بعد الليطاني.. العين الإسرائيلية على دمشق
قال الوزير الإسرائيلي اليميني إيتمار بن غفير: "أدعو لاغتيال الرئيس السوري أحمد الشرع فهو رأس الأفعى والحرب الجديدة ضد سوريا وشيكة".
إذا كان الشرع يكرر أن سوريا لا تريد أن تكون ساحة حرب، فلماذا يخرج التهديد الإسرائيلي بهذا المستوى الآن؟
الجواب، وفق قراءة أوسع لمسار الحرب، أن إسرائيل لم تعد تتعامل مع الجبهات كملفات منفصلة: إيران هي المركز، لبنان هو ساحة الكسر الميداني، وسوريا هي الممر الذي تريد تل أبيب ضبطه مسبقًا.
هذا الاستنتاج تدعمه طبيعة الحرب الحالية، حيث توسعت المواجهة من إيران إلى لبنان، مع حديث إسرائيلي صريح عن تغيير الواقع الحدودي وفرض شريط أمني جديد في الجنوب اللبناني.
في هذا المعنى، لا يبدو التهديد ضد الشرع مرتبطًا فقط بما تفعله دمشق الآن، بل بما قد تمثله سوريا لاحقًا في الحسابات الإسرائيلية. فحين تكون إسرائيل منهمكة في حرب مفتوحة مع إيران، وتنتقل في لبنان من منطق الردع إلى منطق إعادة رسم الجغرافيا بالقوة عبر السيطرة حتى الليطاني وتدمير الجسور والبنى الرابطة، فإنها تصبح أكثر ميلًا إلى منع أي فضاء إقليمي قد يعيد إنتاج خطوط إسناد أو عبور أو تموضع مستقبلي.
ومن هنا، يمكن فهم التهديد ضد الشرع على أنه جزء من عقيدة إسرائيلية استباقية عنوانها:
ليس المهم أن تقول دمشق إنها لا تريد الحرب، بل المهم في نظر تل أبيب ألا تمتلك سوريا لاحقًا القدرة على التحول إلى ساحة ضغط أو هامش سيادي مستقل في لحظة إقليمية شديدة السيولة.
وهذه المقاربة تنسجم مع ما تفعله إسرائيل الآن في لبنان، حيث لا تكتفي بملاحقة أهداف عسكرية، بل تتحدث علنًا عن "منطقة أمنية" طويلة الأمد وتفكيك البيئة الميدانية جنوب الليطاني.
كذلك، فإن التهديد يكتسب معنى إضافيًا إذا قورن بموقع سوريا في الحرب على إيران. فمع تصاعد الضربات على إيران، واتساع الردود إلى الخليج، ودخول الحوثيين على خط المواجهة، تبدو إسرائيل معنية بإغلاق أي احتمال لظهور جبهة رابعة غير منضبطة على حدودها الشمالية الشرقية. أي أن الرسالة هنا ليست فقط إلى الشرع شخصيًا، بل إلى سوريا ما بعد الأسد: حتى لو أعلنت الحياد، فإن الحياد وحده لا يكفي إذا كانت إسرائيل ترى أن البيئة السورية قد تُستثمر مستقبلًا ضدها.
وهناك بعد آخر لا يقل أهمية: إسرائيل، في ذروة حربها على إيران واندفاعها داخل لبنان، تريد تكريس صورة أنها صاحبة اليد العليا إقليميًا.
لذلك يصبح التهديد باغتيال رئيس سوري أو التلويح بحرب على "سوريا الجديدة" جزءًا من سياسة كسر الإرادات قبل تشكلها، لا فقط الرد على تهديد قائم. بمعنى أوضح: كما تحاول في لبنان فرض وقائع حدودية جديدة، فهي قد تحاول في سوريا فرض سقف سياسي وأمني مبكر على السلطة الجديدة، حتى لا تتحول لاحقًا إلى طرف قادر على المناورة أو إعادة التموضع.
لكن هذا لا يلغي أيضًا العامل الداخلي الإسرائيلي. فبن غفير ينتمي إلى التيار الأكثر تطرفًا، وخطابه عادة يدفع نحو توسيع الحرب لا احتوائها. وفي لحظة تتحدث فيها الحكومة الإسرائيلية عن "تفكيك" حزب الله ميدانيًا وتوسيع الحزام الأمني في جنوب لبنان، يصبح التصعيد اللفظي ضد سوريا جزءًا من مزايدة داخلية أيضًا: من يذهب أبعد في الحرب، ومن يطرح المعادلات الأكثر خشونة في الإقليم.
الخلاصة أن التهديد ضد أحمد الشرع لا يُقرأ على أنه رد على موقف سوري عدائي مباشر، بل كجزء من هندسة إسرائيلية للجبهات المحيطة بإيران.
في لبنان: شريط أمني حتى الليطاني.
في إيران: حرب استنزاف وضرب مراكز القيادة والقدرات.
وفي سوريا: رسالة مبكرة بأن أي سلطة جديدة، حتى لو أعلنت عدم الرغبة في القتال، ستبقى تحت سقف التهديد ما دامت إسرائيل ترى فيها احتمالًا مستقبليًا لا خطرًا راهنًا فقط.
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|