الحريري في 14 شباط: العودة لم تنضج بعد؟
تتجه الأنظار بعد أيام قليلة، إلى ساحة غصّت بمشاعر الحنين وأغاني الوفاء و"على الوعد نكمل دربك"، وسؤال يتكرر: هل هي عودة فعلية للرئيس سعد الحريري هذه المرة في ذكرى الرابع عشر من شباط، أم محطة عابرة تُضاف إلى سجل الزيارات غير المكتملة؟
تكررت زيارات الحريري لبيروت منذ إعلان اعتكافه، وتكرّر معها الخطاب نفسه عن عودة وشيكة، قبل أن ينتهي الأمر في كل مرة بمغادرة جديدة إلى خارج البلاد، حيث تُترك الساحة السنية في حالة انتظار دائم، بلا قرار واضح ولا أفق سياسي محدد.
ومع أن التجربة السابقة لم تكن إيجابية، إلا أنّ تغيرات فعلية قد يُبنى عليها في احتمال عودة الحريري من جديد. ولا يمكن إنكار أنّ المشهد السني يشهد تحوّلات لافتة، وشخصية وهمية اسمها "أبو عمر"- في لحظة ارتباك- استطاعت أن تفرض نفسها لاعبًا مؤثرًا، ولو بشكل ظرفي، وما رافقها من إخفاقات وتراجع في أدوار شخصيات سنية تقليدية. كل ذلك جاء في مرحلة كانت فيها السعودية تبحث عن بديل أو خليفة للحريري، من دون أن تنجح في العثور عليه، ما أبقى الطائفة في حالة من التشرذم.
والموقف السعودي لغاية اليوم لا يزال ضبابياً، باستثناء محاولة فتح قنوات مع شخصيات أخرى لكسر الاحتكار السني، دون أن يؤدي ذلك إلى تبلور رؤية واضحة للمرحلة المقبلة على أبواب الاستحقاق الانتخابي، في حال حصلت الانتخابات، وهو ما يعكس حالة تململ انتخابي.
ففي بيروت على سبيل المثال لا الحصر، تتخذ الأزمة بعدًا أكثر وضوحًا، مع شخصيات غير قادرة على أن تخوض معركة على لائحة واحدة، ومع الخوف من عدم وجود مظلة للاحتماء تحتها. وهذا هو لسان حال أحد النواب في بيروت، الذي عند سؤاله في كل مرة، على أي لائحة سيترشح، يجيب: "اعطوني وقت لأعرف السعودية شو بدها، والحريري شو بده".
محطة اختبار جديدة
من هنا، تُطرح الأسئلة بحدّة أكبر: هل لا يزال سعد الحريري أسير توازنات وصراعات إقليمية تحول دون عودته إلى الساحة اللبنانية، أم أن غيابه الطويل أعاد إنتاج الحاجة إليه، ولو كخيار اضطراري، في ظل غياب البدائل؟
تبدو ذكرى 14 شباط محطة اختبار جديدة، قد تحمل إشارات مختلفة، أو تؤكد أن المشهد لم ينضج بعد لعودة نهائية. في هذا السياق، تستبعد مصادر سنية مطلعة عودة الحريري في المدى المنظور، معتبرة أن "الوضع لا يزال على ما هو عليه"، متسائلة عمّا إذا كان قد طرأ أي تبدّل فعلي يبرّر الحديث عن عودة اليوم. وترى هذه المصادر في حديث لـ"المدن" أن ربط العودة بالاستحقاقات السياسية غير قائم، في ظل غياب أي أفق انتخابي، إذ "لا انتخابات نيابية ستُجرى، ولا الفيتو السعودي أُزيح عن الحريري"، ما يجعل عودته، بحسب هذه القراءة، غير مرجّحة. وتذهب المصادر نفسها أبعد من ذلك، معتبرة أن الحريري "ليس على الرادار السعودي، ولا على رادار أي دولة خليجية أخرى، كما يُشاع"، مضيفة أن العودة في ظل هذا الواقع "غير مُجزية سياسيًا، خصوصًا في غياب أي استحقاق انتخابي".
في المقابل، تقدّم مصادر في تيار المستقبل قراءة مغايرة، في حديثها لـ"المدن"، مؤكدة أن كلمة سعد الحريري في 14 شباط ستشكّل محطة مفصلية، وتحمل إجابات واضحة عن الأسئلة المطروحة، ولا سيما في ما يتعلّق بالموقف من الانتخابات النيابية ومستقبل العمل السياسي. وتشدد هذه المصادر على أن القرار في نهاية المطاف يعود إلى الحريري وحده، وأن كلمته ستقارب مجمل التطورات السياسية، داخليًا وإقليميًا، ضمن موقف "واضح وصريح".
وتلفت مصادر التيار إلى أن عنوان الذكرى هذا العام "تاريخنا إله مستقبل"، ليس شعارًا عابرًا، بل يحمل دلالات سياسية يمكن للجمهور أن يستخلص منها الكثير، معتبرة أنه يشكّل "عنوان العودة" ورسالة إلى القواعد الشعبية بأن المسار لم ينتهِ. كما تؤكد أن ما يتصل بمستقبل تيار المستقبل سيُحسم من قبل الحريري شخصيًا، استنادًا إلى تجربة سياسية بدأت عام 2005 ولا يمكن اختصارها أو التعامل معها كصفحة من الماضي، خلافًا لما يروّج له خصوم أو مشكّكون.
الحريري وقوافل التائبين
وبدا لافتاً قبل ذكرى 14 شباط، نشاط الأمين العام للتيار أحمد الحريري. حملت مواقف أحمد الحريري خلال جولاته رسائل واضحة، لا سيما لجهة محاولته إعادة شدّ العصب السني، من خلال تأكيده عدم وجود أي نية لعقد تحالفات مع حزب الله، إضافة إلى توجيه انتقادات حادة لمن سماهم "قوافل التائبين"، فيما شدد على أن جمهور تيار المستقبل يشكّل "درع السعودية وقلعتها في لبنان".
ويبدي مراقبون استغرابهم من إصرار تيار المستقبل على نفي أي أبعاد سياسية للقاءات والجولات التي يقوم بها الأمين العام، ورفض ربطها بأي رسائل سياسية أو تمهيد لعودة التيار إلى العمل الميداني، والاكتفاء بوضعها في إطار التحضيرات لإحياء ذكرى الرابع عشر من شباط. في المقابل، تؤكد مصادر في تيار المستقبل أن هذه الجولات تندرج حصراً في سياق التحضير لإحياء الذكرى السنوية لاستشهاد الرئيس رفيق الحريري، التي تصفها بـ"الذكرى المقدسة" والأهم في مسيرة التيار، لارتباطها بالزعامة الوطنية للشهيد، مشددة على أن إحياء الذكرى ليس مرتبطاً بأي استحقاق أو تطور سياسي آخر.
وتلفت المصادر إلى أن الذكرى هذا العام تأتي بالتزامن مع اقتراب الاستحقاق الانتخابي، ما يفسر كثرة الأسئلة المطروحة من قبل جمهور التيار واللبنانيين عموماً حول موقف تيار المستقبل من الانتخابات، وإمكانية مشاركته في انتخابات عام 2026.
للمستقبل تاريخ وسيبقى
بهذا الكلام ترد مصادر المستقبل بتلميحات عن عودة مرتقبة للحريري على الساحة السياسية، باعتبار أن للمستقبل تاريخاً وسيبقى إلى المستقبل. وسيحمل الحريري كل الترجمة التي يريد أن يعلمها اللبنانيون. ورداً على سؤال أن الحريري في كل مرة يأتي ويعد جمهوره ويكرر الكلام نفسه من دون عودة، تجيب المصادر مشيرة إلى أن ما يحصل وكأنه عودة تدريجية للمستقبل إلى الحياة السياسية. بالأمس قلنا بالعشرين على الساحة راجعين، واليوم نقول تاريخنا له مستقبل.. ولكن لا يمكن التكهن أو التحليل قبل كلمة الحريري". ولكن هل تغيرت المؤشرات عن السنة الماضية، هل أزيل الفيتو السعودي، هل أصبحت للحريري مكانة في الساحة من جديد؟ تجيب المصادر: "أحيينا الذكرى بصمت على مدى سنتين بعد إعلان الاعتكاف، وفي الذكرى الثالثة بعد اعلان الاعتكاف عاد الخطاب وتغير، لأن متغيرات حصلت حينها، جزء منها مرتبط بتعليق العمل السياسي، ولكن اليوم لا نتكهن وسننتظر الذكرى للحصول على جواب". أما في ما يتعلق بالحديث عن فيتو أو غيره، "فنحن غير معنيين بتاتاً بكل ما يُحكى".
بالعودة إلى المصادر السنية التي تستبعد عودة الحريري، تؤكد في المقابل أن غيابه عن المشهد الانتخابي لا يعني غياب تأثيره، إذ تشير إلى أنه لو كانت الانتخابات ستجري، لكان الحريري واجه مشكلة البقاء خارج الساحة. وعلى الرغم من تعليق العمل السياسي، يبقى بإمكان الحريري التأثير بشكل غير مباشر عبر دعم ترشيحات معينة أو إسقاط أسماء أخرى أو تعزيز حضور شخصيات محددة وتوزيع الأصوات، لما له من امتداد واسع في مختلف المناطق، وإن كان التيار الأزرق، خارج الاستحقاق الانتخابي راهناً، والحريري "مش راجع" في المدى القريب.
أمّا على مقلب "المستقبل"، فتؤكد المصادر أنّ "الجهوزية قائمة دائماً"، موضحة أن تعليق العمل السياسي لم ينسحب على العمل التنظيمي، الذي استمر من خلال الجولات المناطقية والتواصل مع الناس، ما يعكس جهوزية دائمة نابعة من إرادة الشارع. وتشدد المصادر على الاستعداد لخوض الانتخابات وفق أي قانون انتخابي، مع التأكيد أن لكل انتخابات عدتها، وأن القرار النهائي مرتبط بما سيعلنه الحريري في الرابع عشر من الشهر. وفي المقابل، تقر المصادر بأن غياب تيار المستقبل سابقاً أتاح المجال أمام نواب حاليين لدخول البرلمان، وأن عودته إلى اللعبة الديمقراطية ستعني خروج عدد منهم، إلا أنها تؤكد أن أي مشاركة انتخابية لن تكون بهدف تحدي أحد أو محاصرة أحد، بل لاستعادة الموقع في المعادلة السياسية وتصحيح الخلل القائم، بعدما أثبتت التجربة أن أحداً لم يتمكن من ملء فراغ الحريري، وأن كل من حاولوا وراثة مكانته لم يكونوا سوى أدوات بيد شخصية وهمية تُدعى "أبو عمر".
فهل تكون الذكرى محطة حاسمة تعيد خلط الأوراق، أم مجرّد فصل جديد في مسار الانتظار؟ الإجابة، كما يبدو، مؤجّلة إلى ما سيقوله سعد الحريري، وما إذا كانت اللحظة السياسية تسمح فعلًا بعودته.
زينب زعيتر - المدن
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|