رئيس بلدية الحازمية: عقد إيجار الشقة المستهدفة لم يُسجَّل بالبلدية
إسرائيل في الجنوب وسوريا في الشرق
أمامنا كابوس من نوع آخر.
يقول المثل الأميركي إنه لا يوجد شيء اسمه "وجبة مجانية" ويضيف مثل آخر أنه إن لم تكن تدفع ثمن سلعة معيّنة، فأنت بحدّ ذاتك السلعة. كلّها أمثلة ذات طابع اقتصادي - تجاري، لكنها تنطبق على الواقع الجيو-استراتيجي اليوم في لبنان. بحيث تعتقد الدولة العميقة بأركانها كافة – خليفة منظومة المافيا، الميليشيا - أنها يمكنها أن تتفرّج على الحرب الإسرائيلية - الإيرانية في لبنان، وتلتزم مبدأ الحياد الكلامي والعملي، وأن تقطف ثمار تلك المعركة عند انتهائها بناء دولة سيّدة ومستقلّة (بعد هزيمة "حزب اللّه" فيها).
في مرحلة حروب الإقليم الكبرى، هذا وهم ما بعده وهم.
الدولة اليوم لا تكتفي بالسماح لمقاتلي "حزب اللّه" بالدخول إلى منطقة جنوب الليطاني، متسبّبة في قصف جسور الإمداد (التابعة للدولة)، بل إنها لا تتحرّك حتى لانتشال جثث جنرالات الحرس الثوري المقتولين في أوتيلات لبنان، من بعبدا إلى الروشة وما بينهما. حتى الجثة الإيرانية لا تنتشلها الدولة، فكيف لها أن تنتشل جثة الكيان اللبناني؟ إذًا السيناريو المطروح علينا اليوم ليس "بشيريًا"، حيث دخلت إسرائيل إلى بيروت وأخرجت منظمة التحرير من لبنان، وبذلك أمّنت الظروف الموضوع لقيام دولة سيّدة يقودها "الشريك" المنتخب بشير الجميّل. السيناريو مختلف تمامًا، وأكثر سوداوية: إسرائيل ستتقدم إلى حين بلوغ عمق 40 كم (مدى الصواريخ القريبة المدى التي لا تلتقطها القبّة الحديدية بفعالية) وتبقي قوّاتها هناك إلى أجل غير مسمّى. إذ لا يمكنها الانسحاب من هذه المنطقة إلّا بعد نزع كلّ سلاح "الحزب" من كل الأراضي اللبنانية، وإعلانه بنفسه حلّ جناحه العسكري. فيما يوكّل إلى الرئيس السوري أحمد الشرع "تنظيف" منطقة البقاع من صواريخ ومخازن "حزب اللّه" (كما ورد في مقال لوكالة رويترز نقلًا عن مصادر أميركية جديّة)، والتي لا يمكن أن يصل إليها الجيش الإسرائيلي إلّا عبر الإسناد الجوّي. هذا السيناريو ليس حتميًا، ولكنه جدّي. في أحسن الأحوال، توكل إلى الدولة اللبنانية مهمة "حصر" الضاحية الجنوبية لبيروت ولكن قلّة الثقة بالدولة ستؤدي حتمًا إلى إرفاء ذاك "الحصر" (كلمة أصبحت لعنة) بضربات جوية إسرائيلية متكرّرة. ستقول الدولة إنها تريد الانسحاب السوري والإسرائيلي وستحلّ مكانهما لضمان الأمن الطويل الأمد. لن يصدّقها أحد. سيستمرّ هذا الوضع لعقود.
يمكننا حينها الإعلان رسميًا عن وفاة لبنان الكبير، كفكرة وعلى المستوى العملي، بعد 106 أعوام على إنشائه.
الموضوع مرتبط بالجملة المفتاح: ثقة المجتمع الدولي وعلى رأسه أميركا بالدولة اللبنانية. الثقة معدومة.
