سلام وجنبلاط وجرأة الذهاب نحو التفاوض
مرت مواقف رئيس الجمهورية جوزاف عون في التعامل مع حصرية السلاح التي نصّ عليها اتّفاق وقف الأعمال العدائيىة بالعديد من المراحل إنطلاقاً مما أعلنه في خطاب القسم وصولاً إلى إطلاق مبادرته الأخيرة بالتفاوض المباشر مع إسرائيل برعاية دولية، فما الذي تغيّر في تلك المواقف وكيف تعامل حزب الله مع كل منها؟
اتّسمت مواقف عون من مسألة السلاح في الجلسات الأولى للحكومة بالوضوح والمجاهرة، إذ أعلن أمام مجلس الوزراء والرأي العام التزامه العمل على إلزام حزب الله بتسليم سلاحه، دون الحاجة إلى إدراج هذا البند على جدول أعمال الحكومة. وقد ربط العديد من المراقبين هذا الموقف باللقاءات الملتبسة التي جرت بين جلستيّ الإنتخاب في المجلس النيابي، والتي أفضت إلى تصويت كتلة الوفاء للمقاومة لصالح عون. ومع تصاعد الشكوك والضبابية حول جدوى هذا الموقف، وما أثاره من تساؤلات على الصعيد الدولي عبر الميكانيزم، اتخذت الحكومة في 5 آب 2025 قرارها البارز بعد نحو عشرة أشهر من التوصل إلى اتّفاق وقف الأعمال العدائية بين لبنان وإسرائيل بوساطة أميركيةبتكليف الجيش اللبناني إعداد خطة، خلال مهلة شهر، لنزع سلاح الحزب على أن تُستكمل العملية قبل نهاية العام.
انعكست رؤية الرئيس عون لمسألة حصرية السلاح، كما برزت في جلسة الإنتخاب، بوضوح في خطة الجيش التي اقتصرت على نزع السلاح من قطاع جنوب الليطاني حتى نهاية عام 2025، بالتزامن مع تعهّد من قبل الجيش بعدم المساس بالسلاح في باقي المناطق.وقد ترافقت هذه الخطة مع مواقف تصعيدية صادرة عن حزب الله، اعتبرت أن الاتفاق المُبرم يقتصر تطبيقه على جنوب الليطاني، وأن القرارات الحكومية جاءت استجابة لإملاءات أميركية، من دون الإشارة إلى الدور الدستوري لرئيس الجمهورية في توقيع هذه القرارات قبل دخولها حيّز التنفيذ.
وفي سياق استهدافه للرئيس نواف سلام وحكومته يصر الثنائي أمل – حزب الله على تظهير تباين دائم بين مواقف رئيس الجمهورية والقرارات الحكومية المرتبطة بسلاح حزب الله وفي الإستثمار به. ففي حين اتخذت الحكومة المجتمعة برئاسة عون بتاريخ 2/3/2026 قرارها التاريخي بحظر أنشطة حزب الله العسكرية والأمنية وتكليف الجيش والقوى الأمنية تنفيذه في كل المناطق اللبنانية اعتبر رئيس كتلة الوفاء للمقاومة محمد رعد أن قرارات الحكومة هي محاولة لإخفاء تقصيرها في حماية السيادة الوطنية، مشدداً على استمرار موقف الحزب في مواجهة ما وصفه بـ»التمادي الإسرائيلي العدواني» على لبنان وأمنه. غير أن الموقف الأكثر حدّة صدر عن عضو المجلس السياسي في حزب الله، وفيق صفا، الذي شدّد على أن الحزب سيُجبر الحكومة على التراجع عن قرار حظر أنشطته العسكرية «بغضّ النظر عن الوسائل». ويكتسب هذا الموقف دلالة إضافية لكونه تجاهل تأكيد رئيس الجمهورية، العماد جوزاف عون، أمام أعضاء «اللجنة الخماسية»، أن قرار مجلس الوزراء بحظر الأنشطة العسكرية والأمنية للحزب هو قرار سيادي نهائي غير قابل للتراجع. وفي المقابل، أشار صفا إلى وجود تباين في الخطاب بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، مع التأكيد على استمرار قنوات التواصل مع الرئيس عون.
وفي ما يمكن اعتباره مؤشرًا متقدمًا في مسار الحوكمة الرشيدة، لم ينجح حزب الله في استدراج رئيس الحكومة نواف سلام إلى اصطفافات خارجة عن الإطار الدستوري. بل اتجه سلام نحو بلورة موقف يمكن اعتباره نواة لتشكيل مقاربة وطنية، لا تقتصر على اتخاذ القرارات، بل تنتقل إلى المواجهة مع حزب الله. وفي هذا السياق، لقد سجل سلام مواقف متقدمة بتأكيده أول من أمس على شاشة قناة العربية الحدث: «لن نتراجع عن قرارات الحكومة بحصر السلاح»، و«حصر السلاح أصبح اليوم أكثر إلحاحاً بعد كلفة حرب الإسناد» . كما أشار سلام «أن الحرس الثوري موجود في لبنان ويقود عمليات عسكرية، وأنه هو من أطلق مسيّرات من لبنان على قبرص»، مضيفاً أن «عناصر الحرس الثوري يقيمون بطريقة غير شرعية في لبنان وبجوازات سفر مزورة، وأن تنفيذ قرار الحكومة القاضي بإخراج الحرس الثوري من لبنان قيد التنفيذ».
وفي إصراره على تأمين غطاء لمبادرة التفاوض التي أطلقها الرئيس عون أمام رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا ورئيسة المفوضية الأوروبية السيدة أورسولا فون دير لاين وعدداً من قادة الدول العربية والغربية المختلفة جاهر سلام بالقول: «أسقطنا مفهوم حظر التفاوض مع إسرائيل، ..... وأن الحكومة تسعى لتشكيل وفد وطني جامع للتفاوض معها»، مشيراً إلى أن «وقف إطلاق النار وخروج إسرائيل من لبنان هو هدف المفاوضات المباشر».
وفي ما يشبه التأكيد على الخروج من الحلقة المقفلة وملاقاة مواقف سلام كان وليد جنبلاط سباقاً في تقديم إضافة نوعية للموقف من التفاوض وذلك عقب لقائه رئيس الجمهورية يوم أمس . لقد أكد جنبلاط «إن التفاوض هو من الوسائل المشروعة عالمياً إذا كان مبنياً على أسّس معروفة، وأن منطلقاته هي إتفاقية الهدنة، وإتّفاق الطائف، والقرارات الدولية وقد بُني عليها خطاب القسم لرئيس الجمهورية. وفي رسالة مباشرة الى حزب الله قال جنبلاط «أما رفض التفاوض من أجل الرفض وإستخدام لبنان كساحة قتال فهو المرفوض.»
هل تشكل مواقف سلام وجنبلاط بداية لتبلور فريق سياسي قادر على إخراج لبنان نحو مسار آخر، وهل تتحلى القوى السياسية بشجاعة الموقف للخروج من إصطفافاتها التقليدية وموروثها والإنضمام للمسار الجديد؟ وهل يمتلك المجتمع المدني شجاعة الموقف؟
العميد الركن خالد حماده -"اللواء"
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|