عين سعادة: الدولة متفرّجة و "خفافيش الممانعة" يتسلّلون ليلًا
تحت فاجعة تلال عين سعادة، العيون على حقيقة مرّة معقودة بخيبة أمل لدى اللبنانيين؛ وهي أن الدولة التي يؤمنون بها، ويعقدون كل آمالهم عليها تواصل خذلانهم، بعجزها عن حمايتهم. من تحت الأنقاض تم انتشال منسق "القوات اللبنانية" في يحشوش بيار معوّض وزوجته فلافيا وجارتهما رولا مطر. ثلاث ضحايا قضوا في "أحد القيامة"، فيما الدولة لا تزال تحت ركام الخوف والتردد. إجراءاتها في نزع سلاح "حزب الله" لم ترتقِ إلى مستوى قراراتها. بياناتها ومواقفها رمادية، تتلطّى خلف شعارات حماية "السلم الأهلي"، حيث نجحت العصابة الخارجة عن القانون في ليّ ذراعها وتقويض هيبتها.
وبين وهن الدولة، وتراخي بعض السلطات المحلية، يتسلل عناصر "الحزب" أو التابعون لـ "الحرس الثوري" وملحقاتهم كاللصوص إلى المناطق الآمنة والرافضة حروبهم. المفارقة، أن هؤلاء الذين يتبجحون بشعارات "البطولة والشرف والمقاومة" يفرون من الميدان ليحتموا ببيئاتٍ طالما خوّنوها وشيطنوها، محولين سكانها المناهضين لمشاريعهم إلى دروع بشرية في قمة الجبن والغدر.
أمام فاجعة عين سعادة التي هزت الوجدان اللبناني ورفعت منسوب القلق الشعبي من خطر بات يطرق أبواب البيوت الآمنة، في ظل اتساع رقعة الاستهدافات المرتبطة بتواجد عناصر وقيادات "الحزب"، أوضحت قيادة الجيش اللبناني في بيان أن "الشقة في منطقة عين سعادة - المتن تعرضت لاستهداف إسرائيلي معادٍ بقنبلتين من نوع GBU-39 الذي يطلَق من طائرة أو بارجة، في سياق العدوان الواسع على لبنان. وقد حضرت وحدة مختصة من الجيش إلى مكان الاعتداء وأجرت المسح الميداني لجمع الأدلة، وتَبين بالنتيجة أن القنبلتين اخترقتا سطح المبنى ثم الطابق الرابع، وانفجرتا في الطابق الثالث المستهدَف بالاعتداء، ما أدى إلى استشهاد ثلاثة مواطنين من سكان الطابق نفسه، وإصابة آخرين بجروح. كما أظهرت التحقيقات الأولية عدم وجود مستأجِرين جدد في المبنى. وفيما تَبيّن أن أحد الأشخاص شوهد وهو يغادر المبنى بواسطة دراجة نارية بعد الاعتداء مباشرة، يتواصل التحقيق لكشف هويته والوقوف على بقية التفاصيل".
في السياق، تشير معطيات لـ"نداء الوطن" إلى أن عملية فرار الشخص المشتبه به على دراجته النارية باتجاه منطقة "الدورة" لم تكن عفوية؛ فعندما حاول أحد المواطنين ملاحقته عبر دراجته أيضًا لتوقيفه، تبيّن أن الفار كان على اتصالٍ مباشر بـ "معاونين" سارع أحدهم لقطع الطريق واعتراض الشاب الملاحِق، مما أمن تغطية انسحاب المشتبه به.
ووسط تضارب المعلومات حول هوية المستهدف في عين سعادة حتى يوم أمس، أعلنت إذاعة الجيش الإسرائيلي، عن فشل محاولة اغتيال عنصر من "فيلق فلسطين" في قوّة القدس الإيرانيّة باستهداف الشقة. في موازاة ذلك، نقلت "نداء الوطن" عن سكان قاطنين في "المشروع الماروني" ملاحظتهم تحركات مريبة ليلًا في الشقة المستهدفة (الواقعة في الطابق الرابع فعليًا والثالث بحسب المصعد)، وهي الشقة التي تعلو سكن معوض مباشرة. كما أشار أحد القاطنين إلى أن الشخص الذي فرّ على دراجة نارية حيث كان الغبار يغطي وجهه وجسمه يثير الريبة، متسائلًا عن كيفية تمكنه من دخول البناية والخروج منها بهذه السرعة ما لم يكن يملك مفتاحًا إلكترونيًا أو يحظى بتسهيلات مباشرة من الداخل. هذا المعطى ينسف الروايات التي روجت بأن الشقة كانت "غير مأهولة"، خاصة مع تأكيد شهود عيان، تردد شقيقة صاحب الشقة "ل. إ." إليها. في المقابل أفادت معلومات بأنه تم العثور في المسكن إياه على مقتنيات شخصية قيد الاستخدام، ما يطرح علامات استفهام حول العلاقة بين أصحاب الشقة والمترددين إليها ليلًا. وفي معطيات ميدانية، كشفت المعلومات أن أحد الصاروخين اللذين استهدفا المبنى لم ينفجر واستقر في أسفله، ولولا العناية الإلهية لكان المبنى أمام كارثة محققة وحصيلة ضحايا تفوق التوقعات.
