14 شباط: منازلة "أبو ظبي" و"الرياض" على الساحة اللبنانية؟
تتحول ساحة الشهداء في بيروت يوم السبت المقبل إلى "مختبر سياسي"، حيث تشخص العيون والقلوب نحو المنصة التي سيطل منها الرئيس سعد الحريري لإحياء ذكرى استشهاد والده. عودة الحريري هذه المرة لا تشبه سابقاتها. فهي تأتي محمّلة بإشارات مقلقة وتساؤلات وجودية حول مستقبل "الزعامة الزرقاء": هل يكسر الحريري طوق الاعتكاف ويخوض غمار الانتخابات النيابية المقبلة، أم يكتفي بخطاب وجداني يكرر العناوين التي اعتادها جمهوره منذ سنوات؟
المؤشر الأول الواجب رصده بدقة هو "حجم المشاركة". فالحشد يوم السبت ليس مجرد تجمّع لإحياء ذكرى، بل هو استفتاءٌ شعبي مباشر على شرعية الحريري في الشارع السني. إذا تدفقت الحشود بالآلاف أو بزخم ضخم، فهذا يعني أن الرجل لا يزال يملك "الكلمة الفصل" والمفتاح الأساسي في بيئته، رغم الغياب الطويل وبروز مرجعيات سنية حاولت ملء الفراغ.
لكن التحليل الأعمق يكمن في "جغرافيا الزحف". فإذا جاء الزخم الأكبر من عكار وطرابلس، فإن الرسالة ستكون موجهة مباشرة إلى "النظام السوري الجديد" ومناطق نفوذه. مفادها أن الحريري لا يزال الأقوى في الشمال، خزان الطائفة السنية. أما إذا اشتعلت بيروت وصيدا -معقل الحريرية التاريخي- بالهتافات، فهذا يؤكد أن "الحريرية السياسية" لا تزال عصيّة على الكسر، رغم وجود أصوات ومرجعيات أثبتت حضورها في صلب الطائفة خلال غياب "الشيخ سعد".
النقطة الأكثر خطورة وإثارة للجدل، والتي قد تقلب الطاولة على المشهد اللبناني، تكمن في مضمون الكلمة حيال الاستحقاق النيابي. فإذا أعلن الحريري صراحةً من ساحة الشهداء خوض الانتخابات على الأراضي اللبنانية، وأعطى إشارة الانطلاق لتيار المستقبل بتشكيل لوائح انتخابية، فنحن أمام تحول سياسي يتجاوز حدود لبنان. هذا الإعلان لن يكون مجرد قرار محلي، بل سيُقرأ تحليلياً على أنه "ضوء أخضر إماراتي" صريح ودعم لوجستي ومالي كامل للحريري للعودة إلى الحلبة. هنا، نصبح أمام فصل جديد من "المنازلة السعودية الإماراتية" التي انتقلت شرارتها من ملفات اليمن وليبيا وسوريا لتستقر في عمق الملف اللبناني. عودة الحريري بهذا الشكل ستكون تحدياً مباشراً للقرار السعودي الذي وضع الرجل في دائرة الاعتكاف، مما يجعل من لبنان ساحة لتصفية حسابات أو لإعادة رسم توازنات القوى بين الحليفين اللدودين في المنطقة. في المقابل، ثمة سيناريو آخر قد يسلكه الخطاب، وهو الالتزام بسقف المواقف العامة. فإذا تحدث الحريري عن عودته إلى "الحياة السياسية" كمفهوم عام، دون الغوص في تفاصيل تشكيل اللوائح أو تحديد موقفه النهائي من خوض الانتخابات، فهذا يعني أن "الأغلال السياسية" لا تزال محكمة. مثل هذا الخطاب سيكون مؤشراً على أن الحريري لا يزال يخضع لحالة "الإبعاد القسري السياسي"، وأنه لم يتلقَّ بعد "الإشارة السعودية" الخضراء التي تمنحه مباركة العودة الكاملة. في هذه الحالة، سيبقى الحريري في المنطقة الرمادية، ينتظر تحولات المنطقة وتغيّر المزاج في الرياض قبل أن يخطو أي خطوة عملية نحو صناديق الاقتراع.
لبنان يوم السبت لن يحيي ذكرى الـ 14 من شباط فحسب، بل سيرسم ملامح الخريطة السياسية للأعوام المقبلة. فهل يمتلك الحريري الجرأة ليكون "رأس حربة" في مشروع إقليمي جديد؟ أم يظل "الأسير السياسي" بانتظار تسوية كبرى لم تنضج ظروفها بعد؟ الإجابة تكمن في نبرة الصوت يوم السبت، وفي حجم الحشود التي ستقول للجميع: "نحن هنا".
علاء الخوري -ليبانون فايلز
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|