كم بلغت موجودات مصرف لبنان بالعملات واحتياطي الذهب؟!... اليكم الارقام
بين الفراغ والعودة: هل تقلب "المستقبل" خريطة انتخابات 2026؟
منذ أن علّق "تيار المستقبل" مشاركته في الحياة السياسية قبل أعوام، دخل المشهد السياسي اللبناني مرحلة غير مسبوقة من الاختلال في التوازنات، لاسيما داخل الطائفة السنية.
لم يكن غياب التيار ورئيسه سعد الحريري تفصيلا عابرا، بل شكّل فراغا واسعا انعكس مباشرة على نتائج انتخابات 2022، وسمح بصعود قوى وشخصيات وازنة ظرفيا، بعضها تحت عنوان التغيير وبعضها الآخر بوصفه بديلا محليا من الزعامة التقليدية. اليوم، ومع تصاعد الحديث عن احتمال عودة "المستقبل" والمشاركة في الانتخابات النيابية المقررة في الربيع، تعود الأسئلة عمن سيتضرر فعليا من هذه العودة، وكيف ستتبدل الخريطة الانتخابية دائرةً بعد أخرى.
في بيروت الثانية، تبدو عودة "المستقبل" أشبه بإعادة عقارب الساعة إلى نقطة التوازن. فالدائرة التي شهدت تشتتا غير مسبوق في الصوت السني، وانخفاضا ملحوظا في نسبة الاقتراع، استفادت فيها شخصيات مستقلة وقوى تغييرية من الفراغ أكثر مما استفادت من قوة ذاتية. عودة "المستقبل"، إذا جاءت بقرار واضح ولائحة موحدة، تعني حكماً رفع نسبة المشاركة السنية وإعادة تجميع الكتلة الحريرية التقليدية، ما يضع عددا وازنا من النواب الحاليين أمام تحدٍّ وجودي، إذ إن أحجامهم الفعلية ستُختبر للمرة الأولى في ظل حضور الزعامة التي غابت قسرا.
أما في الشمال، وتحديدا في دائرة طرابلس - المنية - الضنية، فإن الحديث عن عودة "المستقبل" يلامس جوهر المرحلة التي أعقبت غياب الحريري. والحال أن طرابلس كانت مختبرا حيّا لمرحلة "ما بعد المستقبل"، حيث تكاثرت اللوائح وتعددت الزعامات وبرزت شخصيات حاولت ملء الفراغ، من دون أن تنجح في إنتاج مرجعية جامعة. المزاج السني في المدينة بقي مترددا، احتجاجيا حينا وناقما حينا آخر، لكنه لم يظهر ثقة كاملة بأي بديل. من هنا، فإن عودة "المستقبل" قد تشكّل نهاية مرحلة كاملة من "البدائل الموقتة"، وتعيد خلط الأوراق جذريا، مع ما يعنيه ذلك من خسائر مباشرة لقوى التغيير ولشخصيات بنت حضورها على غياب التيار لا على مشروع سياسي مستدام.
في عكار، يبدو تأثير العودة أكثر تقنية، لكنه لا يقل خطورة. فالدائرة التي شهدت في 2022 صعود نواب بفعل تشتت الصوت السني، ستتأثر تلقائيا بأي ارتفاع في نسبة الاقتراع أو إعادة شدّ للعصب السني. هذا التحول لا يهدد فقط مقاعد سنية قائمة، بل يطال أيضا قوى مسيحية استفادت من التشتت، ما يجعل عكار واحدة من الدوائر التي قد تشهد سقوط مقاعد "هشة" لم تكن لتفوز في ظروف طبيعية.
في صيدا - جزين، لا تقتصر أهمية عودة "المستقبل" على حجم الصوت السني في المدينة، بل تتعداه إلى طبيعة التحالفات وانعكاسها على المقعد المسيحي في جزين. فصيدا، بحساسيتها السياسية وتاريخها مع التيار، قادرة على إعادة تثبيت حضور "المستقبل"، فيما يبقى تأثير هذا الحضور على جزين مرتبطا بخيارات التحالف أو الخصومة، ما يجعل الدائرة مفتوحة على أكثر من سيناريو، ولكن من دون شك على حساب القوى التي استفادت من غياب التيار سابقا.
في البقاع الغربي - راشيا، تبدو الصورة أوضح. فهذه الدائرة كانت من أكثر المتضررين من غياب "المستقبل" في انتخابات 2022، حيث فازت شخصيات عدة بفوارق محدودة مستفيدة من انخفاض المشاركة السنية. عودة "المستقبل" هنا تعني عمليا إعادة توزيع الأصوات المرجحة وتهديدا مباشرا لمقاعد قائمة، ومنها غير السنية أيضا، خصوصا أن الصوت السني فيها لطالما كان بيضة القبان في تحديد النتائج.
أما في بعلبك - الهرمل، فالحضور الانتخابي لـ"المستقبل" يبقى محدود التأثير على النتائج النهائية، لكنه يحمل دلالات سياسية لا يمكن تجاهلها. فعودة التيار إلى هذه الدائرة، ولو بحضور رمزي، تعيد تثبيت معادلة الشريك السني المنظم، وتحدّ من منطق إدارة الساحة على قاعدة الغياب الكامل، من دون أن تقلب الموازين العددية.
غير أن التحول الأبرز قد يظهر في دائرة الشوف - عاليه، وتحديدا في إقليم الخروب. ففي هذه المنطقة، يشكّل الصوت السني كتلة وازنة، وقد كان غياب "المستقبل" عاملا حاسما في تمكين قوى التغيير من اختراق الدائرة والفوز بمقاعد لم تكن لتنالها في ظل مشاركة سنية كثيفة ومنظمة. عودة "المستقبل" إلى إقليم الخروب تعني عمليا إعادة توجيه الكتلة الناخبة السنية، ما سيؤدي، وفق معظم التقديرات، إلى حرمان التغييريين مقعدين على الأقل في الشوف، وربما أكثر، نظرا إلى ارتفاع الحاصل الانتخابي وتبدل توزيع الأصوات التفضيلية. هنا تحديدا، تظهر كلفة الغياب السابقة، وتتكشف هشاشة الاختراق التغييري الذي بُني على ظرف استثنائي لا على قاعدة ثابتة.
ولا يمكن الغياب عن دائرة زحلة وتأثير الصوت السني فيها بما يتجاوز المقعد السني إلى مقاعد أخرى، ومثلها دائرة الجنوب الثالثة حيث تمت الاستفادة من أصوات كحالة اعتراضية، أما اليوم فسيكون لها أثر مباشر.
في المحصلة، لا تعني عودة "تيار المستقبل" إلى انتخابات 2026 عودة لبنان إلى ما قبل 2019، ولا إعادة إنتاج المشهد السياسي القديم بحذافيره، لكنها بلا شك تعني نهاية مرحلة الفراغ السني وبداية إعادة ضبط الأحجام داخل الطائفة وفي الدوائر المختلطة. المتضررون الأوائل لن يكونوا خصوم "المستقبل" التقليديين فقط، بل كل من استفاد من غيابه من قوى 14 آذار والكتلة التغييرية وكل من ظن أن الاستثناء يمكن أن يتحول إلى قاعدة دائمة. ويبقى السؤال الأهم: هل يعود "المستقبل" بخطاب مختلف يستوعب تحولات الداخل والأزمة العميقة، أو يكتفي باستعادة حضور انتخابي؟ عندها فقط يمكن تحديد ما إذا كانت انتخابات 2026 مجرد عودة لاعب أساسي، أو هي زلزال يعيد رسم الخريطة السياسية.
اسكندر خشاشو - النهار
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|