الصحافة

سوريا بين الأمس واليوم: جبل الشيخ منصّةً للعدوان

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

تكشف الصور التي بثّها إعلام العدو، أمس، حول مشاركة «لواء الجبال 810» ضمن عمليات غزو لبنان انطلاقاً من المدرجات الشرقية لجبل الشيخ، جزءاً من الخسارة الاستراتيجية التي نتجت من سيطرة إسرائيل الكاملة على قمم الجبل بعد سقوط النظام السوري السابق. على أن التبجّح الإسرائيلي بالتفوق الجغرافي الاستراتيجي ليس جديداً، بل بدأ بُعيد تقدّم قوات الاحتلال نحو القمة السورية عشية 8 كانون الأول 2024، وذلك عبر حملة إعلامية واسعة تُظهر أهميّة جبل الشيخ من المنظور العسكري والعملياتي، وتتضمّن عرض صور لسرقة وتدمير الأسلحة والمواقع وتفكيك البنية التحتية لشبكة الدفاع السورية، بالإضافة إلى تفنيد أهمية الجبل في الرواية التوراتية التي تغذّي مشاريع الاستيطان والتوسّع الاقتلاعي. ولم تغب كذلك المكاسب السياسية لإسرائيل، عبر إبراز تقدّم الموقف تجاه سوريا ولبنان والعرب بشكل عام.

خلال الأشهر الماضية، استفاد العدو إلى حدّ كبير من الفراغ العسكري والأمني في الجنوب السوري ومن غزوات الحكومة الانتقالية في صحنايا والسويداء، مبادراً إلى التقدّم والسيطرة انطلاقاً من جنوب الجولان المحتلّ نحو حوض اليرموك في درعا، ومن شمال شرق الهضبة نحو القنيطرة، ومن المرتفعات المحتلة حديثاً في جبل الشيخ نحو السفوح الشرقية والشمالية لسلسلة حرمون - القلمون.

لكن الجديد أمس، هو التحرّك انطلاقاً من القمم السورية المحتلّة في اتجاه السفوح الغربية للجبل ومنها نحو جنوب لبنان، واستخدام طرقات جديدة - أتاحها غياب المواقع السورية - إلى منطقة جبل الروس في مزارع شبعا المحتلة. وتأتي هذه العمليات التي تهدف إلى إحباط أيّ تحرك للمقاومة من مرتفعات العرقوب، استكمالاً لحملة الاختطاف والقصف والتهجير التي تطاول بلدات العرقوب (كما كان الحال قبل خمسين عاماً) وتنفّذها قوات من «اللواء 810» أحياناً، والحملة على بلدة بيت جن على المقلب السوري قبل أشهر. كما تضاف تطوّرات الأمس، من ناحية استخدام الأراضي السورية للإغارة على لبنان، إلى ما حصل قبل أسبوعين، حين استخدمت قوات الاحتلال منطقة سرغايا الحدودية السورية لتنفيذ إنزال برّي والتسلل إلى بلدة النبي الشيت لارتكاب مجزرة بالأهالي. هي المرّة الأولى إذاً، منذ ستين عاماً، التي يتعرّض فيها لبنان لغزو أو لعدوان إسرائيلي، ولا تكون سوريا مشتركة في المعركة. ففي اجتياحات 1976 و1978 وغزو 1982 وحملات 1993 و1996 و2006، وصولاً إلى فجر 28 تشرين الثاني 2024، كانت سوريا تغطّي الخاصرة الشرقية، وتمدّ المقاومة بالسلاح والمعلومات، وتقدّم الدعم الإغاثي والإسعافي للبنان، كما وتدعم الموقف السياسي اللبناني، وتوظّف اتصالاتها الدولية لوقف العدوان، فضلاً عن أنها اشتركت في معارك صدّ الاجتياح في 82، ودفعت ثمن ذلك آلاف الشهداء وأكثر من 80 طائرة ومئات الدبابات والعربات. أمّا الآن، فإن سوريا، وإن لم تكن «معادية» تماماً، إلا أنها على الأقلّ محيّدة.

وفيما تستمرّ سياسة قضم الأراضي والتضييق على الأهالي في القنيطرة، ويواصل الاحتلال الرفع من وتيرة تمدّده في المحافظات الجنوبية، وتتحوّل السماء السورية إلى طريق ثابتة لرحلات أسراب الطائرات الحربية الإسرائيلية وطائرات التزوّد بالوقود جوّاً، يزداد الموقف السوري ضعفاً. وفي المقابل، تتابع سلطة الرئيس الانتقالي، أحمد الشرع، محاولات تقديم خدمات للاحتلال والأميركيين - من أبواب من مثل تدمير أيّ أنفاق متبقّية على الحدود اللبنانية - السورية -، في حين تتواصل الضغوط التركية عليها لتفادي أيّ انزلاق أو تورّط في الحرب ضدّ إيران و«حزب الله».

