معركة عكار: سقوط حلف القوات-حبيش.. وحرب "إلغاء" برتقالية"
تُعد دائرة الشمال الأولى "عكار" في القاموس السياسي اللبناني "خزان الأرقام" و"بيضة القبان". لكن، ومع اقتراب الاستحقاقات الكبرى، يبدو أن المحافظة التي طالما صُبغت بلون سياسي واحد لسنوات، تعيش اليوم مخاضاً عسيراً يعيد رسم خرائط القوى. بين برودة "البيت الأزرق"، وطموحات "معراب"، وحروب "الأخوة الأعداء" في التيار الوطني الحر، تبرز عكار كساحة صراع إقليمي ومحلي لا يعترف بالثوابت القديمة.
الناخب السني في عكار هو المحرك الفعلي للعملية الانتخابية، لكن هذا المحرك بدأ يعمل "خارج التغطية" المعهودة لتيار المستقبل. لم تعد الأسئلة تدور حول "حجم الفوز"، بل حول "شرعية التمثيل". فالشارع العكاري، وتحديداً في ثقل "القيطع" و"جرد القيطع" و"الدريب"، بات يتعامل ببرودة ملحوظة مع قيادة التيار.
لقد كشفت الزيارة الأخيرة للأمين العام للتيار أحمد الحريري عن فجوة عميقة. فالاستقبال الذي أريد له أن يكون استفتاءً على "الوفاء"، جاء خجولاً ولا يعكس تطلعات القرى التي تشعر أنها دُفعت نحو الهامش. هذا "النفس العكاري" المعاكس لم يعد مجرد عتب إنمائي، بل هو انعكاس لتحولات كبرى. فالتغييرات الدراماتيكية في سوريا المجاورة هزت الوجدان السني العكاري وأجبرته على إعادة تموضع واقعية بعيدة عن الرومانسية السياسية لعام 2005.
لم تعد عكار شأناً محلياً صرفاً، فالتحالفات السنية تخضع اليوم لمجهر الحسابات الإقليمية حيث تظل السعودية اللاعب الأبرز، والمرجع الذي ينتظر الجميع إشارته "المقدسة". في حين بات لتركيا حضورا لا يستهان به عبر "القوة الناعمة" والمساعدات، مستغلة الروابط التاريخية. أما الإمارات، فهي "المفاجأة" التي دخلت المشهد عبر مرشحين ظهروا بملء قوتهم، ليزاحموا الخيارات التقليدية ويفرضوا واقعاً مالياً وسياسياً جديداً.
على الضفة المسيحية، تبدو "القوات اللبنانية" وكأنها تتحرك فوق أرض صلبة هذه المرة. في انتخابات 2022، حصد مرشح القوات أكثر من 8,000 صوت، لكن "غصّة" عدم تأمين الحاصل حالت دون وصوله. اليوم، مع انقلاب موازين القوى الإقليمية، تعتقد معراب أن "اللحظة العكارية" قد حانت. تتجه القوات لتبني مرشح ماروني هذه المرة لضمان اختراق العتبة الانتخابية. بورصة الأسماء في معراب تنحصر في ثلاثة خيارات: الخيار الحزبي الصرف: ويتمثل في واحد من المنسقين السابقين نبيل سركيس أو جان شدياق. خيار "الجسر" السني-المسيحي: وهنا يبرز اسم رئيس حركة التغيير إيلي محفوض كخيار "ثالث" قادر على المنافسة ومقبول في الشارع السني السيادي.
أما السيناريوهات السابقة فقد تهاوت. فالمصادر تؤكد أن التحالف مع النائب السابق هادي حبيش قد سقط، بينما يبقى التحالف مع النائب وليد البعريني مجرد "مسودة" تنتظر الحسم الذي قد لا يأتي.
إذا كان وضع القوات طموحاً، فإن وضع التيار الوطني الحر "معقد" حد التشابك. التيار الذي فاز في 2022 بفضل تحالفات قوية، لا سيما مع النائب محمد يحيى (المسنود بإرث شقيقه مصطفى يحيى وعلاقاته الإقليمية)، يواجه اليوم "تسونامي" من الداخل.
نائبه جيمي جبور يثبت أقدامه كمرشح ماروني يرفض التراجع، واضعاً نفسه في مواجهة مباشرة مع هادي حبيش ومرشح القوات.
أما معركة المقعد الاورثوذكسي، هي الحرب التي لم يستطع جبران باسيل إخمادها. دخول رئيس بلدية رحبة السابق فادي بربر السباق النيابي خلط الأوراق بوجه النائب أسعد درغام القوي والثابت انتخابياً. بربر، الذي جير أصواته لجبور في 2022 نكايةً بدرغام، يريد اليوم إثبات أنه "الرقم الصعب" في عكار، متهماً درغام بـ "قلة الوفاء". هذه المواجهة تتخطى السياسة لتصبح معركة "وجود وحيثية" داخل البيت العوني الواحد.
إن الخارطة العكارية اليوم هي لوحة "سريالية" بامتياز. في عكار، لن يفوز من يملك المال أو السلاح فقط، بل من ينجح في قراءة "الرياح الإقليمية" وترجمتها إلى لغة تحالفات ذكية فوق أرض "لا ترحم" الضعفاء.
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|