فقد أوردت وكالة رويترز مقالًا هذا الأسبوع شرح فيه الكاتب كيف أن الحرس الثوري الإيراني أدخل إلى لبنان مئة ضابط بعد الحرب الأخيرة في مهمّة واضحة ومحدّدة، أي إعادة هيكلة وتسليح وتجهيز "حزب اللّه" للحرب المقبلة. وقد تمّت العملية بنجاح، تحت أعين الدولة اللبنانية التي، وإن اتخذت بعض القرارات الجدية ذات الطابع المعنوي في آب المنصرم، إلّا أنها سمحت عمليًا بعملية إعادة الهيكلة والبناء تحت شعار "جنوب وشمال الليطاني". كما أنه تبيّن لكلّ العالم أن العمل على نزع سلاح "الحزب" في جنوب الليطاني كان عملية فولكلورية - رمزية، إذ إن "الحزب" قام منذ اليوم التالي لاغتيال خامنئي بمباشرة القتال في جنوب الليطاني (بالسلاح المصادر؟) وها هو يقصف إسرائيل بصواريخ قريبة المدى لدرجة أن بعضها يسقط في لبنان نفسه (جنوب الليطاني). فكيف لأميركا أن تأتمن هذا السجل على أمن إسرائيل جنوبًا وشرقًا، حتى ولو أبدت الدولة اللبنانية استعدادًا "جديًا" لذلك؟
يحاول رئيس الجمهورية إيجاد خرق في هذه المعادلة السوداوية من خلال طرح فكرة تفاوض مباشر مع الإسرائيليين، إلّا أنه حوصر سريعًا بمعطيين. الإسرائيلي لا يفهم على ماذا يريد لبنان التفاوض.
لائحة مطالب لبنان واضحة: إيقاف الحرب، الانسحاب، الأسرى. ماذا يقدّم في المقابل؟ لا شيء على الإطلاق. لم تعد في العام 2026 فكرة "التفاوض المباشر" مغرية للإسرائيلي، كما لو أننا في العام 2022. وعد بنزع السلاح فور توقف الحرب؟ لا يوجد أحد في المجتمع الدولي يصدّق هذا الكلام (حتى الفرنسي صاحب المبادرة). إذًا ماذا نقدّم؟ لو كان الرئيس اللبناني يتحدّث عن اتفاق سلام فوري، لكان الأميركي أغرته الفكرة، أقلّه في المبدأ. لكن "اتفاق أمني" لا يعني شيئًا من دون شريك أمني. بمعنى آخر، لو كان السادات غير قادر (أو غير راغب) في مواجهة "المقاومة المصرية في سيناء"، لما فاوضه أحد. الشيء نفسه ينطبق على الأردن، الذي فكّ ارتباطه بالضفة ونشاطاتها لأجل عقد اتفاق سلام في العام 1994. أمّا العنصر الثاني والأهم فهو رفض الرئيس نبيه بري تعيين عضو شيعي في الوفد المفاوض. لسخرية القدر، حتى في الشكل، رفض مبادرة رئيس الجمهورية أتى من الداخل اللبناني، من "الضمانة" نفسها، والتي تبيّن بشكل نهائي وحاسم أنها لا تمتلك أيًّا من الصفات التاريخية التي تتيح لها إدارة مرحلة من هذا النوع.
لم يعد أحد في العالم يملك ترف إراحة "الدلع" اللبناني. نموذج فريد من التعايش على البحر الأبيض المتوسّط. "وطن رسالة". السباحة والتزلّج في اليوم نفسه. زمن جاذبية هذه الطروحات كورقة ابتزاز للمجتمع الدولي انتهت صلاحيتها. المنطقة تعاد هيكلتها بشكل دراماتيكي. لن يقبل أحد إلّا أن تكون هذه آخر الحروب التي تنطلق من لبنان، ولو تمّ ذلك على حساب لبنان نفسه. المعادلة اليوم بسيطة: مواجهة الدولة المباشرة مع "الحزب" وسلاحه، جنوبًا وبقاعًا وضاحية، أو احتلالين أجنبيين لحوالى 40 % من مساحة لبنان. مصلحة "حزب اللّه" في الاحتلالين، أمّا مصلحة لبنان فبالمواجهة على مستوى الدولة. لا خيار ثالث يمكننا ابتداعه، لو مهما جهدنا في ابتكار "الأرانب" اللبنانية. وبالتأكيد، فإنه لن ينفعنا لا الاستنكار ولا الرفض ولا الشجب. لا ينفعنا إلّا العمل: ادخلوا إلى الضاحية.
صالح المشنوق -نداء الوطن
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|