الصحافة

​10 سنين على اتفاق معراب.. وما كان أغنى الهوى

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

اتصلت بي في "النهار" سكرتيرة وزير الخارجية آنذاك، جبران باسيل، وقالت إنه يودّ التعرف إليّ. لم أشعر يوماً برغبة في لقاء العماد ميشال عون أو مسؤولين في تياره، فأنا أزعم أنني أعرف غيباً تاريخهم ومنطلقاتهم وطرق تفكيرهم، ولكنني رحبت بالدعوة بما أن باسيل قام بهذه الخطوة، وأنا أكتب مقالات سياسية إلى جانب عملي التحريري. والتقينا بعد يومين في مقر وزارة الخارجية.

​فوجئ بأنني أكبره بعشر سنوات، وفوجئت بأنه يتحدث بعفوية وصراحة إلى أبعد الحدود مع شخص لا يعرف عنه شيئاً. الأرجح أنه قرأ لي مقالة أشدت فيها -بمعزل عن السياسة- بديناميته ودأبه في العمل وقدرته على استيعاب ملفات تقنية من آلاف الصفحات بسرعة قصوى. جبران باسيل ذكي، لكن مشكلته في سلوكياته ووراثته شبق السلطة من حميه.

​لماذا يرفض جعجع فرنجية؟ سردية تاريخية من بشري إلى إهدن

كنا في عام 2015، زمن الفراغ الرئاسي بعد انتهاء ولاية الرئيس ميشال سليمان. بادرني باسيل بسؤال: "لماذا في رأيك يرفض الدكتور سمير جعجع بحدة وصول سليمان فرنجية إلى رئاسة الجمهورية، رغم كل التطمينات والوعود التي يعرضها رئيس المردة؟".

​فأجبته بشكل عام بسرد للأسباب التاريخية المتراكمة منذ القرن الثاني عشر بين بشري وإهدن، وصولاً إلى ارتباط فرنجية ببيت الأسد، وفوق ذلك نظرة فرنجية إلى حجم "القوات اللبنانية" الذي لا يتجاوز في رأيه نائبين عن قضاء بشري. أعجبت الفكرة باسيل وعلّق بمرح: "هذه جيدة، ومَن أخبر جعجع أنه سيأخذ معنا أكثر من نائبين عن بشري؟". أجبته: "لا أعرف. أخبرني أين صرتم في مناقشة ورقة إعلان النوايا؟". فقال إنه لا يستطيع الجزم بنجاح الحوارات التي يتولاها إبراهيم كنعان وملحم الرياشي بين معراب والرابية.

​لا أخلط عادة بين السياسة وعملي الصحافي، ولكن لدافع وطني أخبرت الدكتور جعجع بعد لقاء صحافي بأنّ نظرة باسيل إلى وزن "القوات" ليست أفضل من نظرة فرنجية، خلافاً لما يعتقدون في معراب. أذكر أنه صمت وغرق لحظات في التفكير، ثم قال لي: "لا تُخبر أحداً".

​ بلا قفازات: "أوعى...!"

​كنت مطمئناً إلى أن نتيجة حوارات كنعان-الرياشي ستقتصر على تخفيف التوتر بين قواعد "القوات" و"التيار العوني" في الجامعات، ولن تصل إلى تفاهم سياسي تدعم بموجبه القوات ترشيح ميشال عون لرئاسة الجمهورية. وفي الواقع، كنت مستنداً إلى أجوبة جعجع كلما التقيته، عن استفساراتي بخصوص أخبار عن اقتراب موعد إعلان ورقة "إعلان النوايا"؛ كان يقول: "ليس قبل سنوات".

​لكنه استبقاني بعد أحد الاجتماعات التي كان يعقدها خارج التغطية الإعلامية مع رؤساء تحرير ومديري صحف ومسؤولين إعلاميين، وسألني مباشرة عن رأيي في خيار أن تؤيد "القوات" ترشيح الجنرال عون لرئاسة الجمهورية. "نقزت"، وأذكر أن رد فعلي كان عاجلاً ومن دون قفازات، ورأيت استغرابه على وجهه: "أوعى يا حكيم! لا أحد يعرف ميشال عون أكثر منك. شخصياً سوف أفهم أنك ربما ترغب في انتقام يُؤكل بارداً من الناس الذين انقلبوا على شباب يدافعون عن لبنان والحرية وعنهم ولحقوا ميشال عون. ربما ترغب في أن تريهم ميشال عون على حقيقته، ولكن أوعى! ستكون جريمة بحق لبنان والمسيحيين والقوات والقضية والشهداء".

​قطع استرسالي بهزة رأس مراراً وهو يقول: "لا لا.. تخيّل أن نمشي بخيار كهذا". لاحقاً، فكرت أنه لا شك كان يجري عليّ اختباراً، والأرجح أنه فعل ذلك مع آخرين ليعرف ردود فعلهم على اتفاق مع ميشال عون يشترط فيه الرجل أن يكون البند الأول فيه تأييد "القوات" لترشيحه إلى الرئاسة.

​زمن "النهار" و"المسيرة" و"الأنباء" و"العمل" : صحافة السياسة والصراعات

​سمحت لنفسي بالتعبير عن أفكاري على سجيّتي بحكم العلاقة المتينة التي كانت بيننا على مدى سنوات طويلة؛ زمن عملت في "المسيرة" بشكل متواصل من 1985 حتى 1998 مع فيفيان صليبا داغر، التي أوكل إليها جعجع رئاسة تحرير المجلة وتحويلها من نشرة داخلية إلى مجلة تُباع في الأسواق، ومع مجموعة من أنقى الصحافيين والمصوّرين الموهوبين والمندفعين في سبيل "القضية".

​قبل سفري إلى الكويت، حيث أمضيت أربعة أعوام مديراً لتحرير جريدة "الأنباء"، كانت قد ساءت علاقتي بـ"القيادة البديلة" لأسباب شتى، إنما بقيت مُتابعاً عن كثب لما يحدث داخل "القوات". وبعد خروجه من السجن في 2005، قاطعني جعجع كما فعلوا مع قواتيين آخرين اعترضوا على طريقة إدارة المسائل خلال مرحلة اعتقاله. أحدهم صديقي فادي الشاماتي الذي اعتُقل وتعرض لأصناف الضرب والتعذيب 43 مرة.

​أصرّ عليّ أنسي الحاج أن أكتب مقالة أسبوعية عند عودتي إلى "النهار" مطلع 2003، وكان يشجعني بقوة. وبعد خلافات زكّاها بعضهم بين جبران تويني وبين أنسي، ترك الجريدة بشكل مأساوي قبيل انتقالها من شارع الحمرا إلى ساحة الشهداء سنة 2004. وهذه وحدها قصة أخرى.

​إحراج أمام "التيار" بسبب مقالات

​على مرّ السنين عادت علاقتي بجعجع على قاعدة أنه زعيم سياسي وأنني كاتب سياسي أشغل موقعاً مؤثراً في جريدة مهمّة. لم نتحدث ولا مرة عن الماضي، كأننا لم تكن بيننا سابقاً معرفة. ولاحقاً، بعدما تولّى ملحم الرياشي جهاز التواصل والإعلام في "القوات"، عرف كيف يعيد حرارة الاتصال بيننا. في بعض الأيام كان يتصل بي جعجع خمس مرّات على التوالي لملاحقة موضوع يهمّه، وفي المقابل كان يردّ فوراً حين أتصل به.

​آخر مرّة التقيت فيها جعجع كانت في معراب سنة 2015؛ قال لي وهو يتمشى إن مقالاتي في "النهار" تسبّب له إحراجاً، إذ يعتقدون في "التيار العوني" أنني أعبّر عن موقفه الحقيقي وأفكاره المُضمرة، وأنه بالتالي لن يسير فعلاً في اتفاق معهم. أجبته: "أخبروهم بأنني أكتب رأيي الشخصي ولا علاقة لكم بالأمر". وكان جوابه: "قلنا لهم ذلك ولم يصدّقوا". صافحته مودّعاً ولمحت في عينيه سحابة تأمّل، وفكّرتُ أن هذا آخر لقاء بيننا.

​هاجمتُ بشدة توجّه "القوات" إلى عقد اتفاق سياسي مع ميشال عون، انطلاقاً من أن المصالحة شيء وتأييد ترشيحه للرئاسة شيء آخر. وأمّا سليمان فرنجية، فلم أقتنع لحظة باحتمال وصوله للرئاسة لأنني أصدّق السيد حسن نصرالله الذي كان موقفه المُعلن واضحاً: "اذهبوا إلى مجلس النواب وانتخبوا العماد ميشال عون".

​ "البدر الطالع" وتفسير الشعبية العونية

​دعاني ملحم الرياشي إلى قهوة وأبلغني رسالة: "يُسلّم عليك الحكيم، ويقول هاجم سياسة القوات كما تريد، إنما ابتعد عن التناول الشخصي". أوضحت له أنني أنظر إلى الدكتور جعجع كَمَن يستذكر حُباً سابقاً، وفكرتُ أنه لا يعرف طبيعة علاقات الناس بعضهم ببعض في "القوات" قبل انضمامه إليها.

​لاحظت بعد هذا اللقاء توقف موجة تعليقات سوقية على صفحتي الفيسبوكية كان يطلقها أنصار للقوات. والحق أنّي كنت أرى إلى "القوات" كالكنيسة، لا تبيع ولا تشتري في السياسة، وتلك نظرة طهرانية لا تنسجم مع طبيعة عمل الأحزاب.

​سألت جعجع مرة في معراب: "لماذا تريد تحويل القوات إلى حزب؟ سوف تجلب إليك الانتهازيين وصيّادي الفرص. الأفضل لو تتركها تيّاراً يعبّر عن ضمير المجتمع". استفزّه كلامي، فألقى عليّ محاضرة عن دور الأحزاب، ثم سألني عن تفسيري لظاهرة استمرار شعبية عون رغم كل الويلات. فأجبته بأنها مسألة عاطفية، ورويت له أنني أغرمت في شبابي بفتاة، وسألني رفاقي: "مَن هي هذه المِعزاة التي تسير معها على الدوام؟"، وكنت أتطلع إلى وجهها فأراه كالبدر الطالع! كاد جعجع أن يقع عن الكرسي من الضحك لهذا التفسير.

​سامي الجميّل أمام "الجرافتين" 

​بعدما تأكدتُ أن القوات ذاهبة إلى اتفاق "أوعى خيّك"، قصدتُ رئيس الكتائب سامي الجميل في الصيفي ليطمئن قلبي إلى أنه لن يؤيّد ترشيح فرنجية، وكان جوابه: "لا نستطيع أن نؤيّد مرشحاً من خط 8 آذار أياً تكن علاقتنا به". بدا متوجساً من اجتماع "جرافتين شعبيتين" في وجه الكتائب.

​تولّى نوفل ضو مهمة التواصل مع الإعلاميين بعد شهرين، غادرتُ بعدها الصيفي بكل ودّ، سعيداً بساعات أمضيتها خصوصاً مع الأستاذ جوزف أبو خليل في جريدة "العمل"، أول مكان عملت فيه مدى خمس سنوات كانت الأجمل في حياتي، رغم الحرب.

ايلي الحاج -المدن

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا