بالفيديو: غارة ثانية على الضاحية الجنوبية تستهدف منطقة الرحاب
مضيق هرمز.. أزمة حقيقيّة للأمن الغذائي
إنهيار بنيوي في أركان الأمن الغذائي الثلاثة: الوقود والأسمدة والتمويل! هذا ما يُمكن قوله بعد مرور شهر على بدء الصراع الأميركي - الإيراني حيث تجاوز هذا الصراع مرحلة أزمة الطاقة، ودخل مائدة الغذاء العالمية عبر شل مضيق هرمز.
وإذا كانت الحرب الروسية - الأوكرانية قدّ أدّت لصدمة في سوق الحبوب، لما لهاتين الدولتين من أهمية على صعيد الإنتاج والتصدير، إلا أن الصراع الأميركي - الإيراني سيُسبّب صدمة تتخطّى في خطورتها صدمة العام 2020، نظرا إلى تشابك عوامل عديدة. مما يجعل ساحة المعركة الحقيقية، بالنسبة للمُستهلك والمزارع، ساحة معركة غذائية بالدرجة الأولى.
أزمة الأسمدة
يُعد مضيق هرمز أكبر ممر مائي في العالم لنقل الأسمدة، حيث يمر عبره 33% من اليوريا التي تمرّ عبر البحر، و25% من الكبريت اللازم لمعالجة الفوسفات. ومع إقفال المضيق، إنخفضت حركة ناقلات النفط بأكثر من 90%، وإرتفعت أسعار اليوريا بنسبة 28%، بينما إرتفعت أسعار اليوريا المصرية بنسبة 30%. ونظرًا لتزامن هذا الأمر مع موسم زراعة الربيع، فمن المتوقّع أن ترتفع أسعار المنتوجات الزراعية (في أحسن الأحوال)، أو أن يكون هناك إنخفاض حاد في المحاصيل الزراعية (أسوأ الإحتمالات).
التداعيات بالأرقام
نظرا لظاهرة «الصاروخ والريشة» التي تتميز بها أسعار المواد الغذائية، خصوصا عند حصول صدمات قوية، فإن النماذج الخطية التقليدية (Linear Models) لا تُجدي نفعًا في رصد تحرّكات أسعار المواد الغذائية، لذا من الضروري إستخدام نماذج غير خطّية (NARDL) والتي تسمح بفهم كيفية التحول في هيكلية الأسعار. وبحسب نتائج المُحاكاة التي قمنا بها، نرى أن إرتفاعا بنسبة 10% في سعر برميل النفط الخام، يرفع أسعار المواد الغذائية بـ 1.5%. أيضا من أهم النتائج لهذه المُحاكاة، ورود ثلاثة سيناريوهات:
- أولاً : إستمرار الوضع على ما هو عليه مع إحتمال 45%، وهو ما سيزيد أسعار المواد الغذائية بنسبة تتراوح بين 8% و12% في نهاية هذا العام بحكم تأثر سلاسل الإمداد بالأسمدة والنفط وإرتفاع أسعار التأمين (risk premium).
- ثانياً : حصار مطوّل للمضيق لمدة عام مع إحتمال 35%، وهو ما قد يرفع الأسعار بنسبة 15% إلى 22% نتيجة النقص الحاد في الأسمدة النيتروجينية.
- ثالثاً : تصعيد عسكري كبير مع حظر تصدير من قبل بعض الدول (إحتمال يتراوح بين 20 إلى 25%) وهو ما قد يرفع الأسعار بنسبة تفوق الـ 30%.
تداعيات إجتماعية كارثية
حذّر برنامج الأغذية العالمي (World Food Programme) من أن إرتفاع أسعار المواد الغذائية قد يُفاقم معاناة الجوع الحاد مع تضرّر أكثر من 45 مليون شخص إضافي في العالم بحلول نصف العام 2026. ولعل أكثر الدول المُعرّضة لهذه الكارثة هي دول أفريقيا وسريلانكا وبنغلادش، حيث أن هذه الدول هي من أكبر مستوردي الأسمدة (نظرا لعدد السكان) كما أنها مُعرضّة لدفع ثمن إرتفاع المحروقات المستوردة أيضا.
أمّا في الشرق الأوسط، فإن دول الخليج معرّضة لإرتفاع حادّ في أسعار المواد الغذائية وهي التي تستضيف ملايين العمّال الأجانب وتستورد معظم إستهلاكها. وبالتالي ومع إرتفاع أسعار التأمين بأكثر من 1000% من المتوقّع أن يُشكّل إستمرار الأزمة سببًا في تفشّي الفقر خصوصًا بين العمال الأجانب إلا إذا قامت حكومات هذه الدول بدعمهم، وهو ما قد يؤثّر على عجز موازناتها.
مفارقة في لبنان
أمّا في لبنان، فإن تداعيات الحرب الأميركية – الإيرانية ليست مجرّد هزة جيوسياسية، بل هي ضربة مباشرة وقاتلة لإنتعاش إقتصادي هشّ. فلبنان الذي يستوردّ أكثر من 85% من إستهلاكه الغذائي، يتعرّض لأزمة مزدوجة: إرتفاع أسعار النفط والتأمين وبالتالي أسعار كل السلع والبضائع والخدمات، وإحتمال نقص حاد في كتلته النقدية بالدولار الأميركي!
وبحسب المعطيات الإحصائية، إرتفع سعر سلة الإستهلاك الأساسية خلال الأسبوعين الأولين من هذا الشهر بنسبة 5%. ويبقى السبب الأساسي في هذا الإرتفاع، أزمة الطاقة والنقل. وكنتيجة للحرب الإسرائيلية على لبنان، من المتوقّع أن يُصبح إعتماد لبنان على الإستيراد لتلبية الإحتياجات الغذائية، بحدود المئة بالمئة، مما يعني أن المواطن أصبح رهينة الأسواق العالمية والأسعار فيها.
وبحسب تقديرات مؤسسات دولية، من المتوقع في ظل فرضية إطالة أمد الصراعات العسكرية، أن يكون هناك إنفجار إجتماعي كبير. وهو ما سيفرض مساعدات إنسانية من قبل برنامج الأغذية العالمي والدول الصديقة.
هذه الصورة القاتمة تزداد سوءا مع بدء تراجع الكتلة النقدية بالدولار الأميركي، والتي في حال بلوغها مستويات مُعيّنة، ستكون كارثية بحكم أن الاقتصاد أصبح مدولرا بالكامل وإعتماد لبنان على الإستيراد سيؤدّي إلى رفع الكلفة وبالتالي خفض الإستيراد إلى مستويات قد تمس بالهيكلية الاجتماعية اللبنانية في العمق.
واقع إستراتيجي جديد
لعل أهم دروس الصراع الأميركي – الإيراني هو أن الأمن الغذائي يوازي بثقله الجيوسياسي وتداعياته الإجتماعية أمن الطاقة. والأهم، أنه لا يُمكن فصل الإثنين عن بعضهما البعض، بحكم أن الأمن الغذائي يعتمد على أمن الطاقة من باب الأسمدة التي تُعتبر جوهر الزراعة المعاصرة (عدد سكان الأرض، وطول الموسم الزراعي). وبالتالي، من المتوقّع أن يدخل في النماذج الاقتصادية الحديثة سيناريو جديد يُعرف بسيناريو «مضيق هرمز»، الذي سيأخذ بعين الإعتبار التحوّل الهيكلي لسلاسل التوريد، خصوصا أن تحويل مسار سلسلة توريد الأسمدة الخليجية غير سهلة في ظل الهيكلية الحالية وهو ما قد يفرض تغييرا جوهريا فور إنتهاء الحرب.
في المحصلة، إن تداعيات الصراع الأميركي - الإيراني لا تتوقّف عند حدود الصدام العسكري والتقنيات الحديثة المُستخدمة وغيرها، بل تمتدّ لتطال سلاسل التوريد، خصوصا تلك المُتعلّقة بالطاقة والمواد الغذائية. وإذا كانت الحروب الحديثة تعتمد على التكنولوجيا والعنف لخفض مُدّة الصراع، إلا أن التداعيات الإقتصادية والإجتماعية قد تبقى لعقود طويلة.
جاسم عجاقة -الديار
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|