الصحافة

تحشيد على الحدود السورية-اللبنانية… ما موقع دمشق في الحرب؟

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

على الرغم من نفي كلٍّ من دمشق وبيروت المتكرر، لا تزال التحركات العسكرية على الحدود السورية-اللبنانية تثير قدراً كبيراً من التساؤلات حيال طبيعة ما يجري هناك ودلالاته في سياق التصعيد الإقليمي.

فقد جاءت هذه التحركات في لحظة تتداخل فيها مسارات عدة، من حرب متصاعدة بين إسرائيل و"حزب الله" في لبنان، إلى مواجهة أوسع بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة، وإيران من جهة ثانية، وسط إعادة ترتيب سريعة لعدد من الملفات الأمنية والسياسية داخل سوريا نفسها.

وجدّدت وزارة الدفاع السورية، أمس، تأكيدها أن الانتشار العسكري على الحدود مع دول الجوار "لا يمثّل تصعيداً، وإنما هو إجراء تنظيمي ودفاعي". غير أن حجم التعزيزات التي تحدثت عنها المعطيات الميدانية جعل هذه التحركات تبدو أكبر من مجرد انتشار روتيني على الحدود.

وفي ظل الاحتقان الناتج عن التطورات الجارية، تحوّلت الجغرافيا الممتدة من جنوب لبنان إلى البقاع، مروراً بمحوري القصير والقلمون اللذين شكّلا خلال العقد الماضي أحد أهم ممرات العبور والإمداد بين سوريا و"حزب الله"، وصولاً إلى الجولان، إلى قوس واحد من التوتر المتصل، حيث تتقاطع خطوط الحرب الإقليمية مع ترتيبات الأمن الداخلي في سوريا.

تحشيد سوري عند الحدود اللبنانية

ميدانياً، تظهر المعطيات المتوافرة أن التعزيزات العسكرية السورية على الحدود مع لبنان لم تبدأ مع التصعيد الإقليمي الأخير، بل سبقت اندلاع المواجهة الإيرانية-الإسرائيلية نفسها.

فقد بدأت دمشق خلال شباط نقل وحدات عسكرية إضافية إلى الشريط الحدودي، قبل أن تتسارع هذه العملية في الأيام الأخيرة مع اتساع التوتر الإقليمي.

وتحدثت مصادر متعددة عن انتشار وحدات مدرعة وقوات حرس حدود واستطلاع في محور القصير وريف حمص الغربي، مع نقل دبابات وناقلات جند ومدفعية وراجمات صواريخ قصيرة المدى إلى المنطقة. كما أُشير إلى مشاركة تشكيلات عسكرية، من بينها الفرقتان 52 و84، إضافة إلى وحدات من حرس الحدود. وقد أُعلن في دمشق بشكل مفاجئ عن وفاة العميد حسين العبيد (أبو صهيب الكفرزيتاوي)، قائد الفرقة 84، نتيجة أزمة قلبية.

مناطق التحرك العسكري السوري ليست مجرد نقاط حدودية عادية. فالقصير والقلمون الغربي ارتبطتا طوال سنوات الحرب السورية بخطوط العبور والإمداد بين سوريا و"حزب الله". لذلك فإن أي وجود عسكري سوري كثيف هناك يكتسب دلالة تتجاوز الطابع التنظيمي والدفاعي، خصوصاً في ظل الحساسية العالية السابقة بين مقاتلي "هيئة تحرير الشام" ومقاتلي "حزب الله".

كما أن هذه المنطقة تقع جغرافياً في منتصف القوس الذي يمتد من جنوب لبنان إلى البقاع، ثم القلمون والقصير وصولاً إلى الجولان، وهو ما يجعل أي تحرك عسكري فيها ذا حساسية خاصة في ظل اتساع الحرب في المنطقة.

والجدير بالذكر أن التحركات العسكرية السورية لا تقتصر على الحدود اللبنانية، بل امتدت كذلك إلى الحدود العراقية، إذ أعلنت وزارة الدفاع السورية في 4 شباط تعزيز انتشار قواتها على الحدود مع لبنان والعراق، مؤكدة أن الهدف من هذه الإجراءات هو ضبط الحدود، ولا يستهدف أي دولة، بل يندرج ضمن إجراءات سيادية لحماية الأمن الداخلي.

محور الجنوب
في الوقت نفسه، ظهرت تقارير إسرائيلية عن تحركات عسكرية سورية في الجنوب، ولا سيما في محيط القنيطرة والجولان. واعتبرت تل أبيب أن هذه التحركات قد تشكل خرقاً للتفاهمات الأمنية في تلك المنطقة الحساسة، بينما نفت دمشق ذلك، مؤكدة أن الانتشار هناك يهدف إلى حماية الحدود ومنع التسلل.

أهمية هذا المسار الجنوبي لا تكمن فقط في موقعه، بل في أنه يوسّع إطار الحدث. فالمشهد لم يعد يقتصر على الحدود السورية-اللبنانية، بل بات يمتد على قوس جغرافي يبدأ من جنوب لبنان مروراً بالبقاع والقصير وصولاً إلى الجنوب السوري والجولان.