وممّا يزيد المشهد قتامةً، انشغال السوريين في عزّ العدوان على لبنان وسوريا، بالهجمات التي شنّتها مجموعات غوغائية متطرّفة وأخرى من قوات محسوبة على حكومة الشرع على مدينة السقيلبية ذات الغالبية المسيحية في ريف حماه، بذريعة دعم قرارات الحكومة حظر بيع الكحول، واضطرار الكنائس في دمشق، إثر ذلك، إلى تقليص طقوس الاحتفال بأحد الشعنينة لدى الطوائف الكاثولكية، في إجراءات لم تتخّذ ربّما منذ 180 عاماً، أيام فتنة دمشق تحت سلطة الاحتلال العثماني - في وقت منعت فيه قوات الاحتلال قدّاس أحد الشعانين في كنيسة القيامة -. وسبق ذلك شنّ هجوم على مدنيين في السويداء قبل أيام، وهو ما استفاد منه الاحتلال أيضاً بشنّ عمليات قصف على مواقع تابعة للجيش السوري السابق ضمن قيادة «الفيلق الثالث» - التي كانت منتشرة في الجنوب ويتمركز في بعضها حالياً جزء من قوات الشرع -، تحت عنوان «الدفاع عن الدروز».

وفي الوقت الذي تخوض فيه المقاومة في لبنان معارك عنيفة لصدّ الغزو على الأراضي اللبنانية، تمارس القوات المحسوبة على الشرع سياسة دفن الرأس في التراب تجاه التحركات العسكرية الإسرائيلية على مقربة من دورياتها، الأمر الذي يشجّع إسرائيل على التقدّم أكثر من دون أي خشية من أعمال مقاومة قد تطاول قواتها التي تتنقل تحت أعين «الجهاديين الجدد». وتبدو هذه السياسة الإسرائيلية آخذة في التوسّع داخل الجنوب السوري، على وقع محاولات التوسّع في الجنوب اللبناني أيضاً، وتصاعد التوتّر بين تل أبيب وأنقرة، التي باتت تستشعر التهديد الوشيك من النشوة الإسرائيلية بالهجوم على إيران، والتلاعب الذي يمارسه الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، بحقّ الحلفاء في تركيا والخليج وحتى دول غربية وآسيوية حليفة، لمصلحة إسرائيل.

ولم يكن تهديد وزير الداخلية التركي السابق، سليمان صويلو، بتقديم 300 ألف جندي لقتال إسرائيل، وحديثه عن أن «هاتاي تبعد خمس ساعات عن الحدود» (مع فلسطين المحتلة)، سوى صدى لهذا التوتر المتصاعد، مع تهديدات الإسرائيليين بالهجوم تالياً على تركيا وحليفَيها قطر والشرع. ووصل الأمر بوزير «الأمن القومي» الإسرائيلي، إيتمار بن غفير، إلى القول أمس إنه يجب القضاء على «رأس الأفعى الشرع»، بعد كلّ ما قدّمه الأخير من تنازلات سياسية وأمنية وسيادية في سبيل البحث عن تسوية ولو بالحدّ الأدنى مع إسرائيل.

وهكذا، يبدو أن مأزق الشرع يتعمّق كل يوم، مع وضع إسرائيل هدف الهجوم على سوريا كساحة مفتوحة وعقدة في التحالف التركي - القطري في المرحلة التالية، خصوصاً في حال استطاعت إسرائيل كسر دفاعات المقاومة اللبنانية والتوغل عميقاً داخل الجغرافيا، في سوريا ولبنان معاً. وبدل التخطيط لمواجهة تلك المخاطر، يستعد الشرع اليوم لزيارة ألمانيا وبريطانيا في رحلة هي الأولى إليها، في وقتٍ بدأت تنفجر فيه الأزمة الاقتصادية والاجتماعية والأمنية، وتتكرّس سلطة «هيئة تحرير الشام» الدينية على المدن السورية، وتستمرّ حكومة الشرع في بيع الوهم للجمهور، عبر الترويج لمشاريع غير موجودة على أرض الواقع. ومن بين تلك المشاريع، نقل النفط عبر سوريا بالأنابيب، ومنها أنابيب التابلاين التي اهترأت في الصحراء بعد توقف استخدامها قبل خمسين عاماً، وفكّكتها السعودية خلال الأعوام الأخيرة.

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا