إلى الحلول الديبلوماسية، التي لا تزال ممكنة، لتجنيب البلد وأهله المزيد من المآسي والكوارث، وصولًا إلى مفاوضات مباشرة أو بالواسطة مع

إسرائيل في محاولة لوضع حد لآلة القتل المتحركة، ولضرب بؤر الفتن، التي بدأت تطّل برأسها، والتي قد تكون نتائجها المباشرة كارثية بكل ما في الكلمة من معنى، لأنها أخطر من الحرب بحدّ ذاتها.
وبين منطقين يتقاسمان البلد. الأول يؤيد ما قاله الرئيس عون في عيد الفصح، وهم الأغلبية الساحقة من اللبنانيين، الذين لا يؤمنون بأن الحرب بكل أشكالها، سواء تلك التي ساندت غزة الجريحة والنازفة، أو تلك التي شُنت ثأرًا لاغتيال السيد علي خامنئي، قد أدخلت لبنان في مشاكل كان في غنىً عنها. وهذا لا يعني تبرئة إسرائيل من أطماعها التاريخية بلبنان وبمياهه.

أمّا القسم الثاني من اللبنانيين، وهم أقلية، فيرى أن الديبلوماسية لم تؤدِّ على مدى سنوات سوى إلى إعطاء تل أبيب المزيد من الذرائع لاستضعاف لبنان، و"استيطاء حيطه"، وتبرير اعتداءاتها المتواصلة حتى بعد اتفاق وقف إطلاق النار.

وإذا كان سؤال الرئيس عون لـ "حزب الله" عمّا استفاد لبنان من الحرب، التي جرّه إليها في نظر كثيرين، قد وضع الأصبع على الجرح اللبناني النازف، فإنه من وجهة نظر الذين يصرّون على مواصلة هذه الحرب من دون هوادة، هو موقف من شأنه اضعاف لبنان أمام عدّو لا يقيم وزنًا لأي اتفاق، ولا يلتزم بالمواثيق الدولية، وهو بالتالي لا يفهم إلاّ لغة النار والبارود، التي جعلت حياة الإسرائيليين في الشمال كما في العمق غير آمنة.

 في المقابل تعتبر أوساط سياسية محايدة أن الموقف الذي أطلقه رئيس الجمهورية يعكس بما لا يقبل الشك بلوغ لبنان ذروة خطورة تداعيات الحرب، ولكنه يؤشر أيضاً إلى حجم العزلة السياسية غير المسبوقة التي يواجهها "حزب الله"، إذ أعاد تثبيت دعائم موقف الدولة الرافض للحرب بما لا يمكن المجتمع الدولي الوقوف حياله موقفاً متجاهلا.

وفي رأي هذه الأوساط أن الرئيس عون تقصّد إطلاق موقفه الحاسم والجازم من الصرح البطريركي بالذات في إشارة منه إلى ما تعنيه بكركي في الوجدان الوطني، وبما تؤّمنه هذه المرجعية الوطنية من غطاء سياسي لأي موقف، خصوصًا إذا كان يشكّل محطة مفصلية، إذ أكد التمسك بالثوابت الوطنية والسيادية، ما يثبت مجدّدًا أنّ القرار الرسمي اللبناني قد تحرّر من عقدة "الدونية" تجاه سلاح "حزب الله"، الذي صادر قرار الحرب والسلم.

لكن المشكلة في لبنان لم تكن يومًا في الاختيار النظري بين الحرب والديبلوماسية، بل في من يملك قرار اختيار الحرب أو الديبلوماسية. فالدول الطبيعية تقرر متى تحارب ومتى تفاوض، أما لبنان فكان يُؤخذ دائمًا إلى الحرب من دون أن يكون له فيها أي قرار، ويُترك وحيدًا في التفاوض من دون أن يمتلك أوراق القوة.

التاريخ اللبناني منذ الاستقلال حتى اليوم يكاد يختصر بهذه المعادلة: حروب كثيرة، نتائج قليلة، وديبلوماسية متأخرة تأتي بعد الخراب لا قبله. وفي كل مرة كان اللبنانيون يدفعون الثمن من بيوتهم، ومن اقتصادهم، ومن استقرارهم، ومن مستقبل أولادهم.

لا أحد يقول إن الديبلوماسية وحدها تحمي بلدًا، ولا أحد يستطيع أن يقول إن الحرب بنت دولة في لبنان. فالحرب في لبنان لم تؤدِّ يومًا إلى انتصار نهائي، كما أن الديبلوماسية لم تُطبَّق يومًا من موقع قوة كاملة. ولذلك بقي لبنان عالقًا بين حرب لا تنهي الصراع، وديبلوماسية لا تبني سلامًا.

السؤال الذي طرحه رئيس الجمهورية ليس سؤالًا عابرًا، بل سؤال وجودي للبنان: هل نريد بلدًا يعيش على الحروب، أم بلدًا يعيش على التوازنات لداخلية والدولية والإقليمية، هل نريد دولة تقرر الحرب عندما تريد، أم ساحة تُفرض عليها الحروب،

هل نريد الانتصارات بالشعارات، أم الاستقرار الذي يبني دولة واقتصادًا ومستقبلًا؟

قد يختلف اللبنانيون على الكثير من العناوين السياسية، وعلى موضع السلاح، وعلى الصراعات الإقليمية، لكن ما لا يجب أن يختلفوا عليه هو أن لبنان بلد صغير لا يحتمل حروبًا كبيرة، وأن قوته الحقيقية لم تكن يومًا في الحروب، بل في قدرته على العيش، وعلى الاقتصاد، وعلى العلم، وعلى الانتشار في العالم.

وإذا كان قدر اللبنانيين أن يعيشوا على صفيح من الحروب الموسمية بكل أشكالها وأنواعها فإن الوقت قد حان لكي تُسمع كلمة كفى مآسٍ، وكفى كوارث، وكفى فتن متنقلة. وهذه الكلمة قيلت في بكركي وفي عيد الفصح.

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا