أربع "رهائن" في يد "الثنائي"
في المشهد السياسي اللبناني المتعثر، يبرز توصيف ثنائي "حزب الله" و "حركة أمل"، كأحد أهم مفاتيح فهم آلية تعطيل الدولة أو إعادة إنتاجها وفق توازنات دقيقة. غير أن توصيفًا أكثر حدّة يذهب إلى اعتبار أن هذا "الثنائي" يمسك بأربع مؤسسات أساسية في البلاد، وكأنها "رهائن" موزعة بينهما، بحيث يصعب الحديث عن قيام دولة فعلية طالما بقيت هذه المؤسسات خارج منطق الاستقلالية والحياد.
تتمثل هذه "الرهائن" في "المؤسسات العسكرية والأمنية" والقضاء من جهة، ووزارة المال ومجلس النواب من جهة أخرى. ويُلاحظ، وفق هذا الطرح، أن "حزب الله" يمارس نفوذًا وازنًا على المؤسستين الأولى والثانية، فيما تُعدّ وزارة المال ومجلس النواب ضمن دائرة التأثير المباشر لرئيس حركة "أمل". هذا التقاسم غير المعلن، لكنه المُدرك في الواقع السياسي، يعكس بنية السلطة الفعلية التي تتجاوز النصوص الدستورية.
في ما يتعلق بالمؤسسات العسكرية، لا يمكن إنكار أن الجيش اللبناني، وهو أكبر المؤسسات، ما زال يحظى بالتماسك والشرعية، غير أن الوقائع الميدانية خلال السنوات الماضية أظهرت محدودية هذا الدور، خصوصًا في ظل وجود قوة عسكرية موازية تمتلك قرار الحرب والسلم خارج إطار الدولة. من أحداث 7 أيار 2008 إلى المشاركة في النزاعات الإقليمية، بدا واضحًا أن قرار السلاح ليس محصورًا بالمؤسسة الرسمية، ما يضعف موقعها ويجعلها في موقع المقيّد.
أما القضاء، فقد شهد خلال العقد الأخير سلسلة من الأزمات التي مست جوهر استقلاليته، من تعطيل التحقيقات الحساسة، وصولًا إلى قضية انفجار مرفأ بيروت، حيث واجه المحقق العدلي عراقيل متكررة، هذه الوقائع تعزز فكرة أن القضاء ليس بمنأى عن التأثير المباشر لـ "حزب الله".
في المقابل، تُعتبر وزارة المال إحدى أبرز أدوات النفوذ التي تمسك بها حركة "أمل" منذ سنوات طويلة. تكريس "التوقيع الشيعي" في هذه الوزارة تحديدًا جعلها نقطة ارتكاز في أي قرار مالي أو إداري أساسي، من الموازنات إلى الاتفاقيات الدولية. وقد برز هذا الدور بشكل واضح خلال مفاوضات تشكيل الحكومات، حيث تحولت وزارة المال إلى "عرف" سياسي لا يمكن تجاوزه، ما يقيّد مبدأ تداول السلطة ويضرب مفهوم المداورة.
أما مجلس النواب، فهو المؤسسة التي يفترض أن تجسد الإرادة الشعبية وتؤمن التوازن بين السلطات. إلا أن الواقع يظهر أن آليات العمل داخله، من تعطيل جلسات انتخاب رئيس الجمهورية إلى التحكم بجدول الأعمال، تعكس قدرة كبيرة على إدارة الوقت السياسي بما يخدم مصالح محددة. تعطيل الاستحقاقات الدستورية لفترات طويلة لم يعد استثناءً، بل أصبح جزءًا من المشهد السياسي المعتاد.
إن توصيف هذه المؤسسات كـ "رهائن" لا يعني بالضرورة غياب كل أشكال العمل المؤسساتي، بل يشير إلى أن قرارها النهائي ليس مستقلًا بالكامل، بل خاضع لتوازنات سياسية محددة. وهذا ما يجعل أي محاولة للإصلاح تصطدم بسقف هذه التوازنات، فتتعطل المبادرات أو تُفرغ من مضمونها.
لا يمكن الحديث عن قضاء عادل إذا كان خاضعًا للضغط، ولا عن جيش قوي إذا كان قرار السلاح موزعًا، ولا عن إدارة مالية شفافة إذا كانت محكومة باحتكار سياسي، ولا عن ديمقراطية فعلية إذا كان البرلمان معطلًا عند كل استحقاق.
من دون فك هذا "الأسر" المؤسساتي، سيبقى لبنان يدور في حلقة مفرغة، حيث تتكرر الأزمات دون الوصول إلى حلول جذرية. إن تحرير هذه "الرهائن" هو المدخل الأساسي لأي مشروع إنقاذي حقيقي، وما لم يتحقق ذلك، ستظل الدولة فكرة معلقة أكثر منها واقعًا قائمًا.
جان الفغالي -نداء الوطن
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|