وقد ازداد هذا الترابط وضوحاً بعد إعلان "حزب الله" استهداف موقع عسكري إسرائيلي في الجولان المحتل بطائرات مسيّرة، ما يعكس اتساع نطاق العمليات العسكرية إلى ما وراء الأراضي اللبنانية، ولا سيما في المنطقة المتصلة جغرافياً بين الجولان ومزارع شبعا وجبل الشيخ، وهي إحدى أكثر النقاط حساسية في المثلث الجغرافي الذي يربط جنوب لبنان بالجولان السوري المحتل وسفوح جبل الشيخ.

وتتحدث بعض السيناريوات العسكرية المطروحة في حال توسع الحرب عن احتمال أن يشمل أي عمل بري إسرائيلي توغلاً من المحور الشرقي عبر منطقة مزارع شبعا وجبل الشيخ، بما يسمح بالضغط على "حزب الله" من اتجاه إضافي غير محور جنوب لبنان التقليدي. هذا الاحتمال وحده كافٍ لجعل أي تحرك سوري في هذا المحور موضع مراقبة دقيقة.

التسريبات والضجيج الإعلامي

هذا التعقيد في المشهد قد يدفع نحو تأويل أي تحرك عسكري تأويلاً حساساً نتيجة الاستقطاب المرتفع، ويترك الباب مشرعاً أمام تساؤلات كثيرة حيال تزامن تسريب بعض المعلومات مع التصعيد الإقليمي، ولا سيما ما يتعلق بحماية الرئيس السوري أحمد الشرع، أو وجود تنسيق سوري-إسرائيلي.

وفي حين يرى البعض أن تسريب معلومات لوكالة "رويترز" بأن المخابرات التركية طلبت من بريطانيا المساعدة في حماية الشرع، ثم نفيها بسرعة من قبل أنقرة، قد يعكس خشية تركية من انعكاسات الحرب الإيرانية على المشهد السوري، يرى آخرون أن ما يحدد بوصلة الأحداث ليس ما ينشره الإعلام، بل ما يجري على الأرض.

إعادة ترتيب الملف السوري

جاءت هذه التطورات العسكرية على الحدود بعد سلسلة خطوات شهدها الملف السوري خلال الأشهر السابقة، وهو ما دفع بعض المراقبين للنظر إلى التحركات الميدانية الحالية بوصفها جزءاً من ترتيبات أوسع سبقت اندلاع الحرب الإقليمية.

ففي كانون الثاني/يناير توصلت دمشق إلى تفاهم مع "قسد" أنهى مرحلة من المواجهات في شرق سوريا، كما جرى نقل آلاف من معتقلي تنظيم "داعش" من السجون السورية إلى العراق خلال كانون الثاني وشباط. وفي 12 شباط سلّمت الولايات المتحدة قاعدة التنف إلى الجيش السوري، منهية وجوداً عسكرياً استمر سنوات في تلك المنطقة الاستراتيجية.

إلى جانب ذلك، شهدت الفترة نفسها خطوات سياسية دولية تمثلت في تخفيف القيود المفروضة على القيادة السورية الجديدة، بما في ذلك رفع اسم الشرع من قوائم العقوبات المرتبطة بالإرهاب. وقبل ساعات من بدء الحرب الإيرانية اتخذ مجلس الأمن الدولي قراراً برفع "هيئة تحرير الشام/جبهة النصرة" عن قائمة العقوبات.

ومن المؤشرات اللافتة أن إيران، رغم ردودها العسكرية التي طالت إسرائيل وعدداً من الدول العربية التي تستضيف قواعد أميركية، لم تستهدف سوريا حتى الآن.

ويكتسب هذا الغياب أهمية خاصة إذا وُضع في سياق التحركات العسكرية الجارية على الحدود السورية-اللبنانية، لأنه يطرح سؤالاً عمّا إذا كانت دمشق تُعامل في هذه المرحلة بوصفها ساحة محتملة للحرب، أم بوصفها ساحة يُراد تجنيبها الانفجار.

حياد أم تحوّل في الدور؟

وفي كل الأحوال، لا يمكن افتراض أن إدخال سوريا في مواجهة مباشرة مع "حزب الله" سيكون مساراً سهلاً أو تلقائياً. فالعلاقة بين الطرفين تشكلت عبر سنوات طويلة من الحرب، كما أن البيئة السياسية والاجتماعية داخل سوريا لا تسمح بالانتقال ببساطة إلى موقع الحرب إلى جانب إسرائيل أو لمصلحتها، حتى لدى تيارات معادية للحزب أو لإيران.

لكن ما إذا كانت هذه التطورات ستقود إلى تحييد سوريا عن الحرب أم إلى إدخالها تدريجياً في دور مختلف داخلها، يبقى سؤالاً مفتوحاً. فالمشهد الذي يتشكل على امتداد الحدود اللبنانية والسورية، وما يرافقه من إعادة ترتيب داخلية في البلاد، يشير إلى أن موقع سوريا في التوازنات الإقليمية لم يعد ثابتاً كما كان، بل أصبح جزءاً من التحولات التي تفرضها الحرب نفسها.

عبدالله سليمان علي- النهار

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا