حلم الرباعية يتبخر... أرسنال يخسر أول ألقابه ومانشستر سيتي بطلاً لكأس الرابطة الإنكليزية(فيديو)
وهل تحتاج ابنة بشير الجميل إلى من يدافع عن مواقفها؟
لن اتحدّث في هذه الزاوية عن يمنى بشير الجميل بسبب عدم معرفتي الشخصية بها. بل سأتطرق إلى ما قالته، وهي عادة مقّلة في الكلام. صراحة لم أفهم وأنا أترصد ردود الفعل على كلامها لماذا شنّ البعض عليها هذه الحملة الشعواء وكأنها نطقت بما يخالف ما كان مقتنعًا به والدها الرئيس، الذي استشهد تحت شعار الـ 10452 كلم مربعًا غير ناقص شبر واحد، من هذه الأرض المقدسة، التي رحل عنها كل محتل وغازٍ. والشاهد على ذلك صخرة الجلاء على مدخل نهر الكلب.
ففي كل مرة يمرّ لبنان في مرحلة خطرة، تعود بعض الأصوات لتلعب على الغرائز الطائفية والمذهبية، وكأن هذا البلد لم يتعلّم شيئًا من تاريخه الطويل مع الحروب والانقسامات. وكأن اللبنانيين محكومون بأن يعيدوا التجربة نفسها كل بضع سنوات، ويدفعوا الثمن نفسه من دمهم وبيوتهم واقتصادهم ومستقبل أولادهم.
المقلق اليوم ليس فقط الحرب الدائرة، ولا الدمار، ولا النزوح، ولا الانهيار الاقتصادي، بل المقلق أكثر هو هذا الخطاب الذي يرتفع من هنا وهناك، والذي يعيد اللبنانيين إلى لغة التقسيم والخوف والشك المتبادل، وكأن هناك من يعمل في الخفاء على تحضير مناخات فتنة داخلية، قد تكون أخطر بكثير من أي حرب خارجية.
فالتاريخ علّم اللبنانيين أن الحروب الخارجية، مهما كانت قاسية، تنتهي باتفاق أو بتسوية أو بتوازنات جديدة، أما الحروب الداخلية فتنتهي دائمًا بخسارة الجميع، من دون استثناء. لا غالب ولا مغلوب، بل بلد مدمّر، ومجتمع ممزّق، وذاكرة مليئة بالأحقاد.
ومن هنا، يصبح من الضروري العودة إلى بعض المحطات الوطنية في تاريخ لبنان، وإلى شخصيات، مهما اختلف اللبنانيون حولها سياسيًا، لا يمكن إنكار أنها في لحظة معينة رفعت شعار الدولة قبل الطائفة، ولبنان قبل أي شيء آخر. ومن بين هذه الشخصيات أسمح لنفسي بالتحدث عن الشيخ بشير الجميل، لمعرفتي الشخصية به. ففي أكثر من خطاب له، شدّد على أن لبنان لا يمكن أن يقوم إلا بدولة قوية وجيش واحد وسلطة واحدة، وأن زمن الميليشيات والكانتونات يجب أن ينتهي.
قد يختلف اللبنانيون في تقييم تجربة بشير الجميل، وهذا حق طبيعي في بلد ديمقراطي، لكن ما لا يمكن إنكاره هو أنه، في مرحلة من أخطر مراحل لبنان، حاول أن ينقل الصراع من صراع طوائف ومناطق إلى مشروع دولة، وقال بوضوح إن لبنان لا يمكن أن يعيش إذا بقي كل فريق يبحث عن حماية خارج الدولة.
اليوم، وبعد كل ما مرّ على لبنان، يبدو أن هذه الفكرة لا تزال هي نفسها. لا أحد يستطيع أن يلغي أحدًا، ولا طائفة تستطيع أن تحكم وحدها، ولا فريق يستطيع أن يحمي لبنان وحده، ولا الخارج سيبني دولة للبنانيين إذا لم يبنوها هم بأنفسهم.