وتضع هذه الحادثة الملف في خانة التساؤلات المشروعة بانتظار حقائق شفافة بعيدًا من التمييع وتدوير الزوايا، لينضم هذا الغموض إلى سلسلة حوادث سابقة لم تقدم فيها الأجهزة الأمنية رواية متكاملة، كحادثة صاروخ كسروان، ومسيّرة آسيا (قضاء البترون)، وصاروخ مار روكز- الدكوانة.
جعجع يحمّل "الدولة العميقة" المسؤولية
تعليقًا على مأساة تلال عين سعادة، رفع رئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع سقف خطابه السياسي، محمّلًا ما أسماه بـ "الدولة العميقة" مسؤولية ترك اللبنانيين لمصيرهم بدلًا من مواجهتهم بالحقيقة. ورأى أن تحمّل الدولة مسؤولياتها منذ البداية كان ليجنب الجميع هذا المسار الانتحاري، مفندًا روايات التهويل بحرب أهلية؛ إذ أكد أن قيام الدولة بدورها لن يؤدي إلى صدام شامل بل إلى "إشكالات محدودة" تضبطها المؤسسات. كما دحض مقولة "الدولة المهترئة"، معتبرًا أنها قادرة على فرض هيبتها حين تقرر ذلك، تمامًا كما تفعل في مخالفات السير وفواتير الكهرباء، متسائلًا بمرارة: "من يتحمل مسؤولية دماء بيار معوض؟".
وتابع جعجع بنبرة حازمة: "حتى لو اختارت الدولة غض الطرف عمّن يلقون بأنفسهم في الانتحار، فليس لها أدنى حق في ترك الآمنين عرضة للموت داخل بيوتهم". وشدد على أن مسؤولية تشخيص مكامن الخطر وتحديد الجهات المشبوهة هي من اختصاص الأجهزة الرسمية المطالبة بوضع لوائح أمنية استباقية لحماية المؤمنين بالدولة. كما حذر جعجع من فجوة الثقة بين اللبنانيين والدولة العميقة: "75 % من اللبنانيين ملتزمون بالدولة، لكن الأخيرة تخلت عن التزامها تجاههم، وهو أمر مرفوض قد يدفع الناس، مكرهين، للتخلي عن إيمانهم بمشروع الدولة".
من جهتها، دقت مصادر كنسية عبر "نداء الوطن" جرس الإنذار، معتبرة أن حادثة عين سعادة تأتي في وقت حرج يسعى فيه الجميع لتحصين ما تبقى من بقع آمنة لا إشعال البلاد برمتها. وطالبت المصادر الدولة اللبنانية بأجهزتها كافة بالضرب بيد من حديد لمنع قادة "الحرس الثوري" و "حزب الله" من التغلغل بين المدنيين وجلب الدمار إلى أحيائهم. كما دعت السلطة إلى كشف الحقيقة كاملة واتخاذ إجراءات فورية تمنع استباحة الأبرياء، مشددة على أن الدولة لم تكن هي من قرر الحرب، وأن لبنان اليوم يدفع أثمانًا باهظة لأجندات إيرانية غريبة عن أرضه، عالقًا بين ناري إسرائيل وإيران.
زيارة كنسية إلى الجنوب اليوم
على الخط الحدودي الجنوبي، علمت "نداء الوطن" أن الزيارة الكنسية المرتقبة لبلدات دبل وعين إبل ورميش ستحط رحالها اليوم بعد تأجيل سابق، وتضم السفير البابوي باولو بورجيا، المطران الياس نصار ممثلًا البطريرك الراعي، وراعي أبرشية صور المطران شربل عبدالله. وتترافق هذه الجولة الروحية مع قافلة مساعدات إنسانية ضخمة جهزتها مؤسسات كنسية وجمعيات مانحة، مثل "كاريتاس"، "سوليداريتي"، "البعثة البابوية"، "مطبخ مريم"، و "المؤسسة البطريركية المارونية العالمية" وغيرها.
الدبلوماسية تجمّد استهداف "المصنع"
في المقلب الحدودي، كشفت مصادر لـ "نداء الوطن" أن الحراك الدبلوماسي اللبناني المكثف باتجاه واشنطن وباريس ودمشق وأنقرة والقاهرة، نجح في "تجميد" قرار استهداف معبر المصنع عسكريًا، لكنه فشل في انتزاع موافقة إسرائيلية على إعادة فتحه؛ إذ لا يزال الفيتو الإسرائيلي يحول دون استئناف الحركة المرورية فيه. وأمام هذا الانسداد، تبدو خيارات الدولة اللبنانية شبه معدومة؛ فمعبر جوسيه يعاني من ضيق قدرته الاستيعابية فضلاً عن خطر إغلاقه بتهديد إسرائيلي في أي لحظة. أما العودة إلى معابر الشمال، فهي مغامرة محفوفة بالمخاطر الأمنية وتكاليف الشحن الباهظة، ما يضع ملف الحدود البرية في نفق مظلم بلا حلول تلوح في الأفق.
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|