"هدنة الفطر" على نار لبنانية "حامية" وإسرائيلية "باردة"!
لم يَعُد سراً أنّ ما هو مطروح للبحث كمخرج للحرب التي اقتيد إليها لبنان، ووقف مسلسل النكبات، هو أنّ المفاوضات المباشرة باتت خطوة إلزامية لا مفرّ منها. وإلى ما لها من محاذير، فإنّ كان لبنان يريدها ثمرة «هدنة الفطر» على نار حامية، تتريَّث إسرائيل لتخوضها على البارد. في انتظار اللحظة التي ستسمح لها بإملاء شروطها على البلد المنهك. وهو ما يؤدّي إلى مزيد من الويلات، طالما أنّ مَن شنّها إسناداً لإيران لم يعترف بعد بفداحة الخسائر. وهذه بعض المؤشرات الدالّة.
عندما تحدّث ديبلوماسي غربي عن انتهاء «زمن المفاوضات» والاستعداد لـ»زمن الإملاءات»، لم يكن يقصد أنّ المفاوضات عَيب أو محرَّمة، وأنّ أهمّيتها هي أن تكون محطة تتوفّر لها الظروف المؤاتية التي يمكن أن تؤدّي إلى حل. قياساً على ما لدى طرفَيها من قدرات، لخوض غمارها، مخافة ألّا تكون هناك تنازلات على الطرف الأضعف أن يقدّمها، بمعزل عن المعايير التي أرستها الحروب السابقة عندما أعلن الطرفان انتصارهما. وإن كان لكل منهما معاييره الخاصة، فقد شهدنا تجارب جديدة مع ما كان لطعمها من مرارة تجرَّعها المكابِر - المنتصِر زَيفاً وبهتاناً.
ويُضيف الديبلوماسي عينه، أنّه لم تعُد للحروب الجديدة أية معايير تتحدّث عن «النصر المطلَق» الذي انتهت إليه الحروب القديمة، في زمن انهارت فيه المعايير الدولية قياساً على تلك التي اعتمدتها بعض المكوّنات المسلّحة غير النظامية، عندما تستسلم لعدوّها، وتنقلب في الوقت عينه على شركائها في الداخل، وانتصارها على دولتها والمكوّنات الأخرى، وهو ما أسَّس لبذور استمرار الصراعات الداخلية في البلدان والكيانات المهزومة. وإن طلب إليه المزيد من التفاصيل التي تبرّر هذه النظرية، يرُد - من دون أي تردُّد - «عدد بعض الأمثلة والتجارب التي وضع فيها الشعب الفلسطيني المشتَّت بين قطاع غزة والضفة الغربية مثالاً ساطعاً امتدّت تجلياتها منذ سيطرة «حماس» على قطاع غزة وإبعاد السلطة الفلسطينية المعترف بها دولياً عنها منذ العام 2008 حتى سقوطها كلياً وتدمير القطاع بعد العام 2023». وإن تحدّث عن تجربة عراقية «معدّلة» ترجمت بصعوبة بناء دولة قوية لعقود من الزمن، ولا ينسى التذكير بالتجربة اللبنانية، إن تمّ الركون إلى تجارب العقل والمنطق منذ التوصُّل إلى تفاهم 27 تشرين الثاني 2024.
ليس في ما سبق درساً في العلوم السياسية والعسكرية، بقدر ما فيها من إشارات واضحة لنماذج اقتيد لها لبنان بطريقة إنسيابية ومتدرِّجة، إلى أن بلغ ما بلغه من تفكُّك. وهو أمر ناجم عن عملية تفخيخ أُديرت من الخارج باتقان قلّ نظيره على مدى عقود طويلة، وقد تجلّت بوجود دويلة ضمن الدولة، وجيش رديف ينافس الجيش الشرعي، بعدما تلبّس عباءة طائفية كبرى، قبل الصدام الأخير بين مشروعَين كبيرَين في المنطقة لا يحتمل البلد النتائج المترتبة عليه، بعدما بات الساحة الوحيدة التي تشهد تجلّياته التدميرية.
وعليه، فإنّ الديبلوماسي عينه يضيف - بلا تردُّد - أنّ المساعي المبذولة على المستويَين الداخلي والخارجي توصّلاً إلى عقد طاولة المفاوضات، قبل اتفاق تجميد العمليات العسكرية أو بعده، لم تنتهِ بعد إلى أي محطة إيجابية. فالمعلومات المتداولة عن حصيلتها ربطت المسارات بعضها ببعض، وما زالت في مرحلة البحث في مجموعة من الأفكار المشتتة التي لم ترتقِ بعد إلى مرتبة المبادرة. وإنّ مشاورات الساعات القليلة الماضية لم تنتهِ بعد إلى ما يمكن تسمِيَته بـ«هدنة الفطر» التي اقترحها رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون بالتزامن مع مبادرته الرباعية الخطوات، لعلّها تشكّل فسحة لترتيب الأولويات المرتبطة بجدول أعمال أي مفاوضات قد تُعقد في أي مكان، سواء برعاية أميركية منفردة أو بتكرار التجربة المشتركة مع الفرنسيِّين التي أدّت إلى تشكيل «الميكانيزم» قبيل ستة عشر شهراً.
على هذه الخلفيات، برزت عقدة كبيرة لا يمكن تفكيكها بسهولة، أعاقت مشروعاً للفصل النهائي بين ما يجري في إيران ولبنان. وهي عملية استنسخت المساعي التي بُذلت للفصل بين ما كان يجري في غزة ولبنان، التي لم يتمّ التوصُّل إليها قبل تدمير الساحتَين اللبنانية والفلسطينية بنسبة تفوق ما لحق بالساحة الإسرائيلية. وكل ذلك جرى، بعدما قدَّمت تل أبيب عروضاً كانت مستبعدة بخوض حروب تجاوزت مشاريع «الإلهاء والإسناد» لتمتد على سبع جبهات، توزَّعت بين الداخلية منها في غلاف «قطاع غزة»، وأخرى قريبة وبعيدة من حدودها، بعدما شملت اليمن والعراق وإيران بطريقة بُنِيَت عليها رهانات فاشلة، قالت عناوينها إنّ تل أبيب لا يمكنها أن تخوض حروباً طويلة الأمد، وقد اقتربت بمساراتها المختلفة من دخولها النصف الثاني من سنتها الثالثة، والحبل على الجرّار إن امتدّت لسنوات مقبلة.
وبناءً على ما تقدَّم، يبدو للمراقبين الأكثر حياداً، أنّ ما يواجهه لبنان خطيراً للغاية، ولم يستوعب البعض بعد أبعاد ما هو منتظر إن تطوَّرت المماحكات الداخلية، وإن بقِيَت الخيارات الإقليمية لحملة السلاح «غير الشرعي» معتمدة على خلفية ما يشبه القول «عليّ وعلى شركائي يا رب»، وخصوصاً إن بدأت العملية البرية، أياً كانت التكلفة على بيئتهم واللبنانيِّين. وإن كان ذلك سعياً إلى موقع إقليمي متقدِّم فهو لم يعُد ممكناً، في ظل فقدان أي مظلة داخلية شرعية بوجهيها الدستوري والأمني يمكن أن تسمح له بتجاوز دولة تتمتع مؤسساتها وسلطاتها بكامل المواصفات الدستورية، ولن ترضى بتبنّي الهزائم وحصيلة الخيارات الإنتحارية.
جورج شاهين - الجمهورية
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|