إن أخطر ما يمكن أن يحصل في هذه المرحلة ليس أن نختلف سياسيًا، فالاختلاف طبيعي، بل أن يتحوّل الاختلاف إلى كراهية، وأن تتحوّل السياسة إلى تحريض، وأن يتحوّل الخوف إلى مشروع فتنة. وعندها، لن ينفع الندم، لأن النار عندما تشتعل لا تسأل من أشعلها، بل من يشمل هذا الحريق؟
لبنان اليوم لا يحتاج إلى خطابات عالية السقف، ولا إلى مزايدات وطنية، ولا إلى استحضار الحروب القديمة، بل يحتاج إلى عقل بارد، وإلى خطاب هادئ، وإلى تذكير اللبنانيين بحقيقة بسيطة: لا أحد سيغادر هذا البلد، ولا أحد سيأتي ليسكن مكان أحد، ونحن محكومون بأن نعيش معًا، شئنا أم أبينا.
لذلك، فإن المسؤولية اليوم تقع على الجميع، على السياسيين، على الإعلام، على رجال الدين، على المثقفين، وعلى كل صاحب كلمة مسؤولة. فإما أن تكون الكلمة جسرًا بين اللبنانيين، وإما أن تتحول إلى خنجر.
قد يختلف اللبنانيون على السياسة، وعلى السلاح، وعلى الخيارات الإقليمية، وعلى كل شيء تقريبًا، لكن يجب أن يتفقوا على أمر واحد فقط، وهو أن الفتنة ممنوعة.
لأن الفتنة في لبنان لا تربح طائفة فيها، ولا ينتصر فريق، بل تُسقط وطنًا.
لبنان لا يُحمى بالشتائم، ولا بالتخوين، ولا بالتحريض الطائفي، بل يُحمى بالعقل، وبالدولة، وبالجيش، وبالحوار بين اللبنانيين، مهما كبرت الخلافات. فبعد كل حرب، محكوم على اللبنانيين أن يجلسوا إلى الطاولة نفسها، ويتصافحون، ويكتشفون بأن كل الدم الذي قد يُسفك لن يغيّر الجغرافيا، ولن يبدّل التاريخ، ولن يلغي أحدًا.
هذا ما حاولت أن تقوله يمنى بشير الجميل لأنها رأت ما هو أخطر من الحرب، ولأنها أعادت تصويب البوصلة في الاتجاه الصحيح، ولأنها مقتنعة بأن لبنان لا يقوم إلا بجميع أبنائه، ولا يسقط إلا عندما يختلف أبناؤه بين بعضهم البعض.
لذلك، وقبل أن نختلف على كل شيء، لنتفق على شيء واحد فقط، وهو أن لا أحد أكبر من بلده. فلبنان لجميع أبنائه أو لا يبقى لأحد.
لبنان ليس قطعة أرض نتقاتل عليها، بل وطن نتعب عليه. وليس ساحة نثبت فيها انتصاراتنا على بعضنا البعض، بل مكان نحاول أن نعيش فيه معًا، على رغم كل اختلافاتنا.
لقد تعب لبنان من الحروب، وتعب اللبنانيون من الكراهية، وتعبت الأمهات من انتظار أبنائهن، وتعب الأطفال من النزوح والخوف والحقائب المدرسية التي تتحول كل بضع سنوات إلى حقائب تهجير.
بعد خمسين سنة على حرب 1975، ما زال بعضنا يتصرف وكأن الحرب لعبة، أو مغامرة، أو فيلمًا يمكن إعادة مشاهده الدرامية. لكن الذين عاشوا الحرب يعرفون أن الحرب ليست بطولة، بل مقبرة جماعية للأحلام.
لذلك، وقبل أن نرفع أصواتنا، علينا أن نرفع مستوى عقلنا. وقبل أن نتهم بعضنا بالخيانة، علينا أن نتذكر أن هذا البلد لم يبقَ فيه متسع لمزيد من الحزن والدموع.
يمنى بشير الجميل من لا يتفق معك في ما قلته يكون عدّوًا للبنان الـ 10452 كلم مربعًا.
أندريه قصاص - لبنان 24
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|