لبنان في عين العاصفة ... والتداعيات تتفاقم
كتب العميد الدكتور غازي محمود:
في الوقت الذي تتجه فيه أنظار العالم إلى الحرب الأميركية-الإسرائيلية على وإيران، يُواجه لبنان تداعيات هذه الحرب في بعديها المحلي والإقليمي، لا سيما بعد دخول حزب الله هذه الحرب مساندًا الجمهورية الإسلامية في إيران. الأمر الذي يضاعف الأعباء المترتبة على البلد الذي لم يتعاف بعد، لا من أزمته الاقتصادية ولا من آثار العدوان الإسرائيلي الذي أعقب حرب إسناد غزة في الثامن من تشرين الأول عام 2023 وحرب الـ 66 يومًا في عام 2024.
ذلك أن خطورة العدوان الإسرائيلي على لبنان لا تقتصر على ما يسببه من خسائر مادية مباشرة في المباني السكنية والمؤسسات الصناعية والتجارية، والبنى التحتية في المدن والقرى اللبنانية، بل تشمل أيضًا تداعياته المترابطة والمعقدة التي تبدأ من تهجير أهالي مدن وقرى الجنوب، والضاحية، والبقاع الشرقي، والتدمير الممنهج لها، ولا تنتهي عند الخسائر البشرية والمالية والاقتصادية، فضلاً عن التداعيات التربوية والإنسانية والاجتماعية التي ستترتب على هذا العدوان.
التهجير السكاني
ويأتي التهجير القسري للأهالي من مدنهم وقراهم وبيوتهم، كأحد أخطر تداعيات العدوان الإسرائيلي على لبنان عامة وعلى الجنوب والضاحية خاصة، لما ينطوي عليه من تفكك أسري وتشتيت للعائلات المهجرة، حيث بلغ عدد النازحين ما لا يقل عن 1.3 مليون شخص، وفق تقارير وزارة الشؤون الإجتماعية.
كما يبرز هذا التهجير الحاجة الملحة والفورية إلى مراكز إيواء لائقة وتلبية حاجات النازحين المستجدة، ويفتح الباب أمام توترات اجتماعية كامنة قد تتفاقم كلما طال أمد الأزمة، فضلاً عن تسببه في تزايد الضغوط على البنى التحتية والخدمات الأساسية، من مياه وكهرباء واستشفاء وتعليم، في المناطق المستقبِلة.
التداعيات الاجتماعية والإنسانية
تتجاوز التداعيات الاجتماعية والإنسانية للعدوان الإسرائيلي على لبنان الخسائر البشرية والمادية المباشرة، لتطال البنية الاجتماعية في أعماقها، في ظل تفاوت الظروف الاقتصادية والمعيشية، ولا سيما ما يرافق النزوح من اكتظاظ في المناطق المستقبلة. الأمر الذي يؤدي إلى تراجع ملحوظ في الإحساس بالأمان والاستقرار، خصوصًا لدى الفئات الأكثر هشاشة، في مقدمها الأطفال وكبار السن.
ومع استمرار العدوان، يتحوّل النزوح من حالة طارئة إلى أزمة اجتماعية مركبة، تراكم أزمات مزمنة يصعب احتواؤها على المدى القصير، ولا سيما مع ازدياد التنافس على الموارد المحدودة. وهو ما قد يؤدي إلى ظهور توترات بين المجتمعات المضيفة والنازحين، بما يهدد التماسك الاجتماعي ويعمق من هشاشة البنية المجتمعية.
تعاظم الخسائر
يتّخذ العدوان الإسرائيلي على لبنان طابعًا تدميريًا ذا أبعاد إنسانية جسيمة، حيث يستهدف المدنيين الآمنين في منازلهم، في انتهاك واضح للقواعد الأخلاقية والإنسانية. ويشير تقرير وزارة الصحة العامة الأخير إلى ارتفاع عدد الشهداء خلال الفترة الممتدة من 2 آذار إلى 24 آذار إلى 1072 شهيدًا، من بينهم ما لا يقل عن 125 طفلًا و70 امرأة، فيما بلغ عدد الجرحى 2966 جريحًا. وخلال الساعات الأربع والعشرين الأخيرة وحدها، سجل سقوط 33 شهيدًا و90 جريحًا، ما يعكس تصاعدًا مستمرًا في وتيرة العنف.
ويتضح المنحى التدميري للعدوان في الاستهداف المنهجي للبنى التحتية الحيوية، ولا سيما الجسور فوق نهر الليطاني ومحطات تحويل الكهرباء ومحطات ضخ مياه الشفة في الجنوب، فضلًا عن تدمير مئات الوحدات السكنية وتسويتها بالأرض. علمًا أن العدوان الإسرائيلي السابق كان قد خلّف دمارًا واسعًا طال نحو 100 ألف وحدة سكنية، وفقًا لتقرير البنك الدولي الصادر في تشرين الثاني/نوفمبر 2024.
تداعيات على القطاع التربوي
في ظل استمرار العدوان الإسرائيلي على لبنان واتساع نطاقه، يصبح من المتعذر متابعة العام الدراسي حضورياً، وتزداد هذه الصعوبة حدة مع نزوح الأهالي من قراهم وبلداتهم، ليستقروا في مراكز إيواء هي في معظمها المدارس والثانويات الرسمية. وفي المقابل، يواجه التعليم عن بُعد تحدّيات جوهرية تتصل بضعف البنية التحتية الرقمية وتفاوت إمكانات الوصول، الامر الذي لا يهدد انتظام العام الدراسي وحسب، بل ينذر بإضعاف القطاع التربوي برمته، ويقوض مستقبل التعليم في لبنان.
التداعيات الاقتصادية
على الصعيد الاقتصادي، يتسبب العدوان الإسرائيلي بأضرار عميقة تتوزع على أكثر من مستوى، منها ما هو متعلق بسير العدوان على لبنان ومنها ما هو نتيجة للأزمة الاقتصادية العالمية التي تسببت بها الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران. وهي تتوزع على الشكل التالي:
- توقف الأنشطة التجارية والصناعية، وتعطيل عجلة الإنتاج، وهجرة الأراضي الزراعية في المناطق الجنوبية، مما يتسبب بضياع المواسم ويحرم آلاف العائلات من النازحين من مصادر الدخل.
- ارتفاع كلفة النقل والانتقال وانعكاسه على أسعار السلع والخدمات، بسبب ارتفاع أسعار المحروقات نتيجة الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران وحظر الملاحة في مضيق هرمز، الأمر الذي يزيد من الضغوط التضخمية على الاقتصاد الوطني.
- ارتفاع إضافي في أسعار السلع والخدمات في الأماكن التي انتقل إليها النازحون نتيجة ازدياد الطلب، في ظل تراجع القدرة الشرائية وارتفاع معدلات التضخم.
- تعطل السياحة وتراجع عدد اللبنانيين القادمين إلى لبنان جراء الأوضاع التي تشهدها دول الخليج العربي، مما يستتبع تراجع في تدفق العملات الصعبة في الاقتصاد الوطني.
- تزايد احتمال تراجع تحويلات اللبنانيين من دول الخليج العربي مع استمرار الهجمات المتبادلة بين المتقاتلين وما يرافقها من اعتداءات إيرانية على الدول الخليجية.
- تزايد المخاطر من دخول الاقتصاد اللبناني مرحلة جديدة من الركود، خاصة وأن الصناعات اللبنانية تستخدم في معظمها مدخلات مستوردة في ظل ارتفاع الأسعار في الأسواق العالمية وتكلفة الشحن، الأمر الذي يحد من تنافسية المنتجات اللبنانية.
- انخفاض الناتج المحلي الإجمالي جراء توقف أو تباطؤ الأنشطة التجارية والصناعية، وتعطيل عجلة الإنتاج كليًا أو جزئيًا.
تراجع الإيرادات العامة وتزايد الالتزامات
يتوقع أن يؤدي العدوان الإسرائيلي الى ارتفاع تكلفة إعادة الإعمار، لتضاف على تكلفة الحرب السابقة التي قدرها صندوق النقد الدولي بنحو 9 مليار دولار، مما سيؤدي إلى زيادةٍ ملحوظة في احتياجات التمويل. وفي المقابل، يُرجَّح أن يشهد إجمالي الإيرادات العامة تراجعًا، نتيجة انكماش النشاط الاقتصادي وتراجع الاستهلاك الخاص، وهو ما قد يمتدّ تأثيره للسنوات القادمة. ومن شأن هذا التراجع في الإيرادات، بالتوازي مع ارتفاع النفقات، أن يُفاقم عجز الموازنة العامة ويُعمّق الاختلالات المالية.
الخاتمة
يتضح مما تقدم أنّ العدوان الإسرائيلي على لبنان لا يُمكن اختزاله في كونه مواجهة عسكرية ذات أبعاد ميدانية فحسب، بل يهدف إلى خلق أزمة مركبة متعددة المستويات، تتداخل فيها الجوانب الأمنية مع الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية، في بلد يعاني أصلًا من هشاشة بنيوية عميقة.
وعليه، فإن التحدي لا يكمن فقط في إدارة تداعيات العدوان واحتواء أضراره المباشرة، بل في القدرة على الحد من تراكم الخسائر التي يسببها، عبر سياسات إنقاذية ومقاربات وطنية شاملة تُعزّز مناعة المجتمع وتؤسس لمرحلة تعافٍ حقيقي. فكل تأخير في المعالجة، وكل غياب لاستدراك المرحلة القادمة، من شأنه أن يحوّل هذه التداعيات من أزمة ظرفية إلى واقع دائم يهدد مستقبل لبنان وأجياله القادمة.
وفي ظل استمرار التصعيد الإقليمي واتساع رقعة المواجهة، وغياب آفاق حل سياسي واضح المعالم، يبقى لبنان أمام اختبار وجودي يتعلق بقدرته على الحفاظ على تماسكه الاجتماعي واستقراره الاقتصادي ومنع انزلاقه إلى مزيدٍ من الانهيار، تمهيدًا لاستعادة مسار التعافي والاستقرار.
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|