الصحافة

كواليس العلاقة بين بعبدا والحزب: من انقلب على من!

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

منذ الثاني من آذار الماضي، أصبحت العلاقة بين رئيس الجمهورية جوزاف عون و«حزب الله» مقطوعة كلياً. ونظرياً، يمكن القول إن "الجرّة قد انكسرت"، فيما يحمّل رئيس الجمهورية حزب الله مسؤولية تراجع العلاقة بفعل انخراطه بالحرب، فإن الحزب يحمل بعبدا مسؤولية هذا الكسر، لا نفسه، معتبراً أن الرئاسة مضت إلى خيار المواجهة معه خارج السياق الذي كان متفقاً عليه سابقاً. وبذلك، نكون أمام مسار يتجاوز مجرد انهيار الثقة بين الطرفين، ليصل إلى حد تبادل الاتهامات بالانقلاب، وتمهيد الحزب للذهاب نحو مكان أكثر جرأة في المواجهة السياسية التي باتت بالنسبة إليه شبه محسومة في ضوء التموضعات الصريحة جداً ضمن المعادلة الداخلية.

عن عون الحليف

منذ توليه قيادة الجيش، اتسمت علاقة عون بـِ «حزب الله» بطابع أكثر من طبيعي، بل مميّز. فقد كان مسؤول وحدة الارتباط والتنسيق في الحزب، الحاج وفيق صفا، ضيفاً دائماً على اليرزة، والغرف المغلقة تشهد على الكم الهائل من اللقاءات الدورية التي كانت تعقد بين الجدران. ويذهب بعض العارفين إلى حد القول إن طلبات صفا كممثل عن الحزب نادراً ما كانت تُرفض، وإن العلاقة بلغت مرحلة كان فيها عون يتقاطع مع توجهات الحزب إلى حد كبير، ما انعكس حتى داخل المؤسسة العسكرية، حيث برزت أسماء ضباط حظيت بتغطية غير معهودة.

في موازاة ذلك، أظهر عون، بصفته قائداً للجيش، جرأة في مقاربة ملف «المقاومة»، إلى درجة تضمين أوامر اليوم إشارات داعمة لها في مناسبات مختلفة، بل وتوبيخ من يتجاهل هذه المفردات من فريقه القريب. كما عُرف بحساسيته تجاه أي انتقاد يوجّهه بعض الضباط للحزب، لا سيما خلال الاجتماعات الرسمية. ومع اندلاع معارك الجرود الشرقية، مُنح الجيش، عملياً، هامش الظهور كقوة حاسمة في معركة "فجر الجرود"، وهذا ما أسهم في رفع أسهم عون داخلياً. وقد تُوّج ذلك بمواقف علنية، بينها ما أدلى به مرّة خلال زيارته للولايات المتحدة، حيث أشاد بدور «حزب الله» في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي وتحرير مناطق جنوبية، بينها بلدته العيشية.

الانقلاب

بدأ المشهد يتغيّر تدريجياً مع تبلور اسم عون كمرشح رئاسي محتمل. عندها، بدأت ملامح التحول تظهر في أدائه، وتكرّست في محطات مفصلية، أبرزها مرحلة ثورة السابع عشر من تشرين الأول 2019 وما بعد حرب الإسناد 2023 - 2024، واغتيال السيد حسن نصرالله، وتداعيات حرب أيلول – تشرين الثاني 2024، التي شكّلت معبراً أساسياً لوصوله إلى الرئاسة.

بالرغم من ذلك، راهن «حزب الله» على استثمار العلاقة، على الرغم من ملاحظته للتغيّرات الطارئة. وقد تُرجمت هذه المقاربة بلقاءات واتصالات، أبرزها الخلوة التي جمعت عون برئيس كتلة الوفاء للمقاومة النائب محمد رعد بين جلستي انتخابه في التاسع من كانون الأول 2024، والتي أفضت إلى تفاهم شفهي يقضي بحصر البحث في سلاح المقاومة ضمن إطار الاستراتيجية الدفاعية، التي أُدرجت كبند موسّع في خطاب القسم.

بداية القطيعة

منذ ذلك الحين، انتظر الحزب فتح نقاش جدّي لم يحصل حول هذه الاستراتيجية.

وفي وقت كان الحزب يتعرض فيه لضربات إسرائيلية وعمليات اغتيال، لم يبادر عون إلى إطلاق هذا النقاش، بل سلك مساراً مغايراً، عبر مجلس الوزراء واتخاذ قرارات استهدفت المقاومة، وهذا ما اعتبره الحزب بداية "طلاق سياسي"، وانقلاباً سريعاً ومفاجئاً على التفاهمات السابقة، إلى حد فاجأ حتى المقربين.

خلافاً لما أشيع، لم تكن القطيعة الحالية وليدة لحظتها. إذ سبقها نقاش داخلي داخل الحزب حول جدوى الاستمرار في العلاقة مع الرئيس بالوتيرة نفسها، خصوصاً بعد قرارات مجلس الوزراء في 5 و7 آب، والتي ظهر عون مؤيداً لها بالكامل. وبالرغم من ذلك، لم يُحسم خيار القطيعة، بل استمر السعي إلى التواصل، عبر تكليف القيادي السياسي في الحزب الدكتور أحمد مهنا بمتابعة القنوات، وتكثيف لقاءات رعد ونواب كتلة الوفاء للمقاومة مع عون، في مقابل ميل عون المتزايد إلى العزلة.

عون كان يعلم

قبل اندلاع المواجهة الحالية، كان رئيس الجمهورية على اطلاع واسع بتفاصيل الوضع الميداني. فقد نُقلت إليه، مباشرة أو بالواسطة، صورة الاعتداءات الإسرائيلية اليومية والمتكررة، التي بلغت في مراحل معينة الضاحية الجنوبية لبيروت، وأدت إلى اغتيال قيادات بارزة. وفي موازاة ذلك، كرر الأمين العام للحزب، الشيخ نعيم قاسم، مواقف عالية السقف تفيد بأن الحزب لن يبقى في موقع المتلقي، وأن الرد آتٍ، مع إبقاء توقيته ضمن قراره الخاص، داعياً الدولة إلى التحرك قبل فوات الأوان.

كما شدد الحزب، في أكثر من رسالة، على رفضه كسر المعادلة التي قبلتها الدولة ضمن اتفاق 27 تشرين الثاني 2024 على هوانها، محذراً من ترك إسرائيل تتحلل من القيود المفروضة عليها. وكان الرئيس، وفق هذه المعطيات، على بيّنة من أن الحزب يتجه نحو إعادة فرض توازن ما، وأنه لن يظل صامتاً إلى أجل غير مسمى.

إلى ذلك، وُضع الرئيس في صورة العراقيل التي تضعها إسرائيل أمام عمل وانتشار الجيش في جنوب الليطاني، من خلال تقارير مفصلة، ميدانية وتحليلية، تُظهر أن إسرائيل تمهّد لمسار عسكري هجومي ضد لبنان، مستندة إلى ذريعة تقاعس الدولة عن نزع سلاح الحزب، في وقت لا تتيح فيه للجيش هامش الحركة أو التعاون.

الحزب: لسنا من انقلب

بناءً على ما تقدم، يبدو "اتهام" رئيس الجمهورية لـحزب الله "بالانقلاب عليه أو خدمة إيران، مبالغاً فيه إلى حد ما، إذ كان مطلعاً على مجمل التطورات". في المقابل، يشعر الحزب "بأنه هو من تعرض للانقلاب، ليس فقط بسبب المسار التراكمي الذي بدأ في 5 و7 آب الماضيين، بل أيضاً على خلفية قرارات جلسة 2 آذار الجاري، التي صنفته كميليشيا محظورة وخارجة عن القانون، في وقت يخوض فيه مواجهة مع إسرائيل، ساعياً إلى فرض معادلة تستفيد منها الدولة نفسها، ما أسهم في عملية كشفه.

منذ ذلك الحين، يتصرف الحزب على قاعدة أنه "غير مقيّد طالما أن الهدف هو كسر الاعتلال الناشئ عن معادلة الدولة"، معتبراً أن أولويته هي حماية بيئته ونازحيه، وكسر الاختلال القائم وحيث بات هدفاً أساسياً. كما يرى نفسه طرفاً مقرراً في التفاوض من خلال ورقة القوة التي يمتلكها، ويرفض إدارة أي تفاوض وفق العقلية التي سادت خلال مرحلة ما قبل 27 تشرين الثاني. وعليه، يربط أي مسار تفاوضي بتوقيت يحدده بنفسه.

ورقة التفاوض

وفي هذا السياق، أبلغ الحزب رفضه الصريح لخيار التفاوض الذي طرحه الرئيس عون ضمن مبادرته ذات النقاط الأربع، والتي سعت فرنسا إلى تسويقها من دون نجاح. وبالنسبة إليه، فإن دولة صنّفته "عصابة" لا يمكنها أن تطلب إليه توفير تغطية للوفد التفاوضي عبر شخصية شيعية، سواء سمتها أو شاركت في تسميتها أو تدعم تسميتها، أين؟ في ذروة معركة يعتبرها معركة لفرض إعادة توازن.

في المحصلة، يرى الحزب أن اللحظة الراهنة ليست لحظة تفاوض، بل لحظة ميدان. ومن هذا المنطلق، يتحرك عسكرياً بهدف تجاوز كامل المرحلة السابقة، بما فيها قرارات آب وآذار معاً، معتبراً أن الوقائع الميدانية وحدها كفيلة بإنتاج معادلة جديدة وأن الوضع الراهن تجاوز كل تلك القرارات. وهذه المرحلة بالذات هي الكفيلة بإعادة رسم حدود العلاقة بين الدولة والحزب، كما بين لبنان وإسرائيل.

عبد الله قمح - المدن